قاسم حسين صالحتحية مباركة

لحضراتكم نص المبادرة واسماء الموقعين عليها كاملة. سترفع مساء اليوم الى مكتب سماحة السيد علي السيستاني ومكتب الأمم المتحدة في بغداد ووسائل الأعلام.. ولكم مهمة الترويج لها من خلال جمهوركم وعملكم الأعلامي.

ضمت القائمة 177 توقيعا شملت اكاديميين، أطباء، مهندسين، أدباء، شعراء، فنانيين، اعلاميين، طلبة، وشرائح اجتماعية اخرى.

بوركت جهودكم وحفظ الله العراق والعراقيين.

مساء 19 كانون الثاني 2020

*

سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني (حفظه الله ورعاه)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الموضوع / مناشدة لأصدار فتوى

ينذر هذا الأسبوع بتصعيد خطير ستراق فيه دماء جديدة ان وقع المكروه.ومع ان الذي وقع بعد واحد تشرين/اكتوبر 2019 يعدّ حربا وكأن المتظاهرين غزاة، فان ما سيحصل في قادم الأيام قد يكون ابادة جماعية.. لأن من تلطخت يداه بدماء ابناء شعبه ولا يأخذ بنصيحة مرجعية دينية موقرة (بح صوتها) وحكماء قومه.. يتمادى في سفك المزيد من الدماء.

تعلم مقامك الكريم ان الدستور اقر في مادته الخامسة بأن الشعب هو مصدر السلطة وشرعيتها، وان الحاكم ممثل لأرادة الشعب، فان تجاوزها يكون للشعب الحق في ان يعزله. صحيح ان الدستور لم يحدد اجراءا شعبيا يطيح بالحكومة ويسحب الثقة من برلمان لا يمثل الشعب اصلا لتدني نسبة المشاركة في انتخابات 2018، ولكن وقوع اكثر من ستمائة شهيد واكثر من عشرين الف مصاب باسلحة القوى الأمنية يعني ان السلطة ما عادت تمثل ارادة الشعب، وان عدم استجابتها لمطالب المتظاهرين في تسع محافظات ودعم ابناء المحافظات الأخرى، وفشلها في اعتماد التسويف والمماطلة.. سيدفع بها الى مواجهة مرعبة مبررة ذلك لنفسها من أن خيار (الدولة واللادولة) يشرعن لها استخدام كل الوسائل بما فيها تصفية آلآف المتظاهرين أن اخذهم الاندفاع بالتوجه نحو الخضراء.

ان مواقفكم الأنسانية النبيلة المشهود بها في حقن دماء جميع العراقيين، تدفعنا الى مناشدة سماحتكم باصدار فتوى تقضي بتحريم القوات الأمنية استخدام اسلحتها القاتلة ضد ابنائك الشباب بعد انتهاء المهلة التي حددتها تنسيقيات التظاهرات للسلطة بتحقيق مطالبهم المشروعة التي حظيت بدعم المرجعية الموقرة.

حفظكم الله وابقاكم خيمة أمان لكل العراقيين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

23 جمادى الأولى 1441          18 كانون الثاني 2020

*

نسخة منه الى:

-  مكتب ممثلية الأمم المتحدة في بغداد – مع التقدير

-  فضائيات: العراقية، الشرقية، الحرة عراق، السومرية، بي بي سي عربي، .. .مع التقدير

-  وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي – مع التقدير

المــوقــعون:

1- أ.د. قاسم حسين صالح - اكاديمي وكاتب – صاحب المبادرة

2- أ.د. هاني الحديثي – استاذ جامعي متمرس - المانيا

3- زهير الجزائري – روائي واعلامي - بريطانيا

4- ابتهال خلف محمد الزبيدي – مدرّسة رياضيات وكاتبة – ديالى

5- قاسم عبيد العبيدي –باحث اجتماعي

6- فائزكاظم برهان – معلم متقاعد

7- أ.د.فيصل العبيدي –بروفيسور صحة نفسية

8- عبد العزيز خليل جرجيس – تربوي

9- نضال حقي – جيولوجي متقاعد

10- انعام هادي حسن- ماجستير صحة نفسية

11- رزاق صاحب – متقاعد

12- د. وهاب عبد سعد – اختصاصي تربوي

13- وليد قحطان مبدر – محامي

14- علي فرحان – شاعر

15- حسين راشد الجبوري – اعلامي

16- خليل الصبيحي – متقاعد

17- د. حيدر علي عباس الشمري – طبيب اسنان وشاعر وناشط مدني –كركوك

18- د.علاء الركابي – اكاديمي

19- عبد الكريم حنتوش الموسوي – ناشط مدني

20- اسراء منعم صالح – فنانة –بكلوريوس فنون جميلة

21- لقمان عبادي – متقاعد

22- أ.د. حسن فاضل جواد – اكاديمي

23- عادل شريف الخفاجي –مهندس-اعمال حرة

24- ريسان الفهد – صحفي

25- حسين الغرابي- مهندس متقاعد

26- حيدر عبد الكاظم سعدون – اكاديمي وباحث في العلوم النفسية

27- حسين غريب – اكاديمي

28- د.ناجح المعموري – اكاديمي واديب

29- الحاج نزال حسين البديري – تربوي

30- د. سمير الخليل – اكاديمي

31- د. محمد الشمري – اكاديمي

32- قحطان جاسم جواد –كاتب وصحفي

33- المهندس حاتم زرع الله المسعودي – فنان تشكيلي – بغداد

34- د. حسن كرمش الزيدي - مؤرخ ودبلوماسي ومحاضر جامعي سابق

35- سنان احمد حقي – مهندس متقاعد

36- أ.د. كاظم المقدادي – اكاديمي وباحث – السويد

37.مكي حداد سعيد – فنان مسرحي

38- باسم محمد حسين – كاتب واعلامي

39- د. مدحت الزبيدي – فيزيائي متقاعد

40- عباس محسن العطار – متقاعد

41- محمود شيبون الطائي – ناشط مدني

42- موسى غافل الشطري – قاص وروائي

43- ناجح عبد الحميد المظفر – متقاعد

44- كاظم علي مشكور – موظف

45- هادي علي سالم – مهندس استشاري

46- حسين جبار محمد – متقاعد

47- هاشم عباس الرفاعي – شاعر

48- عبد الكريم عبد داود – اعلامي

49- فاضل البصيصي – فنان تشكيلي واعلامي

50- حسين علي صالح – مخرج مسرحي

51- صاحب الحصونة – متقاعد

52- د. شذى النعيمي – اعلامية وناشطة مدنية

53- محمود شبيب الطائي – اعلامي

54- نزار منذر عبد الحسين – موظف

55- بسام قاسم – مهندس – كندا

56- طارق حسين – شاعر واعلامي

57- علي البيدر – كاتب وصحفي واعلامي

58- حميد الحريزي – أديب وصحفي

59- جنان عبد الحميد عبد المحسن العبادي

60- كاظم غيلان – شاعر واعلامي

61- محمد فيصل يوسف – طالب

62- شذى محمد علي يوسف – مهندسة متقاعدة

63- عصام محمد – السويد

64- سلام عباس سلمان

65- اثير هاشم جعفر - اختصاص حاسوب

66- محمد عبد علي المجرن – مهندس زراعي – ذي قار

67- أ.م. نزار الزبيدي – اكاديمي وفنان تشكيلي

68- حنان هاشم علي الحسيني – مدرّة لغة انجليزية

69- سرى محمد يوسف – موظفة

70- الحان حامد الحمداني – قانونية – السويد

71- فاتن توفيق

72- جميل قاسم – متقاعد

73- نور عبد الرضا الخفاجي – مهندسة – السماوة

74- زينب علي كاظم – موظفة

75- علي كاظم حنيظل – مدرّس لغة عربية – ذي قار

76- فلاح الخفاجي – متقاعد

77- محمد حمد أمين – ناشط مدني

78- د. ماهر جبار الخليلي – استاذ جامعي

79- معن الحمداني – ناشط مدني

80- د. كريم الكعبي – استاذ جامعي

81- ابو الحسن صلاح مهدي – فنان مسرحي

82- فخري محمد احمد – اديب وتربوي

83- احمد جبار غرب – صحفي وقاص

84- حسين علي رهيف – تربوي وشاعر

85- محمد جاهم – مدرّس وفنان تشكيلي

86- جاسم محمد هندي الجبوري – استاذ لغة عربية وشاعر

87- ماجد السفاح – شاعر واعلامي

88- د. سناء عيسى الداغستاني – اكاديمية

89- عبد الوهاب محيسن حبيب – اقتصادي

90- د. فراس الخفاجي – باحث ومستشار نفسي

91- أ.د. خالد خير الدين – اكاديمي وباحث

92- د. قاسم جليل الحسيني – اكاديمي وباحث وفنان تشكيلي

93- كرار كاين جفات – اكاديمي وناشط مدني

94- د. عبد الوهاب خيري علي – استاذ جامعي

95- زينب فلاح حسن – ماجستير علم اجتماع

96- مهند داود راضي – اكاديمي وفنان تشكيلي

97- خلف زبار جاسم – مرشد تربوي

98- مصطفى عبد عثمان – عضو نقابة الصحفيين – ناشط مدني

99- ماهر حازم رحيم – بكلوريوس ادارة واقتصاد

100- أ.د. جعفر عبد المهدي صاحب – استاذ جامعي متقاعد

101.عباس رشك – موظف

102- كاظم هادي هاشم – حقوقي

103- احسان حسن يوسف – طالب جامعي

104- محمد علي حسين – طالب جامعي

105- قاسم كريم حجيل – محامي – ديوانية

106- طاهر محسن سعد – مهندس زراعي

107- صابر سلمان فرحان - خريج جامعي

108- شمخي جبر – كاتب وصحفي

109- احمد صاحب مصبح – كاتب – الناصرية

110- وعد عباس حسين – مرشد تربوي

111- علي داخل فرج – اختصاصي تربوي وباحث

112- منى رشيد مرتضى – مدرّسة فيزياء

113- أحمد طلال – متقاعد

114- ليلى حسين علي – متقاعدة

115- د. محمد عبد الأمير الدباغ – اكاديمي وباحث

116- فوزية لعبوس غازي – استاذ جامعي

117- عقيل كاظم التميمي – مهندس مدني

118- مصطفى الراضي – ناشر – بغداد

119- حسين علي الحديدي – ماجستير اصول دين – باحث اسلامي

120- باقر محمد الجمل – مدرّس رياضيات – كندا

121- أ.د. هاشم داخل الدراجي

122- وليد العبيدي – مستشار اعلامي

123- د. عبد الحسين احمد الخفاجي – فلسفة لغة عربية – جامعة ديالى

124- أياد ميران حسين – طبيب اختصاص اطفال وشاعر

125- د. علي القريشي – استاذ جامعي

126- هدى عيسى – موظفة

127- كاظم فرج العقابي – مدرّس

128- عادل ناظم الدول – اختصاصي تربوي

129- أ.د.عباس رمضان رمح الجبوري – اختصاص ارشاد نفسي وتربوي

130- عبد الزهرة علي – روائي.

131- زكي عبد القادر الشبيب –معلم جامعي – فنون مسرحية

132.علي باصي القرغولي

133.م.م. محمد زهير حسين جنجون – علم النفس التربوي – الحلة

134- علي ابراهيم الدليمي – مدير المتحف الوطني للفن الحديث-وزارة الثقافة والسياحة والاثار

135- احسان جوبان خليل الفرج – رسام الكاريكتير وناشط مدني

136- قاسم محمد مجيدالساعدي – شاعر

137- غفار عفراوي – كاتب واعلامي وقاص – ذي قار

138- آزاد علي جاسم – طالب جامعي

39- مهند عبد الوافي البلداوي – مهندس استشاري

140- غانم حميد – مخرج مسرحي

141- شيماء سمسيم – اعلامية

142- مهدي هادي شعلان – شاعر وكاتب

143- علي العبودي – قاص وتربوي

144- د.فؤاد عبد الرحمن – طبيب اختصاص

145- أ.د. حميد علي الزبيدي –استاذ جامعي

146- اقبال سلمان – مدققة

147- زيدون خلف الساعدي – رئيس مركز الأبتكار والأبداع العراقي

148- غيث فاهم حامد – مهندس كيمياوي

149- اكرم جبار – موظف

150- وهيبة جازع السليم

151- فايق ياسين طه – فنان تشكيلي

152- محمد جواد الموسوي

153 - مهند فاضل حمد – رئيس مهندسين

154- د. سناء اسماعيل رشيد – اكاديمية

155- د.علي عبد الزهرة جبار العداي – استاذ جامعي

156- وليد رزاق صاحب – بلا عمل

157- عزيز الساعدي

158- عدنان الموسى – متظاهر

159- د.ياسر تركي عنتر –باحث في تاريخ العراق

160- حمزة عثمان – اعلامي – اميركا

161- د. سحاب محمد الأسدي - اكاديمي

162- د.جنان محمود توفيق – استاذة جامعية

163- م.م.احمد عبد الله مجيت – مدير قسم وزارة التربية

164- عماد محمد السلطاني

165- علي رهيف الربيعي –كاتب

166- عامر القيسي – كاتب وصحفي

167- غسان السنجري – محرر صحفي مستقل

168- أنس عبد الرحمن – شاعر واعلامي

169- د.ابراهيم النداوي – استاذ جامعي متقاعد

170- المقدم صادق عبد الامير النائلي – بكلوريوس ادارة اعمال –مديرية الجنسية

171- طالب هاشم الزبيدي – اديب وشاعر

172- احسان الخالدي – فنان واعلامي

173- خالد نعمة الشاطي – صحفي وشاعر

174- د. سعد عبد الله البياتي –وزارة التربية

175- عبد السادة البصري – شاعر وكاتب واعلامي

176- وجدان عبد العزيز – كاتب

177- صباح محسن كاظم – باحث

***

 

 

 

إنّ الحرّيّة مبدأ أصيل وغريزة في البشر وهي القوّة الإنسانيّة الفاعلة والمأثّرة في التّفكير والقول والعمل، ولهذا وجب أن تُضبَطُ بضابط جلب المصلحة ودرء المفسدة حتّى تنطلق حرّية الإنسان بأسمى معانيها نحو المصلحة الإنسانيّة العامّة، وعليه كان المنهج الإسلامي مكرّسا لهذا المبدأ الإنساني المشترك بين جميع المناهج الوضعيّة منها، و كذلك السّماويّة  .

يقول تعالى في محكم تنزيله {هُوَ الذِّي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعَا} (البقرة الآية 29)  تُفيد كلمة " لَكُمْ " الواردة في الآية الكريمة حقّ الجميع في كلّ ما في الأرض، فتعيَّنَ بذلك أن يتَأهَّل البعض لتوزيع الثّروات وتقسيمها كلّ حسب حاجته وكلّ حسب جهده، ولا يَتَأتّى ذلك إلاّ بسَنّ قوانين ونُظُمٍ تُنظّم تعاملات الإنسان حتّى لا يكون المال العام وثروات الأرض حكرا على فئة من النّاس دون أخرى ولذلك نظّمت الشّرائع السّماويّة حياة الإنسان عامّة    و ضوابط  المعاملات خاصّة  ضمن قواعد شرعيّة.

