د. منى زيتون
د. صادق السامرائي
قاسم محمد مجيد
علي محمد اليوسف
د. صادق السامرائي
محمد صالح الجبوري
عبد الامير العبادي
هادي جلو مرعي
د. عبد الحسين شعبان
د. صادق السامرائي

محمد أركون والنزعة الإنسانية

كان محمد أركون قد أمضى حياته تقريبا في التحدث عن النزعة الإنسانية في الإسلام. كان ذلك شغله الشاغل منذ أن انهمك في تحضير «دكتوراه الدولة» في السوربون عن هذا الموضوع في بداية الستينات وحتى نهاية السبعينات. ومعلوم أن عنوانها بالضبط كان: «النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري.. مسكويه فيلسوفا ومؤرخا» (1970). ثم أصدر في أواخر حياته كتابا آخر عن الموضوع ذاته بعنوان: «النزعة الإنسانية والإسلام.. معارك فكرية ومقترحات»، (منشورات مكتبة فران الفلسفية عام 2006).

 

في الكتاب الأول أراد أركون أن يتحدى أقطاب الاستشراق عن طريق القول بأن الحضارة العربية الإسلامية عرفت النزعة الإنسانية قبل الغرب بزمن طويل. لقد عرفتها في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أي التاسع والعاشر للميلاد. في تلك الفترة كانت أوروبا تغط في ظلام طائفي عميق، مثلنا نحن الآن. وكان من أقطابها الكبار الذين يفتخر بهم افتخارا شديدا والذين عاشر نصوصهم سنوات وسنوات: الجاحظ، والتوحيدي، ومسكويه ذاته، وأبو الحسن العامري، وبالطبع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم. ويمكن أن نضيف المعري الذي كان يرأف حتى بالحيوان، فما بالك بالإنسان؟!

 

ولكن إذا كان موقع أركون قويا نسبيا إبان الستينات والسبعينات، إذ كان هجوميا تجاه الغرب، فإنه أصبح دفاعيا بعد «11 سبتمبر (أيلول)» وبقية التفجيرات الإجرامية الكبرى. عندئذ ألقى سلاحه وعرف أنه خسر المعركة ولن يسمع صوته أحد بعد اليوم. فكيف يمكن أن تقنع الناس بأن تراثك إنساني حضاري بعد كل ما حصل؟ كيف يمكن أن تدافع عنه في عصر الأصوليات المزمجرة الزاحفة من كل حدب وصوب؟ لم يعد أي مفكر عربي أو مسلم يتجرأ على أن يرفع صوته في الغرب ولا حتى في الشرق، وأصبحت كلمة «إسلام»، شئنا أم أبينا، مرادفة لدى البعض للتهديد المبطن والعنف والإرهاب، وبمجرد أن تذكرها أمام الآخرين، يتوجسون خيفة منك أو يرتعدون فزعا، وربما تصوروا أنك وضعت قنبلة في أقرب سوبر ماركت! هذه هي الحقيقة الجارحة أيها السادة. لن تستطيع بعد اليوم أن تقنع أحدا بأن لتراثنا أية علاقة بالنزعة الإنسانية أو بالرحمة والشفقة على العباد.. بعد «طالبان» وغير «طالبان» قضي الأمر.

 

انتهى الموضوع. كل ثقافتك أصبحت في قفص الاتهام. هذا هو الوضع الذي وصلنا إليه أيها السادة. وأتحداكم وأتحدى نفسي إذا كنا قادرين على أن ندافع عن هذا التراث في أي محفل عالمي شرقي أو غربي كما كان يفعل أركون بكل جرأة في الستينات والسبعينات، بل وحتى الثمانينات. ومع ذلك، فإنه لم يتراجع عن أطروحته الأساسية القائلة بأن الحضارة الإسلامية كانت ذات نزعة إنسانية في العصر الذهبي المجيد؛ ذلك أن الفلسفة استمرت قرنا آخر في الأندلس بعد انطفائها في المشرق. لكي يستعيد عالم الإسلام صورته المشرقة، لكي يسترد عافيته، ينبغي عليه أن يواجه هذه الأسئلة بكل صراحة ووضوح بدلا من تحاشيها أو القفز عليها. كلنا معنيون بالموضوع دون استثناء.. كلنا نسينا معنى النزعة الإنسانية، بل ومعنى العصر الذهبي، لأننا في تربيتنا ومدارسنا وبرامجنا نتاج مباشر لعصر الانحطاط. في إحدى المرات كنت جالسا معه في شقته الباريسية بشارع «ماجنتا» القريب من ساحة الجمهورية في قلب العاصمة الفرنسية، ثم جر الحديث الحديث حتى وصلنا إلى بن لادن.. كان ذلك بعد «11 سبتمبر» بقليل. قال لي بالحرف الواحد: «بن لادن ليس شخصا واحدا، وإلا لهان الأمر. بن لادن نتاج عصر بأسره. إنه نتاج تأويل متزمت جدا وتربية خاطئة مضادة لكل نزعة إنسانية أو حضارية». شعرت بشكل من الأشكال كأنه يوشك أن يشفق عليه! أنه يعتبره ضحية لكل عصور الانحطاط والانغلاق والظلام في تاريخنا.

 

ولهذا السبب، فإنه بلور مقترحات نظرية وعملية دقيقة لكيفية تجديد التعليم الديني في شتى أنحاء العالمين العربي والإسلامي. من هنا نبدأ! كان يعرف أن المشكلة أعمق مما نظن، وأنها تكمن في القاعدة.. في الأساس، لا في القمة فقط. كان متفقا مع الإخوان المسلمين على ضرورة تغيير المجتمع «من تحت» قبل التفكير في الوصول إلى السلطة. الفرق الوحيد بينه وبينهم هو أنه كان يريد تغييره في الاتجاه المعاكس تماما، فبقدر ما يركزون هم على آيات القتال وفتاوى التكفير والحرب والضرب، كان يركز هو على آيات التسامح والغفران وكل بذور النزعة الإنسانية الكامنة في التراث العربي الإسلامي الكبير.. بقدر ما ينبذون الفلاسفة والمعتزلة والمتصوفة وابن عربي كان يركز عليهم ويحبهم.. بقدر ما يكرهون (أو يجهلون) أقطاب التنوير الأوروبي من فولتير إلى كانط، كان يحترمهم ويعرف قيمتهم وضرورة إدخالهم في برامج التعليم.

 

كان يريد إضافة التنوير الأوروبي إلى التنوير العربي. كان يعتبر هذا من ذاك. في إحدى السهرات قال لنا مرة: الفارابي تقريبا كانط من حيث عقلنة الدين. ولكن لو لم تنقرض فرقة المعتزلة بعد حرق كتبهم وملاحقتهم في الأمصار، لربما كان معتزليا مثله في ذلك مثل أستاذه الكبير الجاحظ، أو صديقه العظيم الذي كان يحبه بشكل شخصي ويجد نفسه فيه: أبو حيان التوحيدي.

هاشم صالح

2-5-2014

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2797 المصادف: 2014-05-03 01:36:50