 أقلام حرة

وطن عربي واحد

يسري عبد الغنييطيب لكل عربي أن يعرف أن وطنه الكبير قد ظهر مع فتوحات الإسلام التي كان هدفها في المقام الأول نشر الحق والعدل والخير والحرية والمساواة، ظهر بكيانه الحاضر الذي نشهده، وبحدوده الفسيحة التي نعتز بها، ظهر كذلك منذ وقف القائد / عقبة بن نافع على شاطئ المحيط الأطلسي يمتطي صهوة جواده، ويقول في شجاعة خارقة : " والله لو علمت أن وراء هذا البحر أرضًا لسرت غازيًا في سبيل الله "، ومنذ وقف القائد / سعد ابن أبي وقاص على مشارف بلاد العراق ينظر أمامه ووراءه، ليخطط حدوده الشرقية .

بل وجد الوطن العربي الكبير من قبل هذا حين خرج العرب من جزيرتهم إلى ما حولها، وحين أدركوا أن لهم رسالة، وأن عليهم مسئولية، فمضوا ينشرون دين الله ويحملون لواءه، لواء الرحمة والتسامح والحب والبناء .

ولم يختلف أحد في حدوده، إنه يمتد من مدينة الأسكندرية إلى جبل طارق على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ومن الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي إلى جبال الموصل في الشمال، كما يمتد في أفريقيا السمراء إلى منابع النيل الخالد، وإذا سأل أحد عن مقوماته : أهي الوحدة الجغرافية أم وحدة الآمال المشتركة، أم وحدة اللغة، أم وحدة العادات والتقاليد والعرف، أم وحدة التاريخ ... ؟، فإن الواقع هو الذي يرد على هذا السؤال .

إن عروبة هذا الوطن مزيد من ذلك كله، بالرغم من أن المظهر يدور حول أساسيين عظيمين : الأساس الأول . وحدة اللغة والعادات والتقاليد، والأساس الثاني .. وحدة التاريخ المشترك ن والمصير الواحد، ويدعم هذين الأساسيين في نواح كثيرة وحدة الاعتقادات، وصفاء وخلوص الدماء مما يشوبها، ورابطة الأنساب .

هذا، وقد انتظمت ذلك كله وحدة جامعة بالمصالح والمنافع المتبادلة، امتدت رقعة الوطن العربي من خليج العرب شرقًا إلى المحيط الهندي، والخليج العربي، وصحارى أواسط أفريقيا جنوبًا .

هذا هو الوطن العربي، وهذه حدوده، وهو يجمع بين أبناء الهلال والصليب في وحدة متماسكة رائعة لا نظير لها، رغم المؤامرات والأحقاد والأجندات التي تحاول أن تفرق بين نسيج الأمة الواحد .

ولقد ناضلت الشعوب العربية معتزة بقوميتها العربية، واستطاعت أن تحتفظ بمقوماتها الأساسية، بالرغم مما عانت من عسف العدوان والطغيان والجبروت، وما تعرضت له من هجوم عليها من الشرق والغرب، ففي سنت 1256 م انحدرت موجات التتار العارمة الطاغية من الشرق، فاكتسحت كل شيء، حتى واجهها العرب صف واحد في مصر وبلاد الشام  .

ويتوقف الزحف التتاري في عين جالوت، في فلسطين 1260 م، وفي معركة حطين كان المد الاستعماري الغربي يقاتل العرب باسم الدين، ويتوخى دائمًا السيطرة والاستغلال من أجل مصالحه الاقتصادية، ولكنه لم يلبث كذلك أن لقي مصرعه في حطين سنة 1187 م، وتراجع أمام جيوش الناصر / صلاح الدين، وكان قوامها كذلك جنود مصر والبلاد العربية .

لقد حاول العثمانيون (الأتراك) باسم الدين والخلافة الاستيلاء على هذا الوطن العربي، والقضاء على القومية العربية، ولكن خاب مسعاهم وفشلت أهدافهم .

وأعقبت ذلك موجة أخرى من موجات الاستعمار الأوربي، فتابع الشعب العربي كفاحه، ووقف في وجه الاستعمار وقفة مستبسلة، وكان في ذلك يصارع قوى عدة، هي الاستعمار وأصحاب المصالح الذين اتحدت مصالحهم لاستغلال الوطن العربي، وابتزاز أمواله، وسلب خيراته .

أما فلسطين العربية جرحنا الدائم، فكانت معركة مستمرة بين القومية العربية من ناحية، والاستعمار والصهيونية العالمية من ناحية أخرى، وكانت المؤامرة التي دبرها الاستعمار للوطن العربي كله في غفلة من حكامه وأبنائه المسالمين، وبها مكن لليهود في وطن بأرض العرب، وأعلنت الدول العربية الحرب، وظلت تقاوم عصابات الصهيونية، وتصاعدت المقاومة منذ 15 مايو سنة 1948 م، ولكن تآمر الاستعمار وأذنابه حال دون القضاء على هذا الخطر، ثم تلى ذلك هزيمة يونيو 1967 م، إلى أن تحقق النصر في العاشر من شهر رمضان سنة 1393 هـ = السادس من أكتوبر سنة 1973، وتحطمت الأسطورة، وتهاوت الخرافة، وبدأت الأمة العربية خطوة مظفرة على الطريق الطويل، ولكن من يريد بنا الشر لا يهدأ أبدًا .