إلاّ أنّ الاختلافات المذهبية والسياسيّة كانت السّبب الرّئيس في الانقسام المجتمعي ودليل ذلك مختلف الأحداث الخطيرة التّي شهدها العالم في السّنوات الأخيرة بنسق تسارعي والأزمات الاجتماعية وغيرها، والتّي هي نتاج للصّراع العقديّ القائم منذ حقبة تاريخيّة قديمة قدم الشّعوب الإنسانيّة والمذاهب الدّينيّة، بيد أنّه تجلّى في أعنف صوره في الآونة الأخيرة.

لقد شملت أطراف هذا الصّراع مختلف دول العالم الإسلامي وغيره، فهذا طرف جاذب يريد السّلطة والسّيطرة على العالم والمتمثّل في العائلات النّافذة الأرستقراطيّة والتّي لا دعوى لها بالدّين بل هي تنبذه على اعتبار وأنّه عائق أمام مصالحها، وآخر يريد الحكم على اعتبار أنّه يرى في نفسه شعب الله المختار، وبين المنزلتين طرف ضعيف مُساق وراء السّاسة كالعبيد ليحفظ لقمة عيشه في صمت رهيب وسط كل هذه الاضطرابات والتّدافعات المصلحيّة  على ما يسمّى بـــــــ" الحُكــــــم" .

إذن من يحكُم ؟ هذا هو السّؤال المحوري الذّي خلق الانشقاق والانقسام داخل الأمّة الإنسانيّة و أقول الإنسانيّة وليس الإسلاميّة لأنّ مسألة الحُكم والهيمنة تخصّ مختلف شعوب العالم دون استثناء على اختلاف أديانهم .

تختلف الرؤى صراحة حول مسألة الحكم وكيفيّة تطبيقها، فكلّ طرف يرى في نفسه الكفاءة والجدارة لتولّي أمور الدّولة و العباد، والكلّ له استراتيجيّات وخطط هي الأمثل لإصلاح  مختلف المنظومات التّي أفسدها غيره بحسبه .

ما نريد إثباته في هذا المقال أنّ عقيدة التّوحيد حرّرت الأمم والشعوب من العبوديّة والتّبعية للذّات (النفس الشّهوانية) والآخر(إنسان تسلّطي) حتّى لا يكون رهينة الأوامر والنّواهي المملاّت فتتقيّد بذلك حركته العقليّة ومن ثمّة حركته الفعليّة، وهذا ما أدركه روّاد النّهضة والإصلاح في بلاد العالم الإسلامي، أي البُعد القيمي لحرّية شعوبها، الأمر الذي دفع بهم للمناداة بأهمّية مقولة الحرّية ودورها كقيمة أساسيّة للتّقدّم والرّقي والخروج من الاستبداد الاستعماري والتّسلّط السّياسي، نذكر من بينهم رفاعة الطّهطاوي والكواكبي وغيرهما .

لقد رفعت عقيدة التّوحيد عن الإنسان كلّ القيود ليكون مطلق الإرادة والحرّيّات، فحرّرت العقل الإنساني من التّقليد الأعمى والدّجل والتّفسير الخرافي للظّواهر الكونيّة، بل تعدّى العقل ذلك حتّى كان أساس الحياة بما فيها العقيدة الدّينيّة .

وعليه، يُطرح تساؤل في هذا الخضمّ لا يجب أن يُطرح لأنّ إجابته معلومة للجميع، هل نحن أحرار في أوطاننا ومجتمعاتنا في عصرنا الرّاهن أم لا؟

الإجابة طبعا لا، لا لأنّنا مضطهدون مسيّرون ومسلوبي الإرادة ويتجلّى ذلك في مختلف مجالاتنا الحياتيّة حيث اقتصادنا المنهار مجتمعنا المتفكك، تعليمنا الرّديء وثقافتنا المنحطّة وحرّيتنا الدّينيّة المحدودة والمراقبة باسم التّصدّي للإرهاب وسياسيّا طالما أنّك لست معي فأنت ضدّي إذن يجب إقصاءك، ناهيك عن سماسرة الدّين من أجل كرسي السّلطة، نعم هكذا هو الحال تماما... ولكن ربّما السّؤال الوجيه والذّي يجب أن نطرحه هو: إلى أيّ مدى نحن أحرار؟ وهل هذا المدى الذي نتمتّع به يتيح لنا العيش بكرامة وإصلاح مختلف أحوال البلاد؟

إنّ هذا السّؤال إجابته نسبيّة، فطالما أنّنا مسيّرون بإرادة خارجيّة غربيّة فنحن لن نحضى أبدا بالمدى الذّي ننشد، إلاّ إذا ما حطّمنا مختلف القيود التّي تكبّل سياساتنا الاقتصادية والتّبعية الخارجيّة.. وارتقينا إلى مستوى مجتمع واع فخور ومعتزّ بانتمائه الدّيني والحضاري وهويّته العربية الإسلامية، واعتمدنا برامج تعليميّة خاصّة تتماشى مع واقعنا ومجتمعنا تنهض بالفرد فكريّا ومعرفياّ.. تبلور ذلك كفاءات وطنيّة، بعيدة كلّ البعد عن الاستراتيجيات الغربية الفاشلة التّي حطّمت التّعليم وقضت على الثّقافة العامّة للفرد والمجموعة، الأمر الذي سيساعد على التّصدي للإرهاب المزعوم، هذا الإرهاب الذّي ألصقوه بالإسلام دين التّوحيد الذّي ما دعا إليه البتّة، لا في الكتاب العزيز ولا في سنّة الرّسول الأكرم عليه أفضل الصّلاة و أزكى التّسليم، بل كان صناعة غربيّة تفشّى في جسد مجتمعنا العربي الإسلامي بالأساس.. أزهقت باسمه أرواح عديدة ببشاعة لا يتخيّلها مخلوق

وكلّ هذا صراحة متوقّف على إرادة سياسيّة صارمة وصالحة في الآن ذاته تمحق وتزيل مختلف السّياسات القديمة، فتخرج بالسّياسة المعلومة من مزبلة النّجاسة إلى براري النّظافة والصّلاح .

 

بقلم الباحثة سلوى بنأحمد

تونس في 26/08/2019

 

 

عصمت نصارلا أعلم على وجه الدقة متى قرأت قصة الطفل الكذوب، الذي راق له العبث بأهل القرية الأمنة؛ وذلك بصراخه مستغيثاً من الذئب الذي يهاجم قُطعان الغنم، فيهمُ أهل القرية بفؤوسهم وعصيياهم لدفع الخطر ومطاردة ذلك الذئب وإبعاده عن أغنامهم، غير أن تلك الحشود لم تجد سوى ذلك الطفل الكذوب؛ واقفاً خلف الأشجار يضحك ويسخر من هرولة الساعين إلى نجدته.

وللحكاية صورة أخرى تروي أن ذلك الطفل أعتاد أن يهبط إلى النهر ليصطاد بعض الأسماك أو للاستحمام، فراق له أن يلفت أنظار المحيطين به؛ ولم يجد سبيلاً إلى ذلك سوى ادعاء الغرق وراح يصرخ طالباً النجدة والعون. ولما هب أهل المروءة من السباحين لإنقاذه، وجوده واقفاً على الشاطئ ساخراً من هرولتهم. وقد اعتاد الطفل ممارسة تلك اللعبة السخيفة لشهور عديدة، فكان من حين إلى آخر يطلق صراخته (احذروا الذئب أو انقذوني من الغرق). ولما علم أهل القرية بكذبه لم يعبأوا بصراخته، ولم تثيرهم صيحاته، بل سمعوها كأنها واحدة من النكات العابثة. وذات يوم خرج أحد الذئاب من بين الأحراش؛ ليفترس الغنم فهرول هرول الصبي لإستنفار أهل القرية، غير أن جميعهم لم يخرج، وتعالت صرخات الصبي صدقوني صدقوني بلا جدوى، فأجهز الذئب على إحدى الأغنام وفر الصبي خائفاً مذعوراً.

ولاريب؛ فإن ما نجده من أجهزة إعلامنا على صفحات معظم الجرائد والكثير من القنوات والمدونات والفيس بوك من أخبار وتحليلات وتحقيقات تحاكي تلك القصة السخيفة. ولا نريد إلقاء الاتهامات على أولئك العابثين من الكتاب، فنصفهم بالعمالة والخيانة أو الجهل، ولا نسعى كذلك فضح بعض الأقلام المأجورة التي تصور المشاهد وتنقل الأنباء وتفبرك الوقائع، وفقاً لأغراض من يدفع الثمن، ولا ننشد كذلك تذكير الغافلين منهم، بأن ما يفعلونه هو إحدى آليات حرب المعلومات التي ترمي إلى تزييف الوعي الجمعي، وتضليل الرأي العام، وتثبيط الهمم، وانتشار الإحساس باليأس والشعور بالإحباط بين الشباب على وجه الخصوص، بل إن ما يفعلونه جريمة وسلوك شاذ يتعارض مع أدبيات وأخلاقيات المهنة. ولا نريد أيضاً تحريض السلطة السياسية على أولئك اللذين اعتلوا منابر التثقيف والتنوير والتوجيه وتربية الرأي العام دون استحقاق.

أجل ! لا نبغي كل ذلك، بل أننا نحذر من ذلك اليوم الذي يأتي فيه الذئب مرتدياً أي من العباءات فتنبري الأقلام للتحذير منه، فلا تجد من يلبي النداء. فإذا ما تسلل الريب والشك إلى مصادر الحقيقة وفقد الرجال مصداقيتهم وأثارهم في الجمهور، فإنّ مثل ذلك لن يوصل سوى إلى طريقين يتنافسان في السوق وهما الفوضى أو القمع.

فما أراه من أولئك العابثين لا ينتمي إلى النقد، ولا ينضوي تحت راية الباحثين عن الحقيقة، ولا ينحاز إلى الصالح العام، فإذا أحسنا الظن في أخبارهم، لوصفناهم بأنهم جامحين يبحثون عن الشهرة والإثارة، راكبين جياد المقامرة والمغامرة دون أدنى تعقل منهم للمقاصد والمألات.

كما أننا نعجب من تلك الأقلام وهاتيك الأبواق التي لا يُقرأ ولا يُنصت إليها ولا يشاهدها إلا خمسة في المئة من الرأي العام التابع؛ وذلك لأن الإعلاميين وأمراء المنابر الحاليين المتعالمين منهم لم يُفلحوا في شغل مكانة الطبقة الوسطى المستنيرة، التي أصيبت بالجنون والشلل والضعف والوهن منذ أخريات السبعينيات، الأمر الذي أنعكس بالسلب على تشكيل العقل الجمعي المصري الذي يحتاج دوماً إلى الأمانة في التوجيه، والصدق في الخبر، ونشر روح الوئام والأمل والمحبة والعمل والفكاهة والشجاعة والمروءة والتدين فيهم.

أجل إن حرب الكلمات التي نُطلق عليها الجيل الرابع من الحروب لها خطرها وأثرها، غير أن الدارس لطبيعة الشخصية المصرية سوف يدرك أن لديه خلايا استشعار تحفظ لهذه الأمة تماسكها وترابطها وتماسك مؤسساتها، ولا يرجع ذلك إلى الدين أو الأعراف أو التقاليد أو الوعي، بل يُرد إلى الجين الحضاري الأصيل في المصريين، وهو الذي يمنعها من السقوط ويحميها من الفوضى والشتات.

أعود وأحذر من خطرين أولهما طمع الذئب في الأغنام، وثانيهما عدم إصغاء السامعين. وذلك يوم يستحيل صرير الأقلام، وتكبيرات الآذان، وصرير الأجراس، ونغمات الألحان، وأنيم الشعراء، ونحيب المظلومين، وكذا نباح الكلاب إلى عالم هاديس الذي لا يسكنه إلا الأشباح والموتى.

 

بقلم د. عصمت نصار

 

صادق السامرائيلكي تبني وطنا وتصنع مجتمعا متوافقا مع وطنه، لا بد من الثوابت السلوكية الراسخة التي يعمل بموجبهاالمواطنون، ويؤكدون إرادتهم وتواصلهم مع الأجيال المتوافدة.

وعندما تغيب الثوابت السلوكية الصالحة للوطن والمواطنين ينتفي الوطن والمواطنة، ويتحول المواطنون إلى أعداء لأنفسهم ووطنهم.

والثوابت السلوكية يجب أن تدوَّن في دستور يسعى إلى بناء مجتمع متكامل يتصف بالعدالة والإستقرار، والحرص على المصالح المشتركة، وتأكيد معاني الحرية وإعلاء قيمة الإنسان، وغيرها من الثوابت اللازمة للقوة والسيادة والعزة والكرامة.

هذه الثوابت لا يمكن تجاوزها، ويتفق الجميع على ضرورتها القصوى وأهميتها المطلقة، الكفيلة بالحفاظ على الحياة بمواصفاتها الأكمل والأمثل، ووفقا لها يجتهد أبناء الوطن كل في ميدانه وتخصصه للوصول إلى ما يرفد الإقتدار الوطني.

وعلى ضوء الثوابت التي تضعها المجتمعات في أوطانها تمضي مسيرتها في البناء والإبداع والإبتكار والتقدم والتفاعل الحضاري مع باقي المجتمعات.

فلا يوجد فيها مَن يعادي وطنه وإرادة مجتمعه، ويخل بشرف الثوابت المعمول بها، والتي يلتزم بها الجميع من أجل حياة أفضل.

بينما المجتمعات المنكوبة بالتداعيات والويلات، لا تجد فيها ثوابت متفق عليها ولا مسارات لا يمكن تجاوزها، وإنما هي مجتمعات كل مَن فيها يعني على ليلاه، التي يقتلها ويزيدها وجيعا وعناءً ويحسب أنه يداويها.

وعليه فأن هذه المجتمعات المتعثرة بذاتها وموضوعها تحتاج إلى وضع البنية الأساسية لثوابت سلوكية نافعة للأجيال، وعلى ضوئها يجب أن تكون الحركة ويمضي قطار الأيام في مسيرات صاعدة نحو الغد الأفضل.

فهل من ثوابت وسلوكيات متصلة بها ولا تحيد عنها؟!!

 

د. صادق السامرائي

18\1\2020

 

ميلاد عمر المزوغيعلى مدى عقد من الزمن التهم متصدرو المشهد كافة مقدرات الشعب (في الداخل والخارج) التي امتدت اليها ايديهم، وما لم يستطيعوا الاستفادة منه قاموا بتدميره، مليارات الدولارات المهدورة التي لو وظف جزءا منها في خدمة المواطن لتغيرت حياته نحو الافضل ولشعر بشيء من صدقية اولئك الذي خرجوا عليه ابان الثورة وقد وضعوا في مخيلته احلاما ليست صعبة التحقيق، ولكن اتضح منذ الايام الاولى لتوليهم السلطة انها كانت مجرد اوهام، وان الفتات الذي منح للمواطن ما هو إلا تغطية على الكم الهائل من الاموال التي نهبها هؤلاء، لتستمر حياة البوس والشقاء واللهث خلف السيولة النقدية لأجل العيش، بينما سالت دماءه بدون وجه حق، فغرست في نفوس عامة شعورا لا يقبل الشك بان الساسة قد اكلوا الجمل وما حمل.

ذات يوم اوقف (الجضران) تدفق النفط فلم يحركوا (العملاء في السلطة وأسيادهم الذين نصّبوهم) ساكنا، لأنه حينها كانت هناك بعض المدخرات التي يمكن اللجوء اليها، بعدها فاوضوه لأجل اعادة تصدير النفط والغاز، وقدمت له ملايين الدنانير وفرشت له البسط الحمر، استقبل بطلا بدهاليز السياسة، وذهب اليه المندوب السامي الاممي في عقر داره مثمنا تجاوبه.

قد يحدث خلاف بين ابناء الوطن ويتقاتلون بسبب التدخلات الخارجية في الشأن المحلي، ولكن ان تجلب الحكومة الفاقدة للشرعية المحلية، اناس مصنفون ارهابيين من قبل الامم المتحدة لمقاتلة افراد الجيش الوطني الذي يعمل لأجل تحرير الوطن ممن تسرب اليه من الارهابيين، وان تمعن الحكومة العميلة في الاستهانة بكافة شرائح المجتمع الليبي وتضحياته، بإغداق المنح على المرتزقة من جبهة النصرة وأخواتها ببلاد الشام، من ايرادات النفط والغاز الذي يؤمنه الجيش الوطني، فذاك ما لا يمكن السكوت عنه، فالأفضل ان يظل بالأرض على ان يتحول الى اداة لتدمير البلد وجعله مرتهنا لسلطان يحلم بإعادة امجاد دولته التي عاثت في البلاد التي احتلتها فسادا وقهرا وظلما وتخلفا على مدى اربعة عقود.

لا نستغرب الاصوات الناعقة بشان وقف تصدير النفط، فهي المستفيدة من بيعه، ولا يهما إلا اطالة مدة بقائها في السلطة، بينما الشعب يعيش تحت خط الفقر وتفتقر مؤسساته الخدمية الى ابسط الاشياء الضرورية للمواطن.

استخدام سلاح النفط والغاز في وجه الفئة الحاكمة الباغية ومن ورائها الدول الداعمة للإرهاب يعتبر حقا مشروعا، ولتعلم كافة دول العالم ان مصالحها رهن بمدى احترامها لإرادة الشعب الليبي في التصرف بموارده الطبيعية، وان الحكومة العميلة التي فرضت عليه منذ اربعة سنوات لم تقدم له سوى الاوهام، وإهدار الاموال وبث الفرقة بين مكونات المجتمع، والدفع بالشباب الى اتون حرب من خلال اغرائهم بالمال، فصلاة الجنازة على ابناء المؤسسة  العسكرية والأمنية والمغرر بهم وضحايا القتل العمد على الهوية اصبحت احد معالم البلد.

هناك عديد الدول تدعم الارهاب في البلد ولكن العالم الذي يدعي انه متحضر يغض الطرف عن ذلك لمصالح شخصية، عديد المؤتمرات بشان ليبيا ولكن لم تكن هناك النية الصادقة لإحلال الامن والاستقرار.

تحية لأبناء الوطن المصرّين على خوض المعركة، ايا تكن التضحيات، ولن يهنا شذاذ الافاق ومن ورائهم الحالمين بتكوين ممالك وإمبراطوريات، خيرات البلد من بترول وغاز وسواهما يجب ان تكون للشعب، وان يعيش معتزا بوطنه، لا فقيرا متسولا ينعم الاخرين بخيراته.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

طارق الكنانيكثيرة هي الحكايات والامثال الشعبية التي نتداولها وفي بعض الاحيان غريبة لم يكد العقل ان يتحملها ولكن بمرور الزمن وكلما طال بنا العمر نجدها حقيقة ماثلة امامنا ومن هذه الامثال ان يشبهوا احدهم ب (صقر فويلح) ومن صفات هذا الصقر ان يقوم باصطياد الافاعي في الصحراء ويلقي بها على اهله على عكس بعض الصقور التي تأتي لأهلها بالفريسة الجيدة والصيد الجيد .

عندما كنت اسمع بصقر فويلح لم اكن استوعب ان يكون هناك طائر بهذه الخباثة حتى رأينا غابات استراليا تحترق بسبب طائر خبيث فاق بخبثه حتى طائر الواق واق وصقر فويلح ...فهو من اجل بضعة ديدان احرق غابات استراليا ...والحمد لله الذي اظهر ان سبب الحرائق طائر لا يعيش في العراق اصلا والا كانت اصابع الاتهام وجهت الينا ولا نعرف ماذا ستكون العواقب .

نحن في العراق تعلمنا ان نتحمل تبعة جرائم غيرنا فمثلا بوش الابن احتل العراق لأن صدام شمت به عند تفجير برجي التجارة  مع العلم اننا نرزح تحت حصار دام اكثر من اثنتي عشر عاما والقائمين بالعملية جميعهم سعوديون وبينهم افغاني واحد ولكن من دفع الثمن هو العراق، ومثال اخر هناك حرب معلنة بين ايران وامريكا والطرفين يقصفون العراق ويقتلون العراقيين ويهددوننا بالويل والثبور فترامب يقول سأفرض عقوبات على العراق وهو من قتل مجموعة من العراقيين وضيوفهم وسط بغداد ،وايران ردت على امريكا وقصفت قواعد عسكرية عراقية ومن المؤكد لدينا ان القاعدة كانت خالية من الامريكان تماما واليوم امريكا تقول ان بعض جنودها المتواجدين في القاعدة اصابهم ضرر نفسي وارتجاج بالدماغ وهذه مقدمة لمطالبتنا بتعويضات على العراق دفعها .

والسبب بذلك هو صقر فويلح العراقي الذي يحاول جاهدا رمي التهمة على بلده ،والحمد لله ان هذا الصقر قد تناسل في العراق حتى اصبح قبيلة كاملة على العراق تحملهم وتحمل تبعات افعالهم فهم يعيشون في العراق ويتناسلون في العراق ويأكلون من خيرات العراق ويلقون جميع شرورهم على العراق ليدفعوا عن مرجعياتهم الاقليمية الشر ...

 

طارق الكناني

 

عصمت نصاردرج الخطباء والمعلمون والكتّاب على إنهاء ما بدأوه، واستفاضوا في شرحه ودرسه، بكتابة كلمة تم أو انتهى. و لعلّ ما قصدوه من ذلك هو تنبيه القارئ وحثّه على وجوب استيعابه ما فات وتفهمه وتدبره، أو العمل بمقتضى ما قنع به. وعلى الرغم من كثرة أصحاب المنابر وقادة الفكر والمهذبين والوعاظ، فقليل من المتلقيين هو الذي يعي ويستجيب، الأمر الذي دفع الفيلسوف الصيني (لاو تسو) إلى القول:  بأن الطبيعة خير معلم، وذلك لأن حجتها يبرهن الواقع المعيش على صدقها، ومن ثم لا حاجة للإنسان لمن يرشده ويعظه أو يحذره ويهديه.

ومن أقواله :

 "من يعي فعل الطبيعة ومن يستوعب تجارب الإنسان هو الذي يفلح في بلوغ الكمال، فمن يعرف أسرار الطبيعة وقوانينها يعيش تبعا لدستورها، ومن يتتبع خبرات الإنسان يكمل معارفه ويضيف عليها ما غاب وخفي عنها، والإنسان الصادق هو الذي يجعل من التجربة معيارا للتحسين والتقبيح، وأداة وميزانا لتقييم الماضي وتقويم الحاضر والتخطيط للمستقبل ".

وعلى مقربة من ذلك، نجد ابن خلدون يعتبر التاريخ كتاب العبر، فمن جهله لم يحسن اختيار مبدأه ولا سبيل لمسلكه، ومن لم يتعظ ويعتبر من أخبار السابقين لن يحسن قراءة حاضره ولا استشراف مستقبله، ويترك للمصادفة خبره وآخره؛ فالتاريخ فن من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ولا يتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو بذلك أصيل في الحكمة وعريق.

ولما كانت أيامنا خالية ممّن نثق في علمه، ونسلم برجاحة عقله، ونشهد له بالدربة والدراية، والمهارة في التدبير والإدارة، كان لزاماً علينا أن نتخذ من الواقعات معلماً، ومن الوقائع درساً، ولكننا لم نفعل، سواء كنا حكاماً أو محكومين، قادة للرأي أو تابعين.

فإذا ما سألنا الثائرين عن آليات التطبيق، وعن أولويات الغايات في التحقيق:

أجابونا بهتاف "يسقط ويعيش وفلول ومرشد وصراع بين الإخوان والجيش"

 وإذا ما عرضنا نفس السؤال على النخبة والرأي العام القائد للثورة:

نجدهم يتحدّثون عما ينبغي أن يكون، وسمات المدن الفاضلة وخصائص الأمم الراقية.

وعلى النقيض من ذلك تماما، نجد الرأي العام التابع (العوام والسوقة والدهماء) يجيبون:

نريد أماناً واستقراراً وخبزاً وعدالة وكرامة وحرية.

أما الفصيل الثالث، وهو الأخطر، ويمثله أصحاب المصالح، ونجد على رأسهم المتأسلمين - الذين رفعوا شعار الحاكمية لله وتطبيق شرع الله وأستاذية العالم وبعث الخلافة الإسلامية - لم يحسنون أيضاً قراءة التاريخ، ولم يعوا قوانين الطبيعة، فعبثاً يفعلون، إذ أرادوا التغيير عن طريق منطق الإطاحة بالأغيار، وصورت لهم أوهامهم بأنهم قادرون على مراوغة البيت الأبيض والتحالف معه إلى حين، وفاتهم أن خبرتهم السياسية لا تمكنهم من قراءة ما يخططه الغرب، وما يسعى لتحقيقه، ودفعتهم مطامعهم إلى التنازل عن كل شيء إشباعاً لشهوة الترأس والسلطة والحكم. ومن الغريب أن نجد هذا الفصيل من المتأسلمين لا يحاول هدم أركان الدولة فحسب، بل العبث أيضاً بعقل الأمة، ويبدو ذلك في القرار الذي أصدره وزير التربية والتعليم الذي همش فيه الدراسات الفلسفية والنفسية والاجتماعية، وجعلها مواد اختيارية أي على الطالب المفاضلة بينها لدراسته دون البعض الآخر، ولم يعي الوزير المبجل أن هذه المواد مجتمعة تساهم في بناء عقلية وشخصية الطلاب، لتوجه ميولهم، وتقوم سلوكهم، وتصقل ملكاتهم وتنظم ولاءاتهم وانتماءاتهم، فقد أدرك الشيخ حسن العطار ومن بعده الإمام محمد عبده، ومصطفى عبد الرازق وتلاميذه أن دراسة المعارف الفلسفية ومباحثها العقليّة أفضل الآليات التعليمية للارتقاء بذهن الطالب والانتقال به من طور الحفظ والتحصيل، إلى طور النقد والإبداع، لذا حرص سعد زغلول على إدراج المواد الفلسفية عام (1907) في المقررات الدراسيّة في المرحلة الثانوية، ويعد المتخصصون هذا العام عام الفكر والاستنارة في تاريخ التعليم المصري، علما بأن المعارف الفلسفية الإسلامية كانت تدرس في المعاهد الأزهرية وفي مدرسة دار العلوم منذ العقد الثامن من القرن التاسع عشر، وذلك لأن قادة الرأي قد أدركوا أن العلوم النقلية أحوج ما تكون للعلوم العقلية لتوضيحها وتجديدها.

ومن ثم لا أجد تبريراً لما فعله هذا الوزير سوى أنه غير مدرك لعواقب قراراته، فإذا ما تجرأ الجاهل ووصف دراسة الفلسفة بأنها مجرّد لغو لا فائدة فيه، فإننا نذكره بأن الأمم التي أخذت موقفا عدائياً من العلوم العقلية المتمثلة في الفلسفة، قد حكم عليها التاريخ بالتخلف والاضمحلال والانحدار الحضاري، وتفشى فيها التطرف والعنف والتسلط والاستبداد، وافتقر قادتها إلى آليات التحاور والتساجل البناء، وسهل على الطامعين فيها الاستيلاء على ثرواتها والهيمنة على مقدراتها والقضاء على طموحاتها.

ولا ريب في أن كل المذاهب المنغلقة شأن الجماعات المتأسلمة التي ينتمي إليها الوزير تجهل هذه الفضائل وهاتيك الخصائص، وعليه يمكن وصف هذا العام بأنه عام الظلمة والجهالة وفي التاريخ عبرة.

 وحسبي ألا أطيل فقد انتهى الدرس ..... يا أخي وهاهى أسئلة الامتحان:

 هل غيبة القائد هى علة إخفاق ثورتنا ؟ أم كثرة المتآمرين ؟

هل يجب على الثورات العمل وفق فقه الأولويات عند مطالبتها بالغايات؟

 هل القمع والعنف يصلحان الآن لفرض الأمر الواقع؟

هل نجح المشروع الإسلامي في ثورات الربيع العربي في البرهنة على أن الإخوان خير أمة أخرجت للناس؟

هل ما زال الاشتراكيون الثوريون وجماعة 6 إبريل، والمغيبون من حزب الكنبة، والمندفعون من شبيبة الأولتراس،  يستطيعون المفاضلة بين حكم الإخوان ودونه؟ هل ينجح صفوة الثوار وقادة الرأي في استرجاع اللحظة التاريخية التي جمعت المصريين على قلب رجل واحد لتطالب من جديد (عدالة، حرية، كرامة إنسانية) هل يمكننا الشك في أن الجيش والشعب إيد واحدة؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فمن هو الشيطان الماكر؟

وإلى متى يشعر المصريون بأنهم غرباء في بلدهم؟

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

صالح الطائياستلمت اليوم 18/1/2020  بعد طول عناء وانتظار وترقب نسخ كتابي الجديدين (أنا وصورهم النثرية) و(أنا وصورهم الشعرية) وسأكتب اليوم عن مضمون الكتاب الأول على أمل أن أكتب لاحقا عن الكتاب الثاني.

أنا وصورهم النثرية كتاب ضم آراء وأقوال وأفعال بعض أصدقائي الأعزاء فيما تم الحوار حوله من مواضيع، فضلا عن آراء وأقوال ومقالات وروائع خصوني بها، وقد خفت عليها من الضياع، فخلدتها في هذا الكتاب؛ الذي ـ أنا على يقين ـ أنه سيبدو في المستقبل غريبا في موضوعه الذي تناوله، مثلما تبدو لنا اليوم بعض كتابات أهلنا قبل خمسين عاما أو أكثر من خلال تأريخ الحوادث شعرا والإخوانيات وغيرها من المواضيع التي انقرضت ولم تعد متداولة.

ضم الكتاب أسماء العمالقة المبدعين والأصدقاء الرائعين الذين لولاهم ما كان له أن يرى النور، وهم كل من:

الأخ الشاعر الكبير يحيى السماوي

الأخ الباحث سلام كاظم فرج

الأستاذ العزيز طلال النعيمي

الأخ والصديق البروفسور مديح الصادق

المرحوم زاحم جهاد مطر

الأستاذ حيدر عبد علاوي الزيدي

الأخ العزيز الدكتور سلام جمعة باش المالكي

الأخ والصديق الجزائري علي شطيبي

العزيز الدكتور علاء الحلي

الدكتور رحيم فرحان صدام

الأديب حسن سالم الدباغ

الأديب جبار الحمداني

الإعلامي باسم الشمري

الأستاذ فرات الملكي

الشاعر علي كريم عباس

1302 صالح الطائيفضلا عن ذلك، ضم الكتاب نصوص نخبوية للقاءات الصحفية التي أجريت معي ومنها:

حوار مع مجلة الكاردينيا

حوار مع مجلة صدى الروضتين أجراه معي رئيس التحرير الأديب علي حسين الخباز

حوار أجرته معي الأستاذة عزيزة رحموني

أما القسم الثالث من الكتاب فضم بين طياته مواضيع تخص كتابات عن سيرتي الشخصية، ومنها:

ما نشره الأخ العزيز الأستاذ موفق الربيعي في موسوعة (شخصية من بلادي) الورقية.

ما نشره الأستاذ الفاضل محمود داود برغل في موسوعة محافظة واسط الكبرى.

ما نشره الأستاذ رائد السوداني تحت عنوان "أعلام من مدينتي".

ومن أقسام الكتاب الأخرى كان قسم كتابات الدراسات الذي ضم:

البحث الذي كتبه الباحث سجاد ماجد تحت إشراف الدكتور فوزي خيري (بحث تخرج).

وضم آخر أقسام الكتاب، الذي جاء تحت عنوان (مواضيع خفيفة) بعض ما كتبه الأساتذة الأفاضل:

الأستاذ صلاح هادي شكر

الدكتور التونسي محسن العوني

الدكتور الإيراني رسول بلاوي.

يقع الكتاب في 119 صفحة وصدر عن دار المتن في بغداد، صمم غلافه الفنان بسام الخناق.

***

د. صالح الطائي

 

صادق السامرائيالنخب اليائسة تحارب الأمل والحياة، فالذي يسود في نتاجها، أن ما تكتبه يمثل نواحيات ولطميات وذرف دموع وحسرات.

فالمقالة والقصة والخطابات وما تخطه الأقلام من صنوف الإبداع الأخرى سلبية تثبيطية حانقة، ويقول كتابها بأنهم خبراء ومتخصصون وأصحاب تجارب، وينطقون باليائس البائس البالس الدامع الحزين.

وهذا ربما يمكن تفسيره أما لأن الأقلام تكتب لتتكسب من جهات تستثمر في اليأس، أو أنها مُصابة بالكآبة ورؤيتها محاصرة بالسواد والظلام وتأبى التفاعل مع النور ولا ترغب بالحياة.

إن الأمم والشعوب عندما تصعب أيامها وتتنامى ويلاتها لا تستكين وتتباكى على أحوالها، ولا تجالس الملامة والندامة، ولا تجتهد بإيجاد المعاذير والتبريرات ، لتحرر نفسها من المسؤولية والجد والإجتهاد.

الأمم والشعوب تتحدى، وتستحضر قدراتها وتؤجج طاقاتها وترسم مساراتها، وتضع خارطة صيرورة أقوى وأكمل تتحقق فيها وتمنع إنكساراتها.

والأمم لا تكتب بمداد اليأس والنواح واللطم على الغاديات، إنها تكتب بمداد أكون، وتفاعل عقولها للوصول إلى كيفيات الإنطلاق والإنبعاث من جديد.

ويكون لنخبها دورها الوثاب في إستنهاض المشاعر الإيجابية وتعزيز الإرادة الطامحة بثقة كبيرة وتفاؤل مديد.

فالنخب تقود الأمل وترفع رايات الحياة وتصدّح بأبجديات الكينونة المشرقة والصيرورة الباهية لأممها وشعوبها.

وما يسود في واقعنا أن النخب تنتحب وتبدع بإنتاج البكائيات على السطور وفوق المنابر، وتريد الناس أن يلطموا ويتلاطموا ويستلطفوا الوجيع والإنكسار والإندحار.

أيها النخب، إستفيقي من وعثاء القنوط واليأس المقيت، وإنطلقي إلى آفاق مجدٍ أكيد، وإن الشعب عندما يريد تورق إرادته وتتحقق أهدافه!!

فهل أن النخب داءٌ أم دواء؟!!

 

د. صادق السامرائي

16\1\2020

 

شاكر فريد حسنطارق عون اللـه شاعر فلسطيني مهجري، يعيش غربة قسرية منذ سنين طويلة في مدينة الضباب لندن. وهو من مدينة الناصرة، ولد فيها العام 1942، نشأ وترعرع بين أزقتها وشوارعها وأحيائها وسوقها القديم، أنهى دراسته الأكاديمية للقب الأول بموضوعي الفلسفة والأدب الانجليزي في جامعة لندن، واللقب الثاني بموضوع العلوم السياسية، ثم درس الاخراج التلفزيوني والسينما المقارنة، وبعدها علم الحاسوب.

عمل في هيئة الاذاعة البريطانية، وصحافيًا في جريدة " الشرق الاوسط " و"الجاردن" اللندنية. وجمعته علاقات مع العديدين من الشخصيات الثقافية والأدبية من الأقطار العربية، منهم الروائي السوداني الراحل الطيب صالح، صاحب الرواية المشهورة " موسم الهجرة إلى الشمال ".

قرض طارق عون اللـه الشعر منذ نعومة اظفاره، ويعتبره هاجسه الدائم وحبه الأول والأخير، ونشر بواكير تجاربه الشعرية في أدبيات الحزب الشيوعي " الاتحاد " و" الغد " و"الجديد". وحين كان في الوطن جمعته علاقات طيبة مع الكثير من أعلام الشعر والأدب في هذه الديار كسميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد وسعود الاسدي وسواهم.

صدر له في مجال الشعر: " أغنية إلى المقاومة، طائر الزغب، والطريق إلى الصبح ".

تنهض قصائده بوظيفتها الجمالية، وشعره هو لسان الجماعة، وينطق بمكنون الهم الانساني والوطني العام، مؤسسًا لفنه ولغته ومفرداته من تلك المفردات ذات الإيحاء والبعد الذي يشترك فيه كل الناس البسطاء المقهورين والمظلومين. إنه يصدح بقصائد غنائية جميلة دافئة تأخذ بمجامع القلب والروح، متعددة المعاني، واضحة الدلالات والمغزى، رقيقة وناعمة، مكثفة صادقة، ينعدم فيها التكلف، وتنساب كلماتها مموسقة عذبة.

وطارق شاعر مسكون بحب الوطن، مرتبط بالمكان، وعلاقته بمدينته  الناصرة، التي عانق نور الحياة فيها، هي علاقة عضوية، علاقة التهام والتحام معًا، ولنتأمل في هذه القصيدة التي جادت بها قريحته وفاضت بها روحه، وهي قصيدة في غاية الصدق العفوي والتعبيري والجمال الحسي، يتغنى بها بالناصرة التي يشتاق لها وتشتاق له، فيقول :

يا ناصرة يللي بدونك شعري ما عرف الحياه

يا ناصرة يا ملتقى الاحباب! يا حبل النجاه

يا ناصرة يا معقل الابطال في وجه الطغاه

ظلي معي غنوة محبة هايمة فوق الشفاه

                   **

قالوا : الوطن! قلت الوطن يا ناصرة غالي اكيد

وانتِ الوطن عمري، وفرحة طفل بالثوب الجديد

ولما الوطن بُخْطُر على بالي، وانا عنّو بعيد

بسقي حنيني دمع، بلكي الدمع عَ الغالي يفيد

               **

يا ناصرة يَمّ الوفا! يا انقى من معدن ذهب

انتي النّخا، وانتي السّخا، يا روحي يا عز الطلب

اسمك نغم سبّح معي، صلي معي، وحبك وجب

في قلبي ضوّيتي مشاعل من حنين ومن لهب

           **

ببعثْ سلامي للاهل، ببعثْسلامي للصحاب

بالريح، لتل وسهل، للشيخ بدموع السحاب

ولندن تقوللي : عَاَمهِل خليكْ عنّا بهالرحاب

واحكي حكاية موشحة بالشوق لربوع الحباب

             **

راجع انا يا ناصرة لحبنا الماضي الجميل

للقفزة، للطور الحلو، لليل للشعر الاصيل

بلكي بغنّي " عَ الوتر" انغام حلوة تستميل

بلبل طربْ، شاعر ادبْ بعتز بيه كل الجليل

وهذا الشاعر الذي يعنيه طارق في نصه هو أمير القصيدة العامية المحكية الشاعر الأديب  سعود الأسدي (أبو تميم)، و"ع الوتر" هي الزاوية التي كان يكتبها سعود في صحيفة " الاتحاد " أيام الجمعة في منتصف التسعينات من القرن الفائت.

كتابات طارق عون اللـه حافلة بانبلاجات الرومانسية الوجدانية، ذات ملامح وابعاد انسانية، عابقة برائحة الوطن والطين والعشب، فيها حب وحنين للوطن وترابه، وانحياز للإنسان المظلوم، وفيها وجد كبير لناصرته واصدقائه الابرار، وتتجلى فيها العاطفة الجياشة، ومقدرته التعبيرية الابداعية، وثقافته الانسانية الاصيلة، ومواقفه الوطنية التقدمية التي تنتصر للطبقات الشعبية الكادحة، للفقراء والمسحوقين.

طارق عون اللـه يحمل هموم وعذابات شعبه وأمته، يتتبع كل صغيرة وكبيرة عن بلاده ومدينته ملعب صباه، فقلبه لم يغادر ولم يبرح هواها، فيعيش الآلام والأحلام والأفراح والأتراح، ويجعل من الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي بساط الريح الذي ينقله

إلى رحاب الوطن في أي لحظة، ويجعل قصائده طائر الشوق ومرسال الهوى الدائم الهائم، فلنسمعه يقول:

في الساحة البعيدة المخبأة

في السوق كان لي مملكة وصولجانٌ

وكنت أجمعُ الأحلامَ..

كي أبني مدينة فاضلة

يجمعها الحب..

فلا طفل يجوعُ..

أو امرأة تُهان

ولا يخون الزوج زوجةً..

ولا يحكم في مدينتي جبانٌ

وكنتُ كلما اوغلتُ في الاحلام.

أو ضاقت بي الساحةُ

صرت مثل من مَستّهُ..

أيدي الجان

وفي طريق الفجر ..

في دوامة المكان والزمان

أخطأت حين اختَرتُ..

غير موطني مكان

لغة طارق عون اللـه الشعرية تتميز ببساطتها وسلاستها، غير معقدة، بلا غموض، سهلة الفهم، ينتقي كلماته ومفردته التي تنسجم مع الايقاعات الشعرية، ويُخْضِع كلماته للمعاني الشعرية. فهو شاعرٌ جزلٌ، جميل الاسلوب، ولألفاظه الرونقً الخاَص الذي تألفه النفس، وفي شعره موسيقى داخلية ذات وقع وايقاع جميل، إنه يلائم بين جمال اللفظ، وبساطة المفردة، وبين نمطية المعاني المألوفة، والاحتفاظ باللغة في جمالها.

ويبقى القول، إذا كان طارق عون اللـه يحب الناصرة كل هذا الحب، ويزورها بين فترات متباعدة كي يستنشق نسيمها وهواء الوطن، فلماذا لا يعود ويستقر فيها ويقضي ما تبقى من عمر وحياة بين ناسها وشوارعها وحاراتها القديمة ..؟!

 

بقلم : شاكر فريد حسن  

 

حازم اسماعيل كاظمسلسلة من الحكومات العراقية المتعاقبة ما بعد 2003 اثار فيها ملف الاعمار جدلاً بعد ان ابتدأت مراسيم فتحه بشعارات ثخنت الدعايات الانتخابية واستهلاكها كممر آمن لتحقيق الاهداف السياسية .

عانى العراق بالاضافة الى سنوات الحصار والحروب دماراً للبنى التحتية اختتمت فعاليت ذلك الدمار بحرب الخليج الاخيرة التي انتهت بسقوط نظام البعث مما شكل الاعمار شاعراً رفعته القوات الامريكية نتيجة الدمار المركب الذي خلفه تدخلهم بالعراق وليباشر الجيش الامريكي بعدد من المشاريع لم يشكل تنفيذها واقعاً وتغيراً ملموساً في بنيته التحتية .

و نتيجة للظروف السياسية والحرب الاهلية والاستقرار المتذبذب وتهديدات القاعدة وداعش والتي اختتمت بسقوط الموصل ونتائج تحريرها ادى الى نتائج كارثية وشلل شبه تام في هذا الملف اي ملف الاعمار.

فلو نوقش فشل هذا الملف على مر الـ 16 عاماً لسجلنا الاسباب الاتية على الاقل لا للحصر :

- الفساد المالي

- الترهل الاداري

- الظروف السياسية الداخلية والخارجية بالاضافة الى الحرب الاهلية والنازحين

- عزوف المتصدين بسبب الشكاوي الرقابية واستقراطية الضوابط .

- بطأ ميكانيكية عجلة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية لأسباب تتعلق بالامكانيات الفنية .

- التعقيدات في النظام المصرفي

- ضعف اعداد وثائق المناقصة

- الضعف في الامكانيات فنية وادارة المشاريع

- القصور في فلسفة الميزانية الاتحادية .

- غياب او ضعف عامال الجودة

اغلب هذه الاسباب ادت الى غياب المشاريع الاستراتيجية (Mega Project) التي تنعش التنمية البشرية بالاضافة الى سوء جودة المشاريع المنفذة وتلكؤ العديد منها والتي صرح بها مؤخراً رئيس مجلس الوزراء العراقي المنتهية صلاحيته خلال مناقشته لموازنة 2020 والاتي اشار فيها الى أن المشاريع المتلكأة من هيأة الاستثمار بلغ عددها 989 مشروع قيمتها 17 مليار دولار سببت بتوقف مباشر لعمالة 61000 فرصة عمل ادت الى توقف غير مباشر للعمالة 304 فرصة عمل.

شكل تأخر ملف الاعمار عاملاً سلبياً في توفير فرص العمل وارتفاع نسب الفقر ففي وثيقة أستراتيجية التخفيف من الفقر 2018/2022 والتي مثلت رؤية كل من الامم المتحدة والبنك الدولي والحكومة العراقية المتمثلة بوزارة التخطيط العراقية أشار مضمونها الى أحصائية لعام 2012 أن 48% من السكان في العراق أعمارهم أقل من 18 عاما بينهم 23% فقراء، أي كل طفل من أربعة أطفال يصنف فقير، وتشير الإحصائية الدولية إلى أن 5% نسبة الأطفال الفقراء في كردستان، و50 % نسبة الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية".وبحسب مصادر حكومية فإن "أعداد الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين تبلغ أكثر من خمسة ملايين شخص يستهلكون نصف ميزانية العراق المالية سنويا كرواتب، مما يعطل توفير الأموال اللازمة للتنمية الشاملة، وأخذ الدين العام بالازدياد في العراق منذ عام 2013، اذ ارتفع من (73,1) مليار دولار، إلى (132,6) مليار دولار في العام 2018، في حين أن الاحتياطي النقدي أخذ بالتناقص من 77,8 مليار دولار عام 2013 حتى وصل 40,8 مليار دولار في العام 2018.

أتفاقية الصين

الشعور بالاخفاق في ملف الاعمار لم يعد كافياُ لدى الحكومتين العراقيتين بعد سقوط الموصل فهما دأبتا الى أيجاد بدائل يعمل على تقليص عدد من العقبات الآنفة الذكر لذا كان التفكير بالبنى التحتية بعيداً عن الرتابة الأدارية أمر مهم الامر الذي استوجب على الحكومة الاخيرة اعلان ما يسمى بأتفاقية الصين .

أن اتفاقية الصين اذا ما اردنا الاطلاع على ملخصها هو الاتي:

بغية النهوض بالبنية التحتية العراقية فقد حدد سقف الاتفاق مع مؤسسة ضمان الصادرات الصينية Sinosure بنحو ١٠ مليار دولار قابل للزيادة وان مدة الاتفاق هي بنحو ٢٠ عاماً ويتم تصدير نفط خام إلى الشركتين الصينيتين لأغراض تنفيذ الاتفاق بمعدل ١٠٠ ألف برميل يومياً بالأسعار العالمية، ثم تودع عوائد التصدير بالدولار في حساب مقدمة يسمى settlement account بعد تنزيل تعويضات حرب الكويت لدى البنك الاحتياطي الفيديرالي في نيويورك ثم ينقل صافي المال في النهاية بحساب يسمى حساب الاستثمار investment account لقاء فائدة للعراق في حال بقاء الودائع في ذلك الحساب دون سحب. وتقدر العوائد السنوية بنحو ٢ مليار دولار وعلى وفق معدلات اسعار النفط الحالية.

ان هذه الاتفاقية هي مجموعة من مذكرات تفاهم على جميع المجالات واذا ما اردنا وصفها فهي مجرد اتفاق على بروتوكول مالي ليس الا , من خلاله سيتم طرح عدة مشاريع من قبل الحكومة العراقية في الموازنة الاتحادية وفق الاولوية لذا لكي نناقش هذا الاتفاق لابد من تسليط الضوء على تحدياته بعيداً عن الارقام الاقتصادية والضمانات القانونية كوننا سنفرض ان الاتفاقية محكمة قانونياً وفيها من الضمانات ما لم تسبب اخفاق في الحقوق المالية للطرف العراقي.

التحديات

ان جميع الدول النامية لم تكن لتحقق نموها الملحوظ والاعمار التي تشهده الان الا من خلال انعاش القطاع الخاص والتوجه الى طرق بديلة يمنحها حرية الحركة تحت سقف قانوني بعيداً عن الاجراءات التي تهدر الزمن, لذا فأن هذا الاتفاق ايجابي جداً وقد يكون هو الحل الامثل اذا ما تنوعت الاتفاقيات مع بقية البلدان الصناعية الاخرى لان الاعتماد على القطاع العام هو شلل ثلاثي الابعاد يصيب الزمن والجودة والفساد الاداري الا ان هذه الاتفاقية وبتحدياتها المدرجة ادناه ستكون معرضة للفشل في أهدافها ما لم يتم أجراء الآتي:

- أنشاء مكاتب أدارة المشاريع  (Project Management Office PMO) يتكون من الخبرات الاجنبية من خارج العراق تشترك فيها الخبرات العراقية من الوزارات الخدمية بنسبة لا تزيد عن 35% ولا تقل عن 20% في كل محافظة مرتبط بمؤسسة داخل رئاسة الوزراء تعمل بمنعزل عن ادارة الوزارات الخدمية.

- انشاء منطقة امنة لمكاتب PMO

- الاستعانة بالوزارات المستفيدة لأستحصال الاحصائيات وخرائط الواقع الحال للمدن وأحتياجاتها لغرض أنضاجها من قبل PMO

- وضع استراتيجية من قبل PMO تختزل في محفظة PORTFOLIO للمشاريع لتحقيق الهدف لتجاوز التقاطع بين برامج المشاريع وبنيتها التحتية.

- يتولى POM مسؤولية كتابة وثائق المناقصة وفق النظم الادارية الحديثة كالمعتمدة من مؤسسة FIDIC وغيرها.

- أعتماد نظام عقود

 Engineering Procurement Construction Commissioning EPCC .

- قيام PMO بالتعاقد مع الشركات الاستشارية

 PROJECT MANAGEMENT CONSULTATION PMC

وأشراك نسبة من الخبرات العراقية بنسبة لا تزيد عن 35% لتوأمة الخبرات العراقية مع الخبرات الخارجية.

- التأكيد على مناشئ المعدات الحاكمة واستيراده من الدول الرصينة بدل الصين .

- تأهيل شركات القطاع الخاص واعادة النظر بتصنيفها وفق معايير عالمية.

- أعادة النظر بأدوات تخمين كلف المشروع كون المشاريع ستكون مكلفة حيث سيضاف الى  كلفها عامل الامان Security والذي يقدر بنسبة 0,05% من كلفة المشروع وعامل الضمان والذي يبلغ تقريباً 0,03% من كلفة المشروع لذا ستكون تلك المشاريع مكلفة مقارنة بتخمين الكلف المحلية.

حقيقة المؤسسات الحكومية هي انها غير قادرة على ادارة ملف الاعمار لأنها تفتقر الى ادوات ادارة المشاريع الحديثة بالاضافة الى أن ترهل القطاع العام سيشكل عاملاً سلبياً اذا ما تم تدخله بشكل أساسي في هذا الملف لذا كان لزاماً على الحكومات ان تفكر بأنشاء شركات أعمار كشركات الاعمار الموجودة حالياً في الخليج مع منحها صلاحيات تتجاوز البيروقراطية في الدوائر بالاضافة الى كون تلك الشركات ستكون رشيقة وذات مهارات تحترم عامل الزمن

الخلاصة

ان اتفاق العراق – الصين هو مجرد تفاهمات انتهت بوضع اربع اضلاع لأطار لوحة لم ترسم في داخلها ملامح ملحمة الاعمار وأدواتها وألوانها بشكل صريح وهي اذا ما طبقت اليوم بأهمال اغلب التحديات التي تم ذكرها ستكون جزء من المشاريع المتلكأه بل وسيترتب عليها كلف اضافية بسبب التوقفات التي ستتعرض لها المشاريع نتيجة لترهل المؤسسات وبطأ تفاعلاها مع فعاليات المشاريع.

يبقى مفهوم الاتفاق هو عامل ايجابي وهو خطوة بالاتجاه الصحيح كونها ستمثل مساراً معبداُ لتحقيق الهدف بدل من الطرق النيسمية التي سلكتها المؤسسات الحكومية لتنفيذ مشاريعها خلال جميع الحكومات السابقة والحالية .

 

الكاتب المهندس

حازم أسماعيل كاظم

 

يتحدثون عن مدى تأثير "القوة الناعمة" وقدرتها الهائلة على إخضاع الخصوم وجذبهم من دون إستعمال القوة وينسبونها الى، جوزيف ناي، واتحدث عن "القوة الراحمة" التي وضعها الباري عز وجل لنا كقاعدة ذهبية لإستمالة القلوب وأسرها بمحكم التنزيل: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " .

الفرق بين القوتين الكبيرتين أن الأولى - مخادعة - غايتها استغلال البشر وايهامهم بمثل وقيم لايرجى خيرها وإغراقهم بالشهوات البهيمية والنزعات الانانية على الطريقة الرأسمالية الغربية تمهيدا لإستحمارهم ومن ثم إستعمارهم، فيما القوة الثانية - صادقة - غايتها اشاعة روح الرحمة والالفة والمحبة بين البشر وتحجيم شياطين الانس وإقصاء أعداء البشر، لقد انتشر الاسلام في ماليزيا واندونيسيا والفلبين وتايلند وبروناي وغيرها من الدول الاسيوية بأخلاق التجارالمسلمين وحسن تعاملهم وصدقهم ومثابرتهم وجدهم ورحمتهم، وبالتالي فلم يكن هؤلاء بحاجة الى اكثر من الرحمة وحسن الخلق بكل فروعه لأسرالقلوب وجذب العقول هناك، وبناء عليه فإن "الجوكر" يحاول سلبنا مفاهيم الرحمة والتراحم وخلخة موازين الاخلاق والعدل والفضيلة لنتشابه وإياهم في مفاهيم "القوة الغاشمة "والفوضى الجنسية والفردانية العارمة ولتعميتنا عن "سلاح القوة الناعمة "التي يستخدمونها معنا ليل نهار لتضليلنا ..فضاع الجوخ والبداوي كما يقولون ..علما أن " القوة الراحمة " لاتعني الجبن، الوهن، الكسل،الجهل إطلاقا بل على العكس تماما فلكي تكون رحيما " يتوجب عليك ان تكون واعيا، مثقفا، جادا، حازما، جريئا، حكيما،نشطا،مستوعبا " لكل المتغيرات وما يدور من حولك تماما لتعرف جيدا كيف تعالجه وتتعامل معه، واعلم رعاك الله بأن" القوة الراحمة " من أسسها وركائزها "الشدة" والحزم مع الذين يحاولون إجهاضها ووأدها كي لايعم نفعها بين المظلومين والمحرومين والمضللين والمخدوعين فالشدة هنا لاتتعارض ومفهوم " القوة الراحمة " بل تكون بمثابة حارس أمين للحيلولة من دون العبث بإنجازاتها على أرض الواقع ولا خير في عدل ورحمة لاتحمل معها عصا غليظة للدفاع عنهما في كل وقت وحين ضد الصائلين !

- سلامك على من عرفت ومن لم تعرف "قوة راحمة" فردية فما بالك بأن تكون سلما وسلاما فكريا ومجتمعيا جماعيا، مؤسساتيا، حيثما رحلت وارتحلت قولا وفعلا؟!

- زكاتك وصدقاتك على الفقراء والمساكين "قوة راحمة" فما بالك بإقامة مشاريع استثمارية لتشغيل العاطلين، تعليم الجاهلين، مساعدة المحتاجين، دعم المشاريع الصغيرة والكبيرة للمهمشين؟!

- إماطتك الاذى عن الطريق " قوة راحمة " فما بالك برفع النفايات، ردم البرك الاسنة، تجفيف المستنقعات، فتح الطرق، تعبيد الشوارع والطرقات؟!

- كفالتك الايتام ممن لاتعرفهم " قوة راحمة " فما بالك ببناء دور للايتام تتولى رعايتهم وتعليمهم مجانا؟!

- سعيك على ارامل ومطلقات وعوانس لاصلة لك بهم " قوة راحمة " فما بالك بمشاريع خيرية مدروسة لتعليمهن وكسوتهن واطعامهن ومساعدتهن فضلا عن السعي لتزوجهن وتحصينهن؟!

- تفقدك المرضى وعلاجهم حسبة لله تعالى "قوة راحمة" فما بالك ببناء مستشفى، مستوصف، مركز صحي، عيادة شعبية، مختبرتحليلات مرضية، لعلاج المرضى وصرف الادوية لهم مجانا؟!

- حفر بئر بمنطقة تعاني من شح المياه " قوة راحمة " فما بالك بحفر ابار وإجراء انهار وفتح قنوات واقامة سدود وانشاء احواض وبناء جسور وتحلية مياه وسقي زروع وإرواء افواه وضروع؟!

- بيت للغريب " قوة راحمة " فمابلك ببناء دور لأيواء المسنين، المشردين، اقامة مخيمات للمهجرين والنازحين، دور لشديدي العوق؟!

- تعليم علم ينتفع به " قوة راحمة " فما بالك ببناء مدارس، معاهد، كليات، جامعات، مراكز لتعليم المكفوفين، الصم والبكم، تأهيل ضحايا متلازمة داون، تعليم مرضى التوحد؟!

- غرس شجر ونخل " قوة راحمة " فمابالك بإستصلاح الاراضي البور، زراعة الاراضي، استحداث البساتين؟!

- اذا كانت القرضة الحسنة " قوة راحمة " لها من الاجرالكبير ما لها فمابالك بكيان مصرفي يقرض بلا فوائد ولايتعامل بالربا مطلقا ويشغل اموال الناس بالحسنى للصالح العام؟!

- اذا كان الزواج الحلال والولد الصالح " قوة راحمة " فمابالك بمشاريع لتزويج الشباب ومساعدتهم في ذلك ماديا ومعنويا؟!

نشر بذور" القوة الراحمة" في كل مكان ليعم نفعها من شأنه أن يجعلك محبوبا بين الناس وإن إختلفوا معك دينيا وقوميا وعرقيا ومذهبيا ومن شأن الحب أن يدفعهم تجاهك دفعا ويقربهم اليك قربا كبيرا لايستبعد معه إعتناق ما تؤمن به من مثل وقيم وعقائد وأفكار بل وإتباعها وتقليدها ايضا شريطة ان يكون ماتحمله صحيحا ومخلصا ولايحمل بذور فنائه وانقراضه معه !

وقد ورد في السنة المطهرة " إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ".

ولله در الامام السيوطي الذي لخص الحديث النبوي الشريف بأبيات جميلة :

- إذا مات ابن آدم ليس يجري .. عليه من فعال غير عشر

علوم بثها ودعاء نجل .. وغرس النخل والصدقات تجري

وراثة مصحف ورباط ثغر .. وحفر البئر أو اجراء نهر

وبيت للغريب بناه يأوي .. إليه أو بناء محل ذكر

والامثة كثيرة جدا جدا لامجال لإستعراضها عن ابواب الرحمة والقوة " الراحمة " التي لن يصمد امامها كل اصحاب وافكار وبرامج القوة والدعوات " الناعمة " ابدا !

نحن من اهملنا " قوتنا الراحمة " الهائلة وجمدنا على - المقلد والمكرر والموضعي والمستهلك - منها فحسب، كسلا، عجزا، ضعفا، خورا، ولم نعمل على توسعتها لتتناسب مع مفهومها الاشمل وغاياتها الاسمى فضلا عن اتساع رقعة الحاجة الماسة لها جغرافيا وبشريا، ماديا ومعنويا ولو اننا فعلنا ذلك لما نجحت القوة الناعمة بالتعاون مع الدول العميقة في - تحطيمنا - واحتلالنا واستعبادنا وتمزيقنا اي ممزق !

مثال للجمود ..وانموذج للحركة : بعض الراحمين جزاهم الله خيرا جمدوا على تعليم النساء الارامل والمطلقات المتعففات فنون الخياطة والتطريز وتزويدهم بالمكائن والاقمشة مجانا ليشقوا طريقهن بانفسهن وهذا وحتى قبل 2003 كان مشروع رحمة ناجح الى حد ما جزى الله القائمين عليه خير الجزاء ..الا انهن لم ينجحن في ذلك بعد 2003 لأن المستورد الصيني والتايواني والايراني الرخيص قد غزا الاسواق بما لايمكن المنافسة معه ولكي نتخطى الجمود ونواكب التغيرات مطلوب منا بعض التغيير الاول " تعليم النساء في هذه الحالة فنون الطبخ واعداد طعام المناسبات، صناعة الفطائر والمعجنات على اختلاف انواعها وتزويدهن بمعدات الطبخ كاملة اضافة الى معدات التغليف والتسويق ونحوها "كونها صناعة مطلوبة ولا تبور، وثانيا " لنستمر بتعليمهن فنون الخياطة ولكن مع اطلاق حملة لدعم المنتج الوطني ومحاربة المستورد - الستوك - الاجنبي وليكن هذه المرة متمثلا بخياطة علم العراق، فانيلات تحمل شعارات تدعم صناعات العراق وتؤيد حملات مقاطعة الصناعات الدخيلة والعميلة بغية تشغيل العاطلين المحليين وتأمين قوت الفقراء والمساكين واغاضة المحتلين (الخشنين منهم والناعمين).. فانيلات تدعم المنتخبات الوطنية في مختلف المحافل الرياضية، فانيلات تدخل ضمن حملة " محمد صلى الله عليه وسلم قدوتنا " وما شاكل لتكون بديلا ناجحا كونها مرغوبة تجاريا، مطلوبة انسانيا، فاعلة دعائيا، محبوبة دينيا، معشوقة ..وطنيا " وللحديث بقية .

