 أقلام حرة

هزيمة الكورونا والموت

ما تفعله الكورونا بنا، بالجملة، هو بالضبط ما يحدث لنا لكن بالمفرق، بالقطعة، لكل واحد فينا، كل لوحده.. الأوبئة هي كالمجاعات والحروب فضائح عامة بينما معاناة وموت كل واحد منا هي بالنسبة للمجتمع وأفراده، للسلطة وأتباعها، مجرد فضيحة خاصة جدا، فضيحة لا تكدر السلم الاجتماعي أو شعور الجماعة، السلطة، المجتمع، البشرية، بالأمان .. إن الميكانيزمات التي نستخدمها عادة لتخفف من حدة وعينا بنهايتنا الحتمية الوشيكة، موتنا، تصبح معرضة للانهيار في حالات الأوبئة والحروب والمجاعات .. إن عزل الموت عن "المجال العام" الذي يتم بنجاح كبير في الأيام العادية عبر طرد المرضى والموتى خارج "الفضاء العام" الذي يبقى تحت هيمنة وهم السيطرة على الألم والمرض والموت، هذا العزل ينهار فجأة عندما يصبح الموت والمرض والألم مشهدا يوميا أو توقعا حقيقيا قادما من قلب الجماعة نفسها، من بقية أفرادها، عندما يتحرر وعي القدر أو الموت من الكوابح والأفيونات اليومية التقليدية .. إن أوهام السيطرة على المرض والموت ضرورية جدا لتعمل ماكينة المجتمع والسلطة والجماعة عموما بانتظام .. أهم شيء في هذا الوهم هو عزل (استلاب) الإنسان عن جسده المحكوم بالألم والموت، من كائن يعي مصيره، كائن مؤقت جدا، إلى برغي في ماكينة الجماعة، مجرد أداة بتصرف المجتمع والسلطة، إنها مضطرة لأن تقمع وعيه بذاته، بفردانيته، بمصيره كفرد، كإنسان، لأن تمسخه من فرد، من إنسان، كائن بشري، إلى عامل، مواطن، جندي، مناضل، مخبر أو زعيم، إنها تجعله ينكر ذاته، أن يرى ذاته أي شيء إلا أن يكون فردا، أن يكون هو .. عجيبون نحن، تقمعنا الجماعة كأفراد، تقتلنا في كثير من الأحيان حرفيا لا رمزيا أو معنويا، فقط لكي تحيينا للأبد كما تزعم كمؤمنين أو كأبطال أو كمواطنين جيدين .. لكن في اللحظة التي نتحرر فيها من أوهام الانتماء القطيعي، ما أن نعيد خلق أنفسنا كأنوات، كذوات كأفراد مستقلين حقيقيين، حتى نقف على الفور عراة أمام حقيقة وجودنا ومصيرنا المحتوم .. أن نتحرر من القطيع يعني أن نبصر الهاوية التي نقف على حافتها وأن نرى جيدا أننا لا نملك إلا أن نلقي بأنفسنا فيها، أن هذه هي حريتنا المتاحة من القطيع وأوهامه .. كي تبدو الجماعة مغرية للفرد عليها أن تعده بهزيمة مصيره، بتجاوز موته، ولأن لا شيء في الطبيعة ولا شيء في مقدور البشر قادر حقا على هزيمة قدرنا، تلجأ القطعان من مجتمعات وأنظمة إلى آليات الإيهام والتلقين المختلفة لكي توهم الإنسان أنها تنقذه بالفعل من مصيره المحتوم، تحقنه بالخرافات الدينية أو خرافات علمية واجتماعية تصبح أكثر ضرورة كلما بلغت البشرية مستوى أعلى من وعي الموت والذات.. تجلد الكورونا الوعي النائم وتجبره على معايشة القلق مجددا وتجبر الإنسان أن ينظر إلى نفسه والعالم من دون الله أو الوطن أو الكنيسة أو الأخلاق، من دون الجحيم وجنان الخلد، أولا من دون المستقبل الذي لا ينتمي إليه ولن يراه .. على الطرف المقابل تحاول السلطة والجماعة جاهدة أن تعيد إحياء وهم السيطرة على المرض والموت بمزاعم من شاكلة العمل على اكتشاف أدوية شافية أو لقاحات واقية أو الحديث عن نهاية وشيكة وأكيدة للوباء، لكن كل شيء يؤكد هشاشة وجودنا وعجزنا الأزلي أمام الموت والمرض والألم .. لا توجد سلطة أو جماعة، أي قطيع، يمكنها أن تقدم لنا سوى الأوهام

 

مازن كم الماز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4945 المصادف: 2020-03-20 01:52:42