ومع انتصار العرب لم يعتنق الحرب للحرب، لقد آمنوا بمبادئ السلام العادل، لأنهم كافحوا الاستعمار والطغيان، وذاقوا مرارة حربين عالميتين، وأكثر من عدوان .

إن أمتنا العربية تسعى دائمًا إلى الرخاء والاستقرار، كما أنها تريد الخير والسلام لكل شعوب العالم، وعليه فهي تعتنق دائمًا وأبدًا مبادئ التعايش السلمي، فهي لا تريد العداء أو العيش في موقد الحرب الكبير، وإنما تريد سلامًا عادلاً يرد حق الشعب الفلسطيني إليه، ويحرر الأرض المغتصبة منذ عام 1967 م .

إن أمتنا العربية تسعى للبناء لا للهدم، وكان لا بد أن تتحرر، وأن تثور على كل أشكال الاستعمار والقهر والعبودية، وأن تحاربها في كل أوكارها .

لقد آن الآوان أن يتنبه عالمنا العربي لما يحاك ضده من مؤامرات ودسائس وفخاخ تهدف إلى تقسيمه إلى دويلات صغيرة ضعيفة يسهل السيطرة عليها، بعد أن يستدرج إلى حروب طائفية وعرقية وقبلية تجعلنا عرضة للتمزق والضياع، آن الأوان لأن نتحد ونتوحد كي نواجه تلك الأجندات الهادفة إلى أن نحتل، ونستعمر، وننهب، ونستغل من جديد .

آن الأوان لأن نعمل من أجل صالح الأجيال القادمة، أن نعمل لحسابنا فقط من أجل مستقبل أوطاننا، فليس من المعقول أو المنطقي أن نعمل لحساب الآخرين فذلك يعني الخراب والدمار والعودة إلى الوراء دون عودة .

إن الوطن العربي قوة عظيمة بسكانه، بقوته العاملة التي لا تكل ولا تمل حيث يعيش في رقعة خصبة تكفي حاجة السكان وتفيض، المهم أن نهتم بهذه الرقعة وننميها ونطورها، وندرب شبابنا ونؤهله على أحدث أساليب التكنولوجيا الحديثة، و على أرضنا معادن ومناجم تعطينا كفاية ذاتية صناعية ينتفع بها العالم كله، وفي بحارنا وعلى امتداد سواحلنا ثروات ضخمة، ولنا البترول بطاقاته الجبارة، ومخزونه الوفير، ولقد عرفنا جيدًا كيف نستخدمه سلاحًا باترًا في حرب أكتوبر 1973 م .

ونحن بهذه المقومات والإمكانات والقدرات ومع التخطيط العلمي السليم والإرادة والعزم والثقة في النفس نقدر بإذن الله تعالى على التقدم العلمي في كل المجالات، ولقد أبرزت حرب أكتوبر 1973 م، أن العرب قوة بكل المقاييس والحسابات، وأن كل إمكانات التقدم والقوة موجودة ودليل على ذلك أبناؤنا الذين يعملون في الخارج ويحققون إنجازات رائعة يشهد بها الجميع، وعليه فإننا بالإمكان أن نحقق كل خير وسعادة ورخاء لوطننا عن طريق الاهتمام بالعلم والبحث العلمي، ثم التكامل والتعاون .

وختامًا : إن الأمة العربية تعرف طريقها جيدًا، وفي إمكان أبنائها أن يخطوا خطوات راسخة واثقة نحو المستقبل المشرق، مستفيدين بكل ما لدى أمتهم من طاقات وإمكانات، مدركين قيمة ما عندهم وعند أمتهم، ومن هنا تحتم على الجميع أن يساهم بعرقه وإنتاجه وعمله، إذا أردنا بحق أن نصنع تاريخًا جديدًا للأجيال القادمة، فلن يصنع تاريخنا أحد غيرنا طالما كانت قوتنا واحدة .

إن العمل والاتحاد والوعي بما يحاك لنا في الظلام هو الذي سيجعلنا نعمل بقوة مع مواكب التقدم الإنساني، ومع الطلائع التي تسعى إلى عالم جديد، عالم ترفرف فيه أعلام العدل والمساواة والكرامة الإنسانية والحق والخير والحب والسلام، كل ذلك بعيدًا عن الصراعات والمنازعات، بعيدًا عن الفوضى الهدامة التي هي كالنار الموقدة  في الهشيم، إن لم ننتبه لها أكلت الحرث والنسل .

والله ولي التوفيق.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5060 المصادف: 2020-07-13 02:48:30