د. صادق السامرائي
ا. د. عبد الله الفيفي
الكبير الداديسي
محمد صالح الجبوري

أزمان الارث الصعب

ما من بلد يطارده ماضيه كالعراق، وما من حضارة يهيمن فيها الماضي على الحاضر، كالحضارة العربية- الاسلامية. وحين يجتمع الاثنان، ماضي البلد وماضي الحضارة، ينزل الكل الى الهاوية،

 التي اسماها اسلاف "العراق" الاوائل، العالم السفلي، واسماها اخلافهم، جهنم. ويسميها جيلنا، تلطفا ازمة.

 

لا اتذكر من قال ان الحاضر لا وجود له. فالان هو كلمة مغشوشة، لا يمكن الامساك بها. ثمة تدفق للزمان، ننتقل فيه دوما من الماضي، الذي كان، الى المقبل (لا المستقبل) الذي سيكون. وفي هذه الحركة الخفية، التي تنساب من بين اصابعنا، يطاردنا الماضي بلا رحمة. فافعاله واقواله، وحركاته وسكناته، تخنقنا في كل لحظة. "الميت يمسك بتلابيب الحي". ولعل اكبر لعنات الماضي قصة انتقال العراق من القرون الوسطى الى العصر الحديث. وهذه حكاية يحمل عنها العراقيون من الخرافات والاوهام ما يفوق الوصف. لعل الاستثناء الوحيد هو الدراسات التاريخية المتجردة، الصادرة على الاغلب في الغرب، وبعض الدراسات الشحيحة الصادرة في العراق.

 

قبل مائة عام لا غير كنا ندشن "العهد السعيد"، عهد الانتقال الى الدولة الحديثة، وهو انتقال تولاه بالنيابة عنا، حكامنا العثمانيون.

 

اكتشف هؤلاء، كما اكتشف جيرانهم في ايران القاجارية، من بين ركام الهزائم والانكسارات، ان الدولة السلالية القديمة في العصر الحديث، لا تختلف كثيرا عن حال القوس والسهم بازاء البندقية، والحصان امام السيارة، والطير الزاجل امام خطوط التلغراف، او المنجنيق امام الطائرة.

 

كما اكتشفوا الترابط العضوي بين الدولة ومنتجات الحداثة (العلم والصناعة الالية). فالدولة السلالية لا تتسق الا مع المحراث الخشبي وخرافات حامله، القروي الامي. دشن العثمانيون، والقاجاريون، ومعهم رعاياهم من العرب والكرد، عصر التجديد، على اربع لحظات: المركزية، التحديث، الدستورية، النزعة القومية.

 

وانضغطت هذه اللحظات الاربع تباعا انضغاطا سريعا، لاهثا، اذ كان عليها ان توحد نظام الادارة، وتخلق وزارات لم يكن لها وجود، وان تؤسس جيشا دائميا، وتوطد لاول مرة ملكية الارض ونظام الضرائب، وان تخضع الحاكم لضوابط قانون دستوري، وان تقلب الثقافة الدينية الى ثقافة قومية حديثة وان تحل المدرسة العلمانية محل الكتاتيب.

 

ما جرى في اوربا الغربية، مثلا، في ثلاثة قرون، فتوطدت الادارة المركزية، وانتشر التعليم الحديث والانتاج الحديث ثانيا، وكبرت المدن ثالثا، ثم برزت النزعة الدستورية لتقييد الملوك الجبابرة رابعا، ثم حل عهد القوميات خامسا بعد انحلال المراتب القديمة. لكن ذلك كله تكثف في اصقاعنا بنصف قرن. الاجيال الاولى التي داهمها هذا التحول قاومته بضراوة. فازاء المركزية رفعت المدن المستقلة والقبائل الرحل، سلاح التقسيم. وازاء التحديث وقف التراث القديم باسره، قيما وافكارا مع الماضي. وضد الدستور انتصبت الشريعة. وامام الفكرة القومية اشرأبت الملل والنحل. ثم جاء جيل جديد، في عهد الانتداب البريطاني، ليجد في الانتماء الى الدولة، والافادة منها، سبيلا للقبول بالدولة الحديثة. وتحول شيخ القبيلة الى حداثي، بمجرد حصوله على الارض ودخوله مجلس الاعيان. وصار رجل الدين يلهج بالفكرة الوطنية، على قاعدة "حب الوطن من الايمان" بعد ان اطمأن الى استمراره، ونفض التقليدي العمامة عن رأسه ليرتدي السدارة، او يمشي حاسر الرأس بلباس الافندي ما ان وجد وظيفة او اعمالا تجارية.

 

لكن هذا الجيل المؤسس سرعان ما مضى، ليأتي من بعده العسكري او الايديولوجي، الشغوف بالمركزية من دون دستور، وبمنتجات الحداثة المادية من دون ثقافتها وقيمها، فخرب الدولة تخريبا، مؤسسة بعد اخرى وفكرة بعد فكرة. ومثلما انشئت الدولة الحديثة بسرعة، وتفككت بسرعة.

 

واليوم يقف العراق على مفترق الطريق ذاته الذي وقفه قبل قرن ونيف. دولة مركزية بازاء قوى تريد احتكار العنف والقانون بلا ضابط، ودولة دستورية بازاء قوى تتحدى القانون الوضعي باسم المقدس، ودولة مؤسسات بازاء قوى وافراد يمسخونها مزرعة شخصية، من وزارة اقطاعات، الى سجون سرية، ومن موارد عامة الى حافظة نقود شخصية. ودولة وطنية بازاء قوى دينية تلهج بايديولوجيات طائفية.

 

لكأن الحال مثل دابة الناعور، دوران ابدي حول النفس، يبدو للبهيمة البلهاء تقدما الى امام.

 

العراق اليوم دولة تفتقر الى مقوم الدولة الاساس: احتكار وسائل العنف. والعراق اليوم دولة- امة بلا امة. وهو اليوم دولة ذات سيادة بدون سيادة ناجزة، واقتصاد سوق مقيد باقتصاد ريعي مركزي، وديمقراطية بلا ديمقراطيين، ودولة دستورية بلا احترام لدستور. انه دولة رثة، او شبح دولة، كيان لابث في مطهر دانتي، في منزلة وسطى بين نعيم الفردوس، ولظى جهنم.

 

يقف العراق على مفترق طرق. وهو مرشح لان يعود القهقرى الى عام 2006، عام استشراء الحرب الاهلية، وتبديد الرصيد الوحيد الباقي: الامل.

 

وما كان لاحد ان ينتظر من الطبقة السياسية الجديدة، في عصر المجتمع الجماهيري الحضري، غير ذلك. فهذا المجتمع، بفعل طبيعته بالذات، متوتر وخانق. وكان على قارات عديدة ان تدفع ثمن المرور به لتتجاوز الاحترابات الاهلية، وتفكك الدولة، وانهيار الحضارة. وقد دفعت الثمن قبلنا. اما سياسيونا، فهم، فضلا عن جهلهم بالتاريخ الحديث للقرن العشرين، يشيحون بانظارهم بعيدا عن تاريخهم الخاص، الاني، المباشر، او تاريخهم السابق القريب.

 

وهذا الجهل النابع من مصادر عدة، لكنه يتغذى على عمى التشبث بالوحدانية في الحكم، خلافا لمبدأ الحكم في العصر الحديث: المشاركة، تقسيم السلطة، التداول. لعل البركة الوحيدة هي انقسامهم المانع للاحتكار، لكن هذا الانقسام هو اللعنة الوحيدة ان جرى حله بالعنف.

 

كان ثمة تدبير حصيف عمدت اليه جمهوريات المدن الايطالية قبل اربعة قرون، مفاده اجراء قرعة بين نبلاء الاسرة الحاكمة، ومنحهم كرسي الحكم الاول بالدور، على الحظ الذي يأتي به النرد. ورغم ان سياسيينا يفتقرون الى الدم الازرق، فان بوسعهم ان يجربوا هذا الابداع النبيل، لمنع اهراق الدماء. من يدري، لعله ينجح.

 

* عالم اجتماع عراقي مقيم في بيروت

العالم: 8-5-2010

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1397 السبت 08/05/2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1341 المصادف: 2010-05-08 12:55:06