 

احمد الحاج

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – يغرق الناس في الخمر أكثر مما يغرقون في الماء.

التعليق – الصورة الفنية صادمة في هذا المثل الجورجي، وبالتالي، فانها تستحق فعلا التأمل والتفكير، وتدعو الى الاستنتاجات العميقة رغم ان هذه الحالة تبدو محصورة في اطار بعض المجتمعات، الا ان (الموضوع!)، مع ذلك، يمتلك امكانية الانتشار، اذ انه يحمل (بذور العدوى!)، والوقاية خير من العلاج كما يقول مثلنا العربي المعروف.

**

الترجمة الحرفية – ضيف دعى ضيفا آخر، وصاحب البيت طرد الاثنين معا .

التعليق – الضيف غير المدعو ثقيل دائما وغير مرحب به، وهناك أمثال عديدة عند مختلف الشعوب حول هذه المواقف العامة بين البشر، فنحن نقول بلهجتنا العراقية – (اللي يروح بليا عزيمة يرقد بليا فراش)(الذي يذهب دون دعوة يرقد دون فراش)، وهناك مثل روسي يقول – غير المدعو اسوأ من التتري، والمثل الافغاني في هذا المعنى يقول – المكان يكفي لمئات الضيوف المدعوين، ولكنه لا يكفي لضيف غير مدعو....الخ، لكن المثل الجورجي يعطي حلا (حاسما !!) للامر، وفي هذا (الحل!) تكمن طرافة هذا المثل وتميّزه عن امثال الشعوب الاخرى حول ذلك، ف (صاحب البيت طرد الاثنين معا !!!).    

**

الترجمة الحرفية – الهديّة تتطلب هديّة .

التعليق – يطرح هذا المثل قضية عامة تشمل كل الناس في مختلف المجتمعات، فالهدية تعتبر (دينا!) للمهدى اليه، ويجب عليه ان (يردّها يوما ما وباحسن منها، اي يجب ان يسدد الدين!!!) . المثل الجورجي هذا صحيح جدا ويصف بكلمات وجيزة هذه الحالة بشكل دقيق. عندما يستلم الانسان هدية، فيجب عليه ان يبدأ رأسا بالتفكير حول كيفية (تسديدها!).

**

الترجمة الحرفية – الكلمة الطيبة تفتح البوابة الحديديّة .

 التعليق – المثل المناظرلهذا المثل الجورجي بلهجتنا العراقية يقول – الكلمة الطيبة تطلع الحيّة من الزاغور، (تطلع – تخرج بضم التاء، الزاغور – الجحر) . الصورة الفنية في المثل العراقي طريفة جدا وذات نكهة اسطورية، وتختلف تماما عن الصورة الفنية في المثل الجورجي، الا ان المعنى واحد دون شك .

**

الترجمة الحرفية – الاخ (الصديق) ضروري قبل كل شئ اثناء المصيبة .

التعليق – معنى المثل واضح ويتكرر بمختلف الصور عند الشعوب، ولنتذكر مثلنا العربي الشهير – الصديق وقت الضيق . يقول المثل الياباني – تعرف الانسان عند الكوارث.

**

الترجمة الحرفية – الحديد يصبح أقوى في النار، والانسان في الصعوبات .

التعليق – الصعاب والمعاناة تصقل الانسان فعلا وتجعله قوي الارادة والعزيمة . المقارنة بين الحديد في النار والانسان اثناء الصعوبات مقارنة غير اعتيادية وفي غاية الجمال .

**

الترجمة الحرفية – افضل ان تحاكيهم،  من ان تحسدهم .

التعليق – مثل رائع، اذ انه يدعو الانسان الى التحرر من مراقبة الناس وحسدهم، ولنتذكر القول الشهير - (من راقب الناس مات همّا).  الافضل للانسان فعلا ان يكرر اعمال هؤلاء الذين يحسدهم، ويحاكيها . حلّ مثالي فعلا، رغم انه – مع الاسف الشديد – لا يحدث  في  واقع الحياة ومسيرتها.

**

الترجمة الحرفية – الثعلب أسمى ذيله شاهدا .

التعليق –  مثل طريف جدا، ويذكرنا بصيغة المثل المعروف بلهجتنا العراقية  - عصفور كفل زرزور وثنينهم طيّاره، (ثنينهم – كلاهما)  . الصورة الفنية في هذا المثل الجورجي في قمة الخيال والجمال .

**

الترجمة الحرفية – يعرفون قيمة الثروة عندما يحصلون عليها، وقيمة الصديق عندما يفقدونه .

التعليق – مثل واقعي وحقيقي، ويتضمن حكمة خالدة فعلا في حياة البشر...

***

ا. د. ضياء نافع

 ..............................

من كتاب: (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية) بطبعته الثانية المزيدة والمنقحة، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.

ض.ن.

 

علاء اللامي* أدلى د. مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء بمعلومات مهمة حول ما سمي "الاتفاقية العراقية الصينية"، والتي كثر الكلام والترويج لها في الأيام الأخيرة. وقد أكد د. صالح أغلب ما قلته حول هذه الاتفاقية في مقالتي التي نشرتها قبل ثلاثة أيام، وما قاله غيري في مقالات كثيرة. إن معلومات د. صالح التي أدلى بها في لقاء تلفزيوني مع قناة "الفرات"، نشر موقع القناة أكثر من تقرير عنها سنلخص أهم ما ورد فيها على لسان المتحدث. ولكننا سنبدأ من مقالة أخرى للدكتور صالح نشرها في الشهر الماضي، وأطلق فيها على الاتفاقية المذكورة عبارة (اتفاق إطار التعاون مع الصين) وهذه العبارة قريبة من عبارة استعملها محافظ البنك المركزي الذي سماها في كتاب رسمي له / الصورة "اتفاقية إطارية"، وهذه العبارات لا تعني "اتفاقية" بالمعنى السائد للاتفاقيات بل هي مذكرة تفاهم أو مبادئ عامة للتعاون مرفقة بـ "ملاحق بروتوكولية مالية ونفطية" تم التوقيع عليها.

* يؤكد د. صالح في اللقاء التلفزيوني المذكور أن من طرح موضوع التعاون مع الصين هو حيدر العبادي في زيارته الى الصين سنة 2015 كانون الأول، وكان عبد المهدي عضوا في الوفد بصفته وزيرا للنفط آنذاك، ولكن د. صالح يبدو وكأنه يحاول أن يعطي لعبد المهدي دورا أو حصة أكبر من حجمه، علما بأنه استقال بعد تلك الزيارة من منصبه. فيقول د. صالح (في كانون الاول 2015 ذهب وفد رفيع المستوى الى الصين برئاسة حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق وأعضائه من ضمنهم وزير النفط آنذاك عادل عبد المهدي، وقعت مذكرات تفاهم وواحدة منها مبادرة الحزام والطريق بالتشارك، ومن عمل على هذا الاتفاق عبد المهدي نضج اتفاق الذي هو أقرب الى النفط مقابل البناء والاعمار).

* واضح من هذا الكلام أن الموضوع لا علاقة له بعبد المهدي فكرة وتأسيسا ومتابعة، وأنه لا يتعلق بالاتفاقية شاملة وتامة آنذاك بل بالتوقيع على ملاحق خاصة بالاتفاقية الأولية السابقة. ويبدو أن ربط هذا الاتفاق الإطاري بعبد المهدي قام به في الأيام الأخيرة من يحاولون الإبقاء عليه في منصبه وتراجعه عن استقالته حتى إجراء الانتخابات بعد ان فشلوا بإمرار أحد رجال كتلهم الفاسدة إلى المنصب، وهذا أمر لا اعتقد انه سيتم لأن إعادة هذا الرجل إلى منصبه هي إهانة كبرى لشهداء الانتفاضة الذين يقترب عددهم من الستمائة شهيد وهو قتل جديد لهم لا أظن أن الشعب العراقي وذوي الشهداء خصوصا سيسمحون بحدوثه حتى لو حدثت ألف مصالحة وتظاهرة مشتركة بين الصدر وزعماء المليشيات التي أطلق عليها ذات يوم اسم "المليشيات الوقحة" بل سيكون واحدا منها.

* أما مبادرة الحزام والطريق بالتشارك (Belt and Road Initiative) التي ذكرها د. صالح، فهي - للعلم - مبادرة صينية أطلقتها الصين إلى العالم وخصوصا الى بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية سنة 2013، وليس اسما للاتفاق العراقي الصيني، واستلهمت الصين اسم مبادرتها هذه من "طريق الحرير" القديم، وبعد سنتين قررت الحكومة العراقية الدخول فيها وعقد بعض العقود مع الصين على أساسها. وحتى هذا الاتفاق الأولي الذي وقعه العبادي، لم يعرض أيضا على مجلس النواب ليصادق عليه، لأنه ليس اتفاقية عادية متكاملة بل عُرض على الحكومة وأقرته. ويضيف السيد المستشار أنه استمر شخصيا بالعمل على اتفاق المبادئ مع فريق من الخبراء العراقيين بعد استقالة وزير النفط عبد المهدي، حتى أنضجوه وأضاف (والتقينا مع الجانب الصيني الممثل بالوكالة الحكومية الصينية لضمان الاستثمار والائتمان "ساينو شور" وأصبح الاتفاق في إطار التعاون ويتضمن ان العراق يصدر كميات من النفط وتودع أموالها في صندوق خاص بالمقابل تنفذ الشركات الصينية مشاريع على ارض بالاتفاق بين الطرفين، وقد عرض هذا الاتفاق على مجلس الوزراء في زمن العبادي وتمت المصادقة عليه في آذار 2018) فماذا فعل عبد المهدي والمدافعون عنه حقا وباطلا ليستولي على جهود الحكومة السابقة ورئيسها وليلصق الاسم به ثم ليستعملوه كبعبع أخاف أميركا فتحركت لإسقاط عبد المهدي بواسطة انتفاضة تشرين التي قتلوا وجرحوا خلالها آلاف العراقيين؟ لا شيء يذكر سوى زيارته مع وفد كبير لتوقيع بروتوكول مالي ونفطي وعدد من المشاريع التي لم يكشف عن تفاصيلها هذا إذا كان لها وجود أصلا.

* في لقاء تلفزيوني آخر مع فضائية "العراقية" الرسمية، يسأل المذيع د. صالح سؤالا محددا هو " هل هذه اتفاقية أم مذكرة تفاهم؟" فيرد د. صالح بأن ما وقع في زمن العبادي هو مذكرة تفاهم واستمر العمل عليه في زمن الحكومة السابقة (حتى تحول إلى "إتفاق إطار التعاون" وهذا الاتفاق أعلى من مذكرة التفاهم الموقعة وأقل من الاتفاقية. هذا الاتفاق يحتاج إلى مصادقة مجلس الوزراء وهو يحتاج إلى ملحقين تفصيليين نفطي ومالي وهذان الملحقان تم التوقيع عليهما في زيارة عبد المهدي الأخيرة الى الصين). 

* لنقرأ ما كتب السيد المستشار في مقالته المشار إليها/ الرابط 2 (في موازنة 2019 وضع بند بقيمة 1.1 مليار دولار بالاتفاق على اتفاق "ساينو شور الصينية"، ومجلس النواب اطلع على جميع المعلومات، وعند زيارة عبد المهدي الى بكين تم توقيع على ملاحق للاتفاق "ملحق حسابي ونفطي"، وتم التوقيع على الملحقين من قبل وزير المالية فؤاد حسين وشركة سومو النفطية). وهذا كلام صحيح فلم تكن هناك اتفاقية بخمسمائة مليار أو حتى بعشرة مليار دولار أغضبت واشنطن فقررت الإطاحة بعبد المهدي، بل هي ملاحق مالية ونفطية محدودة وملحقة بالاتفاقية الأولية التي وقعها العبادي ولم يعرضها على مجلس النواب كما قلنا، وتتعلق بمجموعة من مشاريع البنية التحتية التي ستنفذ بطريقة شبيه بعض الشيء بتلك التي حاول نوري المالكي عقدها مع كوريا الجنوبية وسميت بالدفع بالآجل والتي أجهضتها الأحزاب والتيارات السياسية المعادية له والتي اجتمعت في "تحالف أربيل" حتى لا يربح من خلالها سياسيا على حسابهم حتى أسقطوه. أما مبلغ العشرة مليارات فهو قمة الخط الائتماني في الصندوق المشترك لمدة عشرين عاما وليس مبلغ عقود أبدا.

* أشار د. صالح إلى أن البرلمان سيصوت على الاتفاقية ولكن ليس كإتفاقية بل على مشروعين فيها تم إدراجهما في موازنة 2020 وحين يصادق البرلمان على الموازنة ربما سيعتبرون الاتفاقية الإطارية قد تمت المصادقة عليها وهذا لعب بالألفاظ واحتيال صريح لا اعتقد انهم سينجحون بتمريره ليمرروا بعده عشرات المشاريع المشبوهة والغامضة في دولة ينخرها الفساد.

* وفي حديثة مع العراقية قال د. صالح أن البرلمان كان قد صادق على مبلغ مليار ومائة مليون دولار ضمن موازنة 2019 وكانت هذه هي البداية لانطلاق المرحلة التنفيذية للاتفاق الإطار.

* العقود الجديدة وطريقة الدفع وفق "الاتفاقية الإطارية" مع الصين يشوبها الغموض، وتحيط بها الكثير من علامات الاستفهام، فطريقة التعامل والدفع والمشاركة ليست بعيدة عن طريقة التعامل مع صندوق البنك الدولي سيء الذكر وهذا ما يعترف به د. صالح في مقالته السالفة الذكر حين يقول (يشارك العراق الصين عند تحصيل القروض توفير بتمويل قدره ١٥٪ على غرار قروض البنك الدولي أو غيره، وتمول حصة العراق آنفا من حساب الاستثمار وتودع في حساب آخر ضمن الحسابات الاربع يسمى (repayment account) لقاء قرض بنسبة ٨٥٪ تقدمه المؤسسات المصرفية الصينية). ولكن د. صالح أشار في لقائه مع "العراقية" الى وجود تسهيلات ائتمانية قدمتها الصين فهل تخفف هذه التسهيلات من مخاطر ما ذكره بصدد السياسية الإقراضية الشبيهة بسياسات الإقراض في صندوق النقد الدولي؟ لا جواب لدي على هذا السؤال ولهذا يبقى مفتوحا.

* وقد أثيرت بعض التساؤلات حول فقرة وردت في الاتفاق الإطاري حول رفع كمية النفط المخصصة لهذا الاتفاق من مائة ألف الى ثلاثمائة ألف برميل يوميا إذا صار ذلك ممكنا، وتساءل البعض أين ستذهب الأموال الزائدة والتي ستبلغ ستين مليار دولار في هذه الحالة؟ وهذه النقطة بحاجة الى توضيح، وحين تكلم عنها د. صالح لم يفصل فيها، وتطرق إليها كأمر طبيعي وعادي، وعللها في حال حدوثها "بتصاعد النشاط الاقتصادي" وتبقى هذه العبارة مبهمة، واعتقادي الشخصي أن المبالغ التي سيتم الحصول عليها في حال رفع كمية النفط ستبقى ترفد الصندوق الائتماني ذا العشرة مليارات ولا تزيد عليها وربما ستقصر من مدة التراكم المالي في الصندوق لا غير في حال ارتفاع سعر برميل النفط أو حدوث تطورات إيجابية من هذا القبيل.

* أما ما قيل من أن (هذا الاتفاق الإطاري تم توقيعه لمصلحة إيران واقتصاد إيران) هو مجرد كلام سياسوي وتهريج تحريضي لا حظ له من العلمية ولا دليل عليه ولا يمكن حتى تخيله عمليا، فالمشاريع إذا قدر لها أن ترى النور ستكون بين دولتين هما العراق والصين فما علاقة إيران بالموضوع؟

* معلومة خطرة حول الفساد الأميركي والدولي في ما سمي إعادة إعمار العراق وبناء البنية التحتية طرحها د. صالح مفادها (نشر البنك الدولي وثيقة أعدها خبير ياباني قبل ستة أشهر بعنوان " إعادة بناء العراق" وذكرت فيه المبالغ التي صُرفت في العراق من سنة 2003 إلى سنة 2012 وقدرتها الوثيقة بـ 222 مليار دولار ساهمت الحكومة العراقية فيها 126 مليار، وما تبقى من دول أجنبية ومنظمات دولية منها أميركا بستين مليار، والنتيجة ان هذه الأموال والتي تقترب من ربع ترليون دولار تبخرت كلها، حيث لم يتم إنجاز أي مشروع فعلي على الأرض ويمكن اعتبار هذا أكبر مشروع فاسد في الكون!/ الدقيقة 20 وما بعدها). والسؤال المهم هو: كيف تطمئن الحكومة العراقية لدولة الاحتلال التي نهبت منها هذه المبالغ الضخمة وتستمر بالتعامل معها، وتقترض منها خمسة مليارات لبناء مشاريع للبنية التحتية تقوم بها شركاتها نفسها، كما ذكر السيد المستشار في موضع آخر من اللقاء معه؟

* وعن رأيه الشخصي في ما يقال عن رفض أميركي للاتفاق الإطاري مع الصين، نفى د. صالح وجود شيء من هذا القبيل، وقال (أنا تكلمت مع الأميركان وهم يعتبرون هذه النشاطات حق طبيعي للحكومة العراقية، وهم "ليسوا بحال مشاريع بهذا الحجم/ الدقيقة 32 وما بعدها"! ولكنهم ربما يخشون من ميل العراق الى محور دولي وهذا غير وارد لأن سياسات العراق قائمة على رفض المحاور)!

*معلومة أخرى طرحها المتحدث وهي أن العراق لديه اتفاقيات مع الحكومة الأميركية للقيام بمشاريع في البنية التحتية بقيمة خمسة مليارات كقرض تقدمه أميركا وتنفذ مشاريعه شركات أميركية، وقد وقع وزير المالية العراقية مع الجانب الأميركي على هذه الاتفاقية/ الدقيقة 29 وما بعدها!

* إن الاتفاق الإطاري للتعاون، كما قدمه د. مظهر صالح، جاء كمحاولة أخيرة ويائسة ولكنها مبررة أيضا لإنقاذ العراق من الانهيار التام، أكثر مما هو منهار الآن، خصوصا بعد أن تجاوزت الموازنة التشغيلية "المخصصة للرواتب والاستهلاك" الحد المعقول، وأصبحت واقعا مائة وعشرة بالمائة (110%)، أي أكثر من عائدات الدولة من النفط وغير النفط، أي أن من المستحيل على الدولة أن ترمم أو تبني أي مشروع صغير في البنية التحتية المنهارة بعد الآن، فماذا فعلوا - وأنا اهنا استلهم وأكرر كلام د. مظهر صالح - قرروا أن يقضموا - المتحدث نفسه استعمل كلمة "قضم" - نسبة صغيرة من عائدات النفط الذي يصدره العراق الى الصين، والبالغة كمياته 850 ألف برميل يوميا، فيأخذون منها عائدات مائة ألف برميل يوميا ويضعونها في الصندوق الائتماني العراقي الصيني  لتبني الصين بها مشاريع البنية التحتية ضمن المشروع الصيني الخيري والبناء والذي تريد الصين من خلاله مساعدة الشعوب الفقيرة وأعني مشروع "الحزام والطريق والتشارك"...هل هذا الإجراء أو الحل ممكن؟ هل سيفلت من أخطبوط الفساد المستشري في الدولة العراقية وحتى خارجها؟ هل هو مضمون من حيث النوعية والكمية والتشغيل والبيئة ...إلخ؟ لا يمكنني الإجابة على هذه الأسئلة في ضوء المعطيات المتوفرة، وأميل الى التشاؤم في ضوء كل ما جرى خلال سنوات حكم المحاصصة الطائفية المدمر!

* خلاصات: كل ما كتبته حول موضوع أو خرافة "الاتفاقية الصينية العراقية" لا ينطلق من موقف المعارض والرافض لاتفاقية لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة في العراق، بل لتنفيذ الأكاذيب السياسية والإعلامية التي قيلت حول وهم وخرافة اسمها " الاتفاقية "، وقد تحقق ذلك، وأهال السيد المستشار آخر حفنة تراب على قبر هذه الخرافة. فالاتفاقية، حسب كلام المسؤول الاقتصادي الأول عنها والمتابع المباشر لها في جميع أطوارها، لا وجود لها، أي إنها لم تكن سببا في غضب أميركي الى آخر هذه الرواية السخيفة والتي يريدون بها تبرير المجازر التي ارتكبوها وربط الانتفاضة الشعبية بأميركا من باب النفاق والكذب والتشنيع لتبقى أحزاب وميليشيات الفساد والنهب والقتل في الحكم وليبقى نظام المحاصصة الطائفية قائما. ولكن علينا ان نفرق بين من يرفضون أكذوبة أو خرافة " الاتفاقية العراقية الصينية" واستعملوها لأغراض سياسيوية لتبرير القتل والقمع وبين الفاسدين في الكتل والأحزاب السياسية الوسخة والآخرين الذين  يرفضون هذا الاتفاق الإطاري للتعاون كفكرة ومشروع لأنه يحرمهم من الحصول على حصتهم من الغنيمة الدسمة والسبب هو أن تنفيذ هذه المشاريع التي يتضمنها نظريا حتى الآن سيكون بين الدولتين العراقية والصينية دون وسطاء وهذا يعني أن الغنيمة ستكون فقط لمصلحة كبار رجال الدولة رغم كل التطمينات التي قدمها د. صالح، وهو نفسه قال إنه لا توجد ضمانات تامة ضد الفساد!

* ختاما، أسجل احترامي  للنوايا الحسنة التي عبر عنها الدكتور مظهر محمد صالح في كلامه، فهو رجل علم ضليع في ميدانه، ولكنه كما قال حرفيا "لا يفهم في أمور السياسة وليس سياسيا"، واعتقد أن هذه النقطة تسجل لصالحه، فالسياسة في عصرنا وفي ظروف عراق ما بعد الاحتلال وحتى قبله نقيصة ومثلبة للإنسان الذي يتعاطاها، وأعتقد أن دوافعه لقول كل ما قاله، وامتناعه عن قول ما لم يقله، تختلف عن دوافع المروجين الآخرين لهذا "الاتفاق الإطاري" النظري ، فالرجل يعرف، ومن موقعه العلمي والإداري، حجم الكارثة الاقتصادية التي يعيشها العراق اليوم، وتلك التي هو مقدم عليها  في السنوات القليلة القادمة كدولة ومجتمع وبلد غني حلت به كارثة الاحتلال ونظام المحاصصة الذي جاء به، خصوصا إذا استمرت الطبقة السياسية اللصوصية بأحزابها ومليشياتها ومرجعياتها السياسية والدينية  قابضة على زمام الحكم، ولكن التاريخ لا تصنعه النوايا الطيبة ومن المؤسف التذكير بالمقولة الشهيرة القائلة "إن طريق جهنم مفروش بالنوايا الطيبة"، وليس أمام العراقيين غير التمسك بحبل النجاة الذي قدمته لهم انتفاضة تشرين المعمدة بدماء شبابهم عساهم ينقذون وطنهم وأنفسهم بعد هذا الخراب والتخريب الشامل!

* إنَّ أي مشاريع للبناء وإعادة الإعمار والإصلاح في العراق، بوجود هذا النظام الطائفي الذي جاء به الاحتلال الأميركي وبوجود الطبقة اللصوصية التي تسيطر عليه والمحمية من إيران، وقبل زواله وزوالها، هي عبث في عبث من عبث على عبث! 

 

علاء اللامي

..............................

روابط:

1- حديث د. مظهر محمد صالح الى فضائية العراقية:

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=9B1UoqUMN38&feature=youtu.be&fbclid=IwAR3aUAwX-a_-Ytkg8lcZ754dhJNXJj-uiL1HlGb5YumG-CVk1p6WWHMSxww

2- مظهر صالح: دراسة/ اتفاقية التعاون بين العراق والصين:

http://burathanews.com/arabic/studies/360544?fbclid=IwAR3mzZzC8XTqCi5VRj_BLQwscCRq41KMBUjQKg6O6ITnZKX0z7ngMJ_xaOM

3- المستشار المالي لرئيس الوزراء يحسم الجدل في اتفاق الصين

https://alforatnews.com/news/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%AD%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86

 4- مستشار حكومي: موازنة 2020 جاهزة في المالية وستتضمن اتفاقية الصين

https://alforatnews.com/news/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-2020-%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%B2%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D8%AA%D8%AA%D8%B6%D9%85%D9%86-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86

5-الحكومة تؤكد سريان اتفاقية الصين وتفعيلها يحتاج موافقة برلمانية:

https://www.sotaliraq.com/2020/01/08/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%A4%D9%83%D8%AF-%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%AA%D9%81%D8%B9/

6-الاتفاقية الصينية.. بنود مبهمة وجدل كبير حول جدواها وخبير اقتصادي يوضح جزء من الحقيقة:

https://yesiraq.com/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%A8%D9%87%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D9%83%D8%A8%D9%8A/

 

عبد الجبار الجبوريتتصّاعد حدة وقوة التهديدات الامريكية – الايرانية، وعلى أعلى مستوياتها، كأن الحرب ستقع بعد ساعة من التهديد، وكان للرئيس ترمب يوم امس آخر التهديدات المباشرة للمرشد، حينما قال على المرشد خامنئي (يجب أن يكون حذرا مع كلماته)، وردّ المرشد خامنئي عليه قائلاً (إستعراضاته السخيفة لن تبقى دون ردٍ)، إذن نحن أمام سيناريوهات مرعبة، لاسيما وإن العراق أصبح رسمياً ساحة حرب وتصفيات حقيقية، بين أمريكا وإيران وأذرعها، ولكن دعونا نرجع الى حادثتين مرعبتين، هما (قصف مقاتلي حركة حزب الله في القائم، ومقتل قاسم سليماني وابو مهدي المهندس، والهجوم على السفارة الامريكية وقصف قاعدة عين الاسد)، تؤكدان أن الطرفان ذاهبين الى الحرب حتمياً، وكلّ منهما أحرق المراكب خلفه، وبدأ يعدّ الايام للمواجهة، فماذا حدث عند الطرفين، أمريكا شعرت بإهانة كبرى، واستغلّت هاتان الحادثتان، لكسب الدعم الاوروربي وتحريضه ضد ايران، وقد نجحت، وكان أول الداعمين للموقف الامريكي، بريطانيا، وفرنسا والمانيا، وجاءت حادثة إسقاط إيران الطائرة الاوكرانية ومقتل 180 راكبا فيها، ليغطي ويجلّل إيران بالعاروالشنار، ويفضحها أمام العالم، لتقطع حبل الوصل كله مع اوروبا والعالم، إذ أعلنت أغلب الدول الوروبية، منع الطيران فوق الأجواء الإيرانية والعراقية، ومنع التعامل مع الخطوط الجوية الايرانية، وهذه أولى إشارات نشوء تحالف دولي، يسعى له منذ سنتين الرئيس ترمب لمحاصرة ايران وخنقها، حتى تستسلم وتعود لرشدها، أو تكون المواجهة والحرب العسكرية هي الحل الأخير في نهاية المطاف، كما تُهيء له ادارة ترمب، وتحضّر لها مع دول أوربية كفرنسا وبريطانيا، من تحشدات عسكرية أمريكية واوروبية كبيرة في الخليج العربي، نعم ما يجري الآن في العراق هو تحضّير ونذير حرب طاحنة قادمة، يقوم بها الطرفان الامريكي والايراني، الامريكي إرسال جيوش النخبة العالية الكفاءة والاداء وتكديس أحدث الأسلحة بكل أنواعها، والطائرات الخاصة بالحروب، وإنشاء المزيد من القواعد، وإبعاد الرعايا وترحيلهم الى أربيل وعمان وإخلاء السفارة وكادرها، وموجوداتها الحساسة الى أربيل، وجعلها كمركز قيادة متقدم لها، وتحويل سفارتها الى ثكنة عسكرية، تتواجد فيها قوات النخبة الجاهزة للقتال وعناصر السي أي اي، في حين تقوم إيران بقيادة معركتها من داخل العراق، عن طريق مستشاريها المتواجدين بموافقة حكومة عبد المهدي، للاشراف وقيادة الفصائل العراقية المسلحة ال67 التابعة لها، والتي تقوم بقصف القواعد الامريكية، لجس نبض الادارة الامريكية، والتحرش بها لتبيان نواياها تجاه هذه الفصائل، كما حصل في قاعدتي التاجي وبلد، وهناك تحضيرات عسكرية ايرانية على الحدود لمنع انتقال الحرب الى الاراضي الايرانية، وتهديدات الحرس الثوري وإستعداده لمواجهة الجيش الامريكي، هو احدى عمليات إختبار مراكز القوة، لاسيما وإن إيران تعيش وهم القوة، امام قوة الوهم، وما حصل في قاعدة عين الاسد وتناقض التصريحات وكمية الكذب، التي اطلقها قادة ايران بما فيهم المرشد، هو دليل على تخبط القيادة الايرانية في معالجة الازمات، تماما كما حصل في حادثة الطائرة الأوكرانية، وهذا يفسر فشل قادة ايران أولاً في مواجهة العالم، وثانيا يظهر حجم الخلافات بين المرشد وحاشيته، وبين الرئيس روحاني ومريديه، ناهيك عن المعارضين للنظام مثل مهدوي كروبي وبنت رفسنجاني، اللذين طالبا المرشد بالتنحّي، إذن هناك أزمة داخلية معارضة، لما يقوم به المرشد خامنئي والحرس الثوري، أوصلت إيران الى هذا الوضع المزري، وكره العالم لها وعزلها، وفرض حصار إقتصادي وجوّي وسياسي، لامثيل له في التاريخ، نتيجة السياسة الخاطئة لايران في الخارج، والتي انعكست على الداخل، على شكل معارضة ومظاهرات غاضبة، تطالب برحيل المرشد وازلامه من الحكم، ولاول مرة تقوم مظاهرات منذ اربعين سنة، بحرق صور الخميني والخامنئي ورموزهم في شوارع ايران، وهذا اكبر انتصار للمتظاهرين في العراق وايران، إذن الاوضاع والاحداث تتسارع بنهاية نظام طهران، ومحاصرته واخضاعه حتى رحيله، وما تقوم به الدول الاوروبية من إرسال جيوشها وحاملة طائراتها الى الخليج العربي، إلاّ مرحلة أخيرة ماقبل المواجهة، وخاصة بعد جريمة الطائرة الاوكرانية، التي قام بها الحرس الثوري الايراني، وهي القشة التي قصمت ظهر البعير الايراني، وعزلته عن العالم، وأظهرته كنظام يصدّر الارهاب ويغذّيه، كما قال وزير الخارجية الامريكي بومبيو، والحادثة كانت فرصة الرئيس ترمب لأثبات إرهابية نظام طهران أمام العالم، وهكذا كسب الرئيس ترمب جولة النزال مع خامنئي، وكسب ثقة أوروبا كلها الى تحالفه ضد ايران، وأصدر الكونغرس قرارات أحال فيها رموز الحرس الثوري، وحزب الله الى قائمة الارهاب الدولي، وكذلك فعلت بريطانيا وفرنسا والمانيا وكندا، بمعنى قيام تحالف دولي سعى له ترمب منذ سنتين، لاقناع هذه الدول بخطر إيران وأذرعها على الشرق الاوسط والعالم، حتى تأّكد للعالم هذا الامر، باسقاط الطائرة الاوكرانية، وقبلها اقتحام السفارة الامريكية وقصف قاعدة عين الاسد وبلد والتاجي، ومجمع السفارات في المنطقة الخضراء، فلم يبق للدول الاوروبية لكي تحمي نفسها، الاّ التحالف مع إدارة الرئيس ترمب لحمايتها من خطر إيران الإرهابي، الذي تنفّذه أذرعها في المنطقة، نعم المواجهة حتمّية، كما لم يقتنع بها الكثيرون، بين أمريكا وتحالفها الاوروربي الجديد، وبين إيران وأذرعها لسبب بسيط، هو عناد ايران وتغوّلها في المنطقة، وإعتمادها على حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية، في الحرب على أرض غير أرضها هي أرض العراق، لتصفيّة حساباتها القديمة والجديدة مع أمريكا واسرائيل، فهل يفعلها ترمب ويفوّت عليها فرصة المواجهة، التي تصرّ عليها إيران لخلط الاوراق، وعدم تحويّل المعركة للداخل الايراني وتخليصها من الحصار، وتكتفي بأستخدام أذرعها وتورطّهم في حرب خاسرة، يدفعون ثمنها غاليا، وتذهب تضحيات عراقية كبيرة كساحة حرب، ليس لهم فيها لاناقة ولاجمل، ورطّهم فيها المرشد، كي يبعد الحرب عن اراضيه، ويقاتل نيابة عنه ذيوله الحمقى، ويتركهم لمواجهة مصيرهم المحتوم، مع أمريكا وحلفائها الاوربيين ودول الخليج العربي، إيران تريد الحرب خارج حدودها، لانقاذ نظامها من السقوط والافلات من الحصار، وامريكا تريد تحويل الحرب الى داخل ايران، عن طريق الحصار التاريخي والمظاهرات الشعبية، رغم كل ماتفعله الميليشيات التابعة لايران، فلمن الغلبة ياترى، نعم صبر الرئيس ترمب الإستراتيجي (الذي يواجه معارضة شديدة من مجلس النواب ويوجه العزل)، قد ينفد قريباً، ولكن تبقى مسألة المواجهة العسكرية مؤجلة بعض الوقت، إذا لم تقم ايران بحماقة عسكرية أخرى، لتدفع ثمنه غاليا، كما دفعها العراق، وتدخل في مواجهة العالم كله، بعد العزل التاريخي الذي تواجهه الآن، فهل ترعوي إيران، وتعود لرشدها وتتعلم الدرس، أم تأخذها العزة بالإثم الى نهاية المصير المحتوم، بالنسبة لي أعتقد ومن خلال التجربة، أن قادة ايران وفي مقدمتهم المرشد، ماضون في غيهّم وحماقتهم وعنادهم المعهود، لإدخال المنطقة والعالم في حرب عالمية ثالثة، يكون وقودها العراقيين، ومصيرها زوال نظام الملالي الحتمّي، بعد إلغاء الاتفاق النووي الايراني مع اوروبا، ماتفعله ادارة ترمب من تحضيرات عسكرية، وارسال جيوش وانشاء قواعد، ونقل رعاياها الى اربيل، هوإنذار شديد الخطورة، ينبيء بحدوث حرب ومواجهة عسكرية بين ليلة وضحاها، بعد تصاعد حدة التهديدات واسقاط الطائرة، وخسارة ايران حلفائها في اوربا وروسيا والصين، خاصة بعد إعلان البنتاغون إرسال قوات –صيد الخنازير – التي مهمتها قتل واغتيال رموز إيران الخطرين عليها في العراق وايران، كما حصل مع عملية اغتيال المهندس وسليماني في المطار وبن لادن والزرقاوي واعتقال صدام حسين، الايام القليلة المقبلة حبلى بالمفاجآت الترامبوية قبل بدء حملة الانتخابات الامريكية ....

 

عبد الجبار الجبوري

 

مصطفى غلمانإذا كان كانط ينضبط لمقولة: ما الذي في الحاضر يشكل معنى للتساؤل الفلسفي؟ فأنا أربط التساول الفلسفي مباشرة بسؤال الهامش لدى حيز كبير من مفهوم السلطة تجاه المجتمع؟ حقيقة كونها نتاجا لمجموعة من العلاقات التي ترتبط بالضرورة بالخطاب والمعرفة والذات؟!

دعونا نتساءل: لماذا لا يولي المسؤولون أي قيمة أو اهتمام لمصالح المواطنين؟

إنه استفهام يومي تطرحه كل فئات المجتمع!؟

تتساءل دوما عن معنى أن يكون المواطن بلا قيمة أو اعتبار. عن أسباب تماهي المسؤولين عن أداء واجبهم في استقبال الناس والاهتمام بشؤونهم، وتحسيسهم بالظروف التي يعيشونها دونا عن باقي عوائق الحياة ومشاكلها.

الحقيقة أن هذا العامل الإيجابي المفقود في علاقة تحكمها الظرفية والزمن المتحول، لا يؤسس لدورة ارتباط سيروري بين الفاعلين والمتدخلين في الإدارات الخدماتية المحلية والمواطنين ذوي الحقوق التي ينظمها القانون ويلزم المتصلين به تجويده وتمكينه من التوطين والتشكل على نحو يترجم الإرادة العميقة في القطع مع الأساليب البيروقراطية وتغول الفساد وكل أشكال الابتزاز والريع ..

لقد بات المواطن مؤمنا بفراغ قيمي كبير في ميثاق التعاقد الاجتماعي، الذي كان من المفروض أن تطبعه الرحمة والتسامح وقيم النبل والعطاء. ما يهيئه تلقائيا للإحساس بانعدام الثقة والركون إلى تبرير التوجس والرفض ..

وأيا كانت علامات القطيعة بارزة بين الطرفين، فإن ما يزيد احتدامها شيوع مظاهر النفور والتحيز للأعمال المنهوبة من زمن الناس وجيوبهم.

فالإدارة التي لا تنصف شعبها ولا تبدل الجهد النافع لأجله وتتحرف في انعزالية ونكوص عن مكابدة حقيقة الضياع التي تعرفه، غير قمينة بالاحترام، وليست من جسد المجتمع في شيء.  وهي منحرفة لا محالة عما خلقت له، والأنكى أن تجد من يكبلها بالكفاح المستميت والصياح المستغيث، لكن ظلما وعدوانا، كمن ينصر أخاه ظالما ومظلوما.

والنَّصْر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنَصْر الظَّالم: بمنعه من الظُّلم؛ من تسمية الشَّيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، فكيف بالظالم إذا كان معلوما بالضرورة، أفلا يقطع الموضع مع ما ينتظره من المجتمع، أن يصبح بالظلم مقيدا وبالعرف عادة، فلا يؤمل في ذلك منافحة عن رفع الظلم وإفراغه مهما طال الزمن وانغرس في موثق الناس وصار بليغهم ومقيسهم.

ولما كان الزمان عندنا كما نرى، ينجر الفاسد خلف الفاسد، والخائف المتزلف وراء الواعد الكذاب، والمدلس السياسي خلف الكرسي الموهوم، وصاحب الأمر والنهي بما استوثق من المال والجاه، خلفه المهرولون المتشدقون المنافقون ..

فكيف بالناس أن تجد من ينظر لها بعين الحكمة، يربطها بواقعها، ويرفع عنها الحجب التي تأسر الأمنيات وتمحي في أتون الظلام الآبق؟!

إن مجتمعا مثل ما وصفنا حري به أن يرفع المقت والغضب، ويعيد بوصلة الحقيقة أنى كانت مرارتها قابلة لليأس والعماء.

هل ندعو لمن لا يجد بدا من أن يشيح بوجهه عنا ويعسر من موقع نظرته للأشياء كما لو كانت خارج التاريخ؟! أم نزايد على خطيئته بمقدار الحقد الذي يحمله تجاهنا؟!

نعم، إن الشعب يريد خدمات تجسد هويته، وتحفظ مقامه، وتصون عرضه وتدفع عنه البلاء وتقبض عند الحاجة وتترك وقت اللزوم.

الشعب يريد ثمنا لحياته، وحصيلة مرضية لتضحياته، وموثقا واعيا بظروف عيشه الجديدة، وقراءة خبيرة بحاجياته واحتياجاته.

المشكل أننا نثور على بعضنا البعض ونحن غير منصفين في تمثل حاجتنا لقيم العطاء دون حساب. فما دمنا نعيش على هذه الشاكلة، يستحيل أن نقيم حياضا مفتوحة لأجل وحدة الهدف والمصير. مثلما هي الحكمة التي صاغتها بلاغة ألبير كامو: "إن هذا العالم المليء بالآثام لم يصل إلى تلك الدرجة إلا لأن كل انسان قد أعطى لنفسه الحق في أن يحكم"

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

حيدر جواد السهلانيجون لويس (1889_1976) ولد في بريطانيا و كان وزيرا وفيلسوفا ماركسيا ومؤلف العديد من الاعمال في الفلسفة والانثروبولوجيا والدين، وقد ادت اراؤه السياسية والاجتماعية في بداية حياته الى التصادم مع والده،  اذ كان يقوم والده بتعذيبه من جراء ارائه السياسية والاجتماعية. التحق بكلية (دولويتش) وكلية لندن الجامعية، وحصل على درجة البكالوريوس بعد تربيته الميثوديين، ثم في عام 1916 تم تعينه في كنيسة مشيخية في جرافيسند، وفي عام 1924 انتقل الى كنيسة برمنغهام وحصل على درجة الدكتوراه بالفلسفة وتخصص في فلسفة كارل ماركس. وقد كان للثورة البلشفية تأثيرا كبير عليه، فدرس اللغة الروسية واصبح اشتراكيا مسيحيا ومن ثم ماركسيا، وقد شارك في العمل السياسي، وكما شارك ايضا في مجلس اتحاد الحرف المحلي لدعم العاطلين عن العمل، ومن ثم استقال من وزارته، وتولى من سنة (1946_الى 1953) رئيس لتحرير مجلة الماركسية البريطانية الفصلية الحديثة، وكان مهتما بالكتابة الجدلية وقام بتأليف العديد من الكتب والمقالات في سياق جدلي حول موضوعات الفلسفة والقضايا الاجتماعية والماركسية، وكان له صلة وتبادل افكار جدلية مع الفيلسوف الفرنسي لويس التوسر(1918_1990) وقد رد التوسر عليه بمقال عنوانه (الرد على جون لويس)، وفي اثناء الحرب العالمية الثانية عمل لويس محاضرا في الجيش البريطاني، حيث كان يعمل مع فيلق تعليم الجيش، كما قام بالتدريس في العديد من المدارس المختلفة، بما في ذلك تدريس مادة الاحياء في كلية مورلي وهي كلية لتعليم الكبار في لندن. ومن اهم مؤلفاته: (العهد القديم في القرن العشرين، روسيا في عام 1932 كراسة للعالم المسيحي، المسيحية والثورة الاجتماعية، كتاب مدرسي للفلسفة الماركسية، الاشتراكية والكنائس، مقدمة في الفلسفة، الماركسية والمثالية، فلسفة الخيانة، مجتمع روسيا اليوم، اساس الفلسفة السوفياتية، الماركسية والعقلانية، الماركسية والعقل، اديان العالم، العلوم والايمان والشك، الاشتراكية والفردية، علم نفسك تاريخ الفلسفة، حياة وتعليم كارل ماركس، عاريه القرد او هومو العاقل، الماركسية لماركس، الانسان ذلك الكائن الفريد، ماوراء الفرصة والضرورة، ماكس فيبر وعلم الاجتماع(نقد ماركسي)، برتراند رسل الفيلسوف والانساني)

الانسان:

هناك عدة تفسيرات في نشوء الانسان، من اهمها التفسير الديني، تؤمن الديانات خاصة الديانات السماوية، بأن الله(جل جلاله) قد خلق الانسان على هيئته الحالية، وان الله(جل جلاله) خلق الانسان من الطين ثم قام بنفخ الروح فيه بأعتبار ان الانسان حسب المنظور الديني يتكون من جسد وروح، قوله تعالى في سورة الحجر(الاية 28 و 29)" واذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" وان الله(جل جلاله) قد خلق الانسان في احسن تقويم، قوله تعالى في سورة التين(الاية4) " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" وقد خلق الله(جل جلاله) ادم(عليه السلام) ثم قام بخلق حواء(عليها السلام) قوله تعالى في سورة النساء(الاية 1)" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا" اما التفسير العلمي، يرى ان الانسان هو الجنس الوحيد المتبقي من الانسان العاقل جنس الهومو، وهو فرع من قبيلة اشباه البشر التي تنتمي الى فصيلة القردة العليا، وهو العاقل الوحيد الذي يمتلك خلافا لبقية الحيوانات على الارض، دماغا عالي التطور قادر على التفكير المجرد واستخدام اللغة والنطق والتفكير الداخلي واعطاء حلول للمشاكل التي يواجها، ويمتلك جسما منتصبا ذا اطراف مفصلية علوية وسفلية يسهل تحريكها ويعمل بالتناسق التام مع الدماغ وهي خاصية تجعل من الانسان الكائن الحي الوحيد الذي يستطيع توظيف قدراته العقلية والجسمية واستخدام يديه بمهارة لصناعة ادوات دقيقة وغير الدقيقة التي يحتاجها في حياته اليومية، كما ان له تكوين حنجرة معقدة تعينه على الكلام.

الانسان عند جون لويس: يرى بعض المفكرين الانسان سوى حزمة من افعال ارادية، واسير الغريزة العدوانية المفترسة، هذا الرأي مازال يأخذ به عدد غير قليل من الناس، ويبشر به علماء في الاجتماع والوراثة والنفس والانثروبولوجيا والسياسة، اما جون لويس يرى في الانسان كائنا متفردا، بايولوجي وعقليا وسلوكيا، ولا يرى في الانسان وحياتهم محتدم صراع يختتم ببقاء الاقوى، كما تريد الدارونية الايهام بذلك، وينفي ان يكون التباين في الجينات او الموروثات سببا في قيام الحضارات او موتها، وبذلك ينفي ان يكون هذا التباين مسؤولا عن التخلف الذي يعانيه العرب اليوم، مثلما ينفي ان يكون تفوقهم العلمي على اوربا التي كانت ظلمة دامة الف عام. (ان التطور العلمي ليست قضية جينات متواجدة في شعب دون شعب اخر، وذلك ان اغلب الدول لديها علماء، لكن التدهور العلمي والانحطاط الحضاري هو نابع من الاخطاء التي يخطئها المجتمع، وهذه كثيرة ولