 أقلام حرة

ما هي (الهوية الوطنية العراقية)؟!

سليم مطرالكثيرون يتساءلون عن معنى هذا المفهوم او التعبير الذي يتردد كثيرا بصورة عمومية وغامضة. بل حتى الذين يدعونه، في غالب الاحيان لا يدركونه بوضوح. بل هنالك جماعات حزبية استولت على هذا المفهوم، امثال: (مثال الالوسي) و(الحكيم) و(اليساريين والشيوعيين)، وهم بالحقيقة يتبنون الثقافة المناقضة لها: الانفصالية الكردية، والطائفية!

ان (الهوية العراقية) مثل جميع هويات الاوطان، تتكون من جانبين مكملين لبعضهما لا يمكن فصلهما: جانب الماضي والتاريخ، وجانب الحاضر:

1ـ الجانب التاريخي:

ان وحدة تاريخ الاوطان عموما نتاج للوحدة الطبيعية لجغرافيتها. فتاريخ مصر نتاج وحدتها حول (نهر النيل). وتاريخ ايران نتاج لوحدتها(داخل هضبتها المحاطة بالسلاسل الجبلية)، كذلك نفس الحال بالنسبة لـ(هضبة الاناضول ـ تركيا)، و(انكلترا ـ جزيرة)، و(فرنسا ـ محصورة بين بحرين وسلسلتين جبلتين) و(الصين ـ جبال وبحر)، الخ.. كذلك بلادنا العراق، محصورة بين (جبال زاخاروس وبادية الشام) التي في وسطها (وادي دجلة والفرات). جميع مدن بلادنا منذ فجر التاريخ وحتى الآن تقع في هذا الوادي العظيم: نينوى ـ دهوك ـ ، اربيل، كركوك، ديالى، الانبار، بغداد، وصولا الى البصرة والاحواز. ان هذه الوحدة الجغرافية حتمت وحدة الناس وتزاوجهم مهما اختلفت اصولهم، ليشتركوا بنفس التاريخ والحضارة والدولة، رغم الصراعات السياسية بين المناطق:(نينوى وبابل وسومر وعيلام: الاحواز)، وهذه المنافسات الداخلية للسيطرة على عموم الوطن، امر طبيعي حصلت في تواريخ جميع الاوطان، وخصوصا بين الجنوب والشمال. لهذا فأن تاريخنا الوطني، ليس سومري او آشوري او بابلي، او (غوتي وكاشي: كردي) او سرياني مسيحي او عربي مسلم او(تركماني اتابكي)، بل هو جميع هذه المسميات والحقب.(علم الجينات الحديث اثبت ان غالبية الجماعات العراقية، خصوصا العرب والاكراد، يشتركون بنفس الجينات، أي نفس الاسلاف الاوائل: لنا عودة لهذا الموضوع).

نعم، دون الايمان باننا (نشترك في الماضي) يستحيل الايمان باننا (نشترك في الحاضر). وان وحدة تاريخنا ليست ارادة سياسية مفروضة، بل نابعة من وحدتنا الجغرافية التي فرضتها الطبيعة.

2ـ الحاضر:

ان (الهوية الوطنية العراقية) تستند ايضا على الحاضر بتنوعاته الثقافية والقومية والدينية والمناطقية. ان (الايمان بالهوية الوطنية) يعني (الايمان بوحدة جميع مكونات الشعب العراقي)، والانتماء المعنوي والتضامني لجميع ثقافاتها وعقائدها ولغاتها. (العراقي العربي)، مهما شعر بالتعاطف والتشارك مع باقي الشعوب العربية، يبقى الاقرب اليه فعليا ومصالحيا، العراقي: الكردي والتركماني والشبكي والسرياني. كذلك (العراقي المسلم) مهما شعر بالتعاطف مع باقي المسلمين في العالم، فأن الاقرب اليه فعليا ومصالحيا، اتباع الطوائف الاخرى من مسيحيين وصابئة ويزيدية..

* * *

إذن الايمان بـ(الهوية الوطنية العراقية) يعني بكل اختصار:

1ـ التثقف والتعرف على(تاريخ بلادنا) بجميع مراحله ومناطقه. وهذه يفرض الاطلاع الكافي على (جغرافية بلادنا) وتنوع بيئاتها وتأثيرها على الجماعات التي تقطنها.

2ـ التثقف والتعرف على(حاضر بلادنا) أي على مختلف جماعات الوطن(قوميات وطوائف)، بتواريخها ومناطقها وميراثاتها، واحترام خصوصياتها الثقافية واللغوية والعقائدية.

3ـ التخطيط لمشاريع المستقبل: ان اية دولة او تنظيم او شخص، يجهل (ماضي وحاضر) بلاده وشعبه، يستحيل عليه ان يفهم (حقيقة الوضع الحالي وجذور المشاكل)، وبالتالي امكانية التخطيط لمشاريع وطنية لتجاوز المشاكل وتحقيق الانجازات.

أن أي مواطن عراقي، او تنظيم سياسي، يدعي الايمان بالوطنية ووحدة شعبنا، ولا يتبنى ويشيع (ثقافة الهوية العراقية)، فأنه يبقى مواطنا وتنظيما، سطحيا شعاراتيا زائفا يكرر نفس خطايا النخب والاحزاب العراقية القديمة والحالية، التي بسبب تجاهلها لـ(ثقافة الهوية الوطنية العراقية)، ساد شعبنا وبلادنا ودولتنا، هذا التمزق والاحتراب والتعصب الطائفي والقومي، وسهل على القوى الاجنبية شراء ذمم النخب والقيادات العراقية، وجرها الى الخيانة والفساد..

هوية العراق نخلة متفرعة: الماضي جذرها، والحاضر جذعها، والمستقبل طلعها وتمـــرهـــــا..

*  *   *  

ان سرّ نهضة بلدان اوربا الغربية منذ قرون، انها ركزت على(ثقافة الهوية الوطنية)، من خلال دراستها لتاريخها بكل مراحله ومكوناته، والتعرف والتعريف بجميع تنوعات ومناطق البلاد. كل بلدة في اوربا، نعم كل بلدة، هنالك ما لا يحصى من الدراسات الاكاديمية عنها، ومتاحف لتراثها ومراكز لفلكلورها، وتعمير لكنائسها وابنيتها القديمة، وابراز لمعالم.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4916 المصادف: 2020-02-20 10:50:45