د. ميثاق بيات الضيفي
عبد الجبار زبير
زهير جمعة المالكي
محمد سعد عبد اللطيف
د. صادق السامرائي

فرنسا وإسلام الأنوار

فرنسا هي بلد الأنوار الفلسفية بامتياز. فمنها انتشرت في القرن الثامن عشر لكي تعم كل أنحاء أوروبا. ليس غريبا إذن أن يظهر فيها التأويل الجديد لتراثنا العربي الإسلامي العظيم. وهو الذي سيحل محل التأويل الأصولي الذي طغى علينا طيلة الأربعين سنة الماضية مع صعود موجة الإسلام السياسي الهادرة.

نقول ذلك وخاصة أن الإسلام أصبح يشكّل الدين الثاني في بلاد فولتير بعد المسيحية في مذهبها الكاثوليكي البابوي. عدد المسلمين لا يقل عن خمسة ملايين، وربما ستة. وبالتالي فهم خمسة أضعاف عدد اليهود أو البروتستانتيين. وبما أنهم على احتكاك يومي بالحداثة الفرنسية، فليس من المستغرب أن ينبثق من داخلهم إسلام الأنوار. وهو ذاته إسلام العصر الذهبي الذي أشع على العالم يوما ما من بغداد أو قرطبة، ولكن مضافا إليه هذه المرة كل الفتوحات العلمية والفلسفية للحداثة الأوروبية منذ عصر النهضة وحتى اليوم، وبالتالي فسوف يكون نورا على نور. هذا هو إسلام المستقبل. إنه على الأبواب.

كان الأب المسيحي كريستيان ديلورم قد نشر كتابا بعنوان «الإسلام الذي أحب، الإسلام الذي يقلقني». وفيه يعبر عن موقفه تجاه نوعين من فهم الإسلام وتفسيره: النوع الأول سمح متسامح تعبر عنه الآية الكريمة «لا إكراه في الدين». وهو الذي يحبه. والنوع الثاني خاطئ متطرف بنى وجوده على الإكراه في الدين ومخالفة القرآن الكريم وتكفير الآخرين والدعوة إلى استئصالهم. وهو الذي يقلقه.

تقول السيدة فيرجيني لاروس، رئيسة تحرير مجلة «عالم الأديان» الفرنسية ما معناه: لماذا ننكر الحقيقة نحن الفرنسيين؟ نعم يوجد تأويل متشدد للإسلام وهو يقلقنا ويخيفنا. إنه يشجع على العنف والتعصب والظلامية الفكرية. إنه يكفرنا ويحرمنا من نعمة الله غصبا عنا، وليس كرها في الإسلام ولا إسلاموفوبيا، إذ نقول ذلك. هذه هي الحقيقة أو قل هذه هي مشاعر أغلبية الفرنسيين والغربيين عموما. ولكن يوجد أيضا تأويل آخر للإسلام: إنه إسلام التسامح واحترام الآخر، إنه إسلام الانفتاح، إنه إسلام الرحمة والمغفرة. وهو قرآني بامتياز.

وتعترف الباحثة الفرنسية بأن معظم المسلمين - أي الأغلبية الصامتة - هم أشخاص طبيعيون مثلنا. إنهم يشاطروننا نفس المطامح والآمال في تحسن أمور معيشتهم وتوصل أطفالهم إلى أفضل مستوى تعليمي وثقافي. إنهم يحبون أطفالهم مثلنا. إنهم يصْبون إلى النور والسعادة والنجاح في الحياة مثلنا، وبالتالي كفانا اشتباها بالمسلمين وتخويفا منهم حتى لكأنهم خلقوا من غير طينة البشر! ينبغي الاعتراف بأن الكثيرين في فرنسا لا ينظرون إلى الإسلام إلا من خلال المتطرفين الذين يطلقون التصريحات النارية التكفيرية ويرعبون البشر، ولكن هؤلاء أقلية لدى المسلمين وليسوا أكثرية على عكس ما يزعم اليمين المتطرف.

ونلاحظ أن الفيلسوف الفرنسي كريستيان جامبيه يشاطرها الرأي. بالطبع، فكلامه يتخذ وزنا أكبر نظرا لتبحره في تراث الإسلام ومكانته العلمية والأكاديمية العالية، وهو من مواليد الجزائر عام 1949 عندما كانت لا تزال تحت الحكم الفرنسي، ثم انتخب مؤخرا بروفسورا لكي يحتل «كرسي الفلسفة الإسلامية» في الجامعة الفرنسية. وقد كرّس حياته لاستكشاف آثار فلاسفة الإغريق لدى فلاسفة العرب والمسلمين، ولكنه على عكس رينان والعرقية المركزية الأوروبية، لا يعتبر فلاسفة العرب مجرد نقلة أو مترجمين للفكر الإغريقي، فكر أفلاطون وأرسطو على وجه الخصوص، وإنما يعترف بالإبداع الغني الذي أضافه الإسلام إلى الفلسفة اليونانية. من أهم ما صدر له مؤخرا كتاب لقي ترحيب الأوساط الثقافية الفرنسية بعنوان «ما هي الفلسفة الإسلامية؟»، إنه كتاب مرجعي بالمعنى الحرفي للكلمة، كتاب كلاسيكي أو سيصبح كلاسيكيا بمرور الأزمان.

كريستيان جامبيه يقول لنا إنه لا ينبغي أن نهتم فقط بالفلاسفة الكبار الذين مشوا على خط الإغريق كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة... إلخ، وإنما ينبغي أن نهتم أيضا بما يدعى في المصطلح العربي بـ«الحكماء»، وعندئذ يمكن أن نأخذ فكرة شمولية متكاملة عن الفلسفة الإسلامية. وبالنسبة للحكماء فلا توجد قطيعة بين العقل والوحي كما هو حاصل في الغرب حاليا. هؤلاء المفكرون الإسلاميون لا يقطعون أبدا مع الأفق الديني. يقول بالحرف الواحد: «هؤلاء الحكماء ما كانوا فلاسفة رغما عن الإسلام، وإنما انطلاقا من الإسلام، مع الإسلام، وبالإسلام».

يعلق روجيه بول دروا، المسؤول عن الصفحة الفلسفية في جريدة «لوموند» الفرنسية قائلا: «هذا الكتاب سوف يزعج الغرب أو قل القطاعات اليمينية منه. لماذا؟ لأنه يقدم صورة أخرى عن الإسلام، لأنه يكشف عن كنوز فكرية مجهولة في الإسلام. إنه يكشف عن كنوز روحانية أيضا وعن اشتقاق فلسفي وإبداع ميتافيزيقي قلّ نظيره. هذا في حين أن اليمين الغربي كان يتمنى لو يبقى الإسلام حكرا على بن لادن وبقية المتطرفين الظلاميين لكي تظل صورته مشوهة. فبعضهم لا يريد أن تكون للإسلام أي علاقة بالفكر أو العقل والفلسفة».

أخيرا، يرى الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل، وهو من فلاسفة فرنسا المعدودين حاليا، أنه لزم على الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية ما يزيد على ألف سنة لكي تقبل بحرية الضمير والمعتقد، وبالديمقراطية والدولة المدنية. لقد قاومت روح الأزمنة الحديثة بكل ضراوة قبل أن تستسلم لها مؤخرا مع «الفاتيكان الثاني». من قال لكم إن الإسلام يستعصي على التقدم والشفافية والديمقراطية والحرية المسؤولة وحقوق الإنسان؟ هذه خرافة يروجها فقط منظرو صراع الحضارات. الإسلام سائر على طريق التقدم والاستنارة لا محالة، والكثير من المثقفين المسلمين يواجهون بكل شجاعة قوى الأصولية الظلامية التي تريد إسكاتهم وإخراس أصواتهم، ولكن حركة التاريخ معهم وسوف تمشي إلى مداها الأخير.

 

عن صحيفةالشرق الاوسط 4-4-2014

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2769 المصادف: 2014-04-05 09:34:32