 أقلام حرة

قصة عائلة فلسطينية مُهجّرة مع جمال عبد الناصر

ناجي ظاهرلاحظت، وارجو ان اكون مخطئا في ملاحظتي هذه، ان الاحتفاء بالذكرى السنوية الخمسين، لرحيل الزعيم العربي الخالد- ابو خالد- جمال عبد الناصر، اكتسبت في اليومين الماضيين زخمًا غير مسبوق، فكتب ونشر، احياءً لهذه الذكرى، العديدون من محبيه ومريديه، وحفلت صفحات وسائل الاتصال الاجتماعي بكتاباتٍ تستعيد ذكراه وتحفل بالحنين إليه وإلى ايامه العذاب. اذا اصابت ملاحظتي هذه، يُضحي السؤال عن سبب هذا الاحتفاء مشروعًا، وتبات الاجابة عنه اجتهادًا مُحببًا، من ناحيتي لا اريد ان اجتهد في الاجابة، وانما اجتهد في طرح سؤال بلاغي قد يتضمن، في عمقه، اجابة ناجعة، هذا السؤال هو: هل بتنا نشعر بالهزيمة الكاسحة فعدنا لإحياء ذكرى زعيم من العسير ان يتكرر؟ هل اظلم ليلنا الى هذا الحد.. حتى بتنا نحلم بشعاع من نور يأتي من اعماق الظلام الدامس المحيط بنا؟ مهما تكن الاجابة لا يفهمنّ أحدٌ انني اقلل من قيمة رجل اتفقت الملايين على انه اسطورة العصر، وقيل فيه ما لا يتطلب مزيدًا.

لن اتحدث هنا عن جمال عبد الناصر، حياةً وفلسفةً، ولا عن حياته الشخصية او العامة، فقد كتب عن هذا الكثير، الكثير، انما سأتحدث عن علاقة عائلة فلسطينية مهجّرة، أنا أحد افرادها، بهذا الزعيم الانسان، الذي ملأ الدنيا طموحا، حلمًا واملًا ومضي ذات يوم غائم حزين من عام 1970، في اعقاب احداث ايلول الاسود، التي قضى فيها الآلاف من اهلنا الفلسطينيين خلال مواجهات مع القوات الاردنية، بإمكان الاخوة القراء التوسع في المعلومات عن هذه الاحداث من شبكة البحث العنكبوتية، وها هي السنوات تمضي زاحفة نحو نصف قرن من الزمن، وكأنما هي لحظات.

تعود علاقتنا بعبد الناصر، إلى الستينيات تحديدا، وكنت في طفولتي استمع الى اسمه يتردّد في بيتنا المستأجر في الناصرة، بعد ان طُرد الاهل من قريتنا سيرين، واذكر جيدًا اننا كنا نتحلّق في تلك الفترة حول الراديو، كلما سمعنا عن خطاب يتمّ بثُّه له، ونستمع إلى خطاباته الملأى بالحلم والامل، فنشعر بأن النهار قادم بعد ليلٍ، ولم نكن بدعة في هذا التحلُّق، وانما كان الناس من المحيط الى الخليج يفعلون مثلما نفعل، وبإمكاني ان اقول الآن، وقد مضت كل هذه السنوات، ان جمال عبد الناصر قد يكون الشخص الوحيد، إلى جانب ام كلثوم، الذي تمكّن من ان يجمع العرب/ عربنا، على حلم واحد وامل واحد.

اما بالنسبة لعائلتنا الصغيرة، فقد عاشت حلمها هذا، فلم تُعلّق على جدار بيتنا سوى صورتين، صورة ابي وصورة جمال عبد الناصر، وكانت الوالدة من اكثر ابناء العائلة احتفالّا به وبذكراه العطرة، فظلت تُردّد اسمه، ابو خالد، إلى أن ولد أخي الاصغر موفق/ توفيق، فاطلقت عليه وهو لمّا يزل في اللفّة، اسم "ابو خالد"، ورافقه هذا الاسم بعد ان ولد خالد. منذ تلك الايام حتى هذه، وعليه كنت كلّما رأيت اسم جمال عبد الناصر على كتاب او في صحيفة ومجلة، ابادر للقراءة مدفوعا بحبِّ استطلاعٍ متأصل في الماضي الشخصي والعائلي لي. من هذا المنطلق قرأت رواية عبد الناصر "في سبيل الحرية" التي كتبها عن معركة رشيد، إبّان دراسته الثانوية، ولم يكملها، كما قرأت كتابه "فلسفة الثورة"، ناهيك عن انني كنت مستمعًا مواظبًا لخطاباته العربية النارية الحافلة بالحلم والثورة. كما قرأت معظم ما وصل إلى يدي من كتب وضعها مؤلفوها عنه وعن رؤاه العربية الاصيلة.. بل عن شخصيتهِ وعمّا اتصفت به من كاريزما/ جاذبية، شهد له بها الكثيرون من القادة والصحفيين الذين جالسوه وتعرّفوا اليه عن قرب. وأذكر من هذه الكتب كتابّا رائعّا للسوفييتي اجارشييف، وآخر للكاتب فتحي رضوان، الكتابان حملا اسمه، علمًا ان ما كتب عنه كثير ويكاد يشكّل مكتبةً كاملةً. وممّا يُذكر في هذا السياق/ الادبي الفني، ان المطرب الاسطوري عبد الحليم حافظ، العندليب الاسمر، خصّص له اكثر من اغنية اثلجت الصدر وافرحت القلب، منها "يا جمال يا حبيب الملايين"، ارجو ان تستمعوا اليها عبر "غوغل"ـ بعد الانتهاء من قراءة هذه الكلمات.

فيما يتعلّق بعلاقة عائلتِنا المهجّرة الصغيرة بجمال عبد الناصر، اتوقّف فيما يلي عند موقفين هامين لا انساهما ما حييت، اولّهما يوم اعلن جمال عبد الناصر استقالته بعد حرب النكسة، 67، في خطاب مؤثّر، فذهلت العيون وبكت الافئدة، والآخر يوم جرى الاعلان عن وفاته المفاجئة من راديو "صوت العرب" في القاهرة. فيما يتعلّق بالموقف الاول، اصابت ابناء عائلتي حالةٌ من الذهول فبدوا بين المصدق والمكذب، كما قال المتنبي في موقفٍ مشابهٍ، ودخلوا في نفقٍ معتم لم يخرجوا منه إلى النور إلا بعد أن خرجت الملايين تطالب الزعيم بالتراجع عن استقالته.. فتراجع، اما فيما يتعلق بخبر الوفاة، فقد كان بمثابةِ صاعقةٍ ابكتنا جميعًا، ورافقتنا سنوات طوالًا، واعتقد ان آثارها ما زالت عالقةً بنا حتى هذا اليوم.. وإلى.. آخر الايام.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5138 المصادف: 2020-09-29 12:15:28