 أقلام حرة

ينتقد الحاكم كما ينتقد أيّ شخص

معمر حبار1- من الأخطاء الشّائعة القول أنّ الحاكم "ينصح" سرّا وليس جهرا. وكأن انتقاد الحاكم جهرا من الجرائم، والكبائر.

2- ينتقد الحاكم كما ينتقد أيّ شخص. ويثنى على أقواله، وأفعاله كما يثنى على أيّ شخص يستحقّ الثناء.

3- لايستثنى الحاكم أبدا -أقول أبدا- حين يتعلّق الأمر بنقده، كما لايستثنى غيره من النقد.

4- في القديم لم تكن هناك وسائل اتّصال بين الحاكم والمحكوم، وانحصرت حينها في قلّة قليلة من القضاة، والعلماء فأمسوا هم الواسطة بين الحاكم والمجتمع في حالات نادرة.

5- وامتاز هذا العصر بتعدّد الوسائط، وتنوعها، واختلافها، وتطورها، وسرعتها، ودقّتها، وقدرتها، ومكانتها. والحاكم قبل أن يخرج من مكتبه يقرأ تلخيصا لأربعين 40 جريدة، ناهيك عن الشبكات العنكبوتية، والصفحات الخاصّة بالتواصل الاجتماعي، وكذا الأجهزة المتعدّدة المختلفة.

6- هذه الوسائط -وغيرها ممن لانعرفها- هي وسائل تقريب بين الحاكم والمحكوم. ووضعت ليستغلّها المجتمع لتقديم رأيه، ونصائحه، وانتقاداته للحاكم دون واسطة من أحد.

7- لايقال الآن وبعد ذكر هذه الوسائط لاتنصحوا الحاكم، ومن له رأي فليقدّمه للفقيه ليعرضه بدوره على الحاكم، فإنّ هذا الفعل من التضييق على النّاس، وحصر النصح في فئة دون المجتمع، ورفع الحاكم فوق الأمّة والنقد. وهذا من التملّق المذموم للحاكم، ومن مظاهر الديكتاتورية المقيتة، وفرض الذلّة والمسكنة على الأمّة.

8- تطرّق البارحة صاحب الأسطر للموضوع مع أستاذ، وممّا قاله ويضيف الآن: أحدّثك عن أهمية انتقاد الحاكم باعتبارك الأستاذ، ومن خلال علاقة الأستاذ بتلامذته. حين توزّع النقاط على التّلاميذ ستجد من يتحصّل على 2/20، والبعض 9/20، والبعض 16/20. لامحالة ستعاتب بقوّة من تحصّل على 2/20 وتعاقبه بما يناسب. وتعاتب من تحصّل على 9/20 ليتدارك الأخطاء التي وقع فيها، وأن لايكرّرها في المرّة القادمة. ومن تحصّل على 16/20 يعاتب أيضا رغم العلامة الجيّدة ولو كان الوحيد في القسم الذي تحصّل عليها. والسبب في ذلك ليعمل أكثر، وأحسن، وينال العلامة الكاملة 20/20 لأنّه في نظرك يملك مؤهلات تؤهلّه ليتحصّل على 20/20 وليس 16/20 فقط.

9- لو طبقنا قاعدة انتقاد التلميذ على الحاكم فمن حقّ المجتمع أن يعاقب، ويسجن الحاكم الذي أساء للأمة وأجرم في حقّها. ويعاقب الحاكم الذي أخطأ عمدا. وينتقد الحاكم الذي أخطأ سهوا. ويقدّم الثناء الحسن للحاكم الذي كانت أقواله وأفعاله حسنة في انتظار أن يقوم بما هو أحسن وأفضل في الأيّام القادمة.

10- لايوجد حاكم عادل مطلق، وحاكم ظالم مطلق. فقد يعدل في عدد من القضايا ويظلم في عدد من القضايا. وما يراه فلان عدلا يراه البعض ظلما، وما يراه فلان ظلما يراه البعض عدلا. إذن، كيف يتمّ التعامل مع الحاكم في مثل هذه القضايا؟.

11- يتعامل المجتمع مع الحاكم حسب كلّ موقف يقوم به. يثنى عليه في الموقف الفلاني إذا كان يستحق الثناء، وينتقده في الموقف الفلاني إذا كان يستحق النقد. ويستمر التعامل مع الحاكم بين ثناء ونقد، ودون توقف، ودون حصره في فئة مقرّبة للحاكم من سياسي أو فقيه أو عائلة.

12- لابد أن يكون نقد الحاكم بأدب، واحترام، ومسؤولية، وأمانة، وصدق، وتقديم البدائل.

13-  أنهى صاحب الأسطر منذ يومين قراءة كتاب: "المنهاج السّوي في ترجمة الإمام النّووي"، للإمام جلال الدّين أبو الفضل عبد الرّحمن السّيوطي، تحقيق الأستاذ: أحمد شفيق دمج، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، الطبعة الثّانية 1441 هـ - 1994، من 112 صفحة. فكتب على صفحته بتاريخ: الجمعة 7 صفر 1442 هـ الموافق لـ 25 سبتمبر 2020: عظمة سيّدنا النووي في نقده للحكام قبل علمه وفقهه. مع ذكر التفاصيل والأسباب التي دعت صاحب الأسطر للوصول لهذه الخلاصة.

 

معمر حبار

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5137 المصادف: 2020-09-28 03:35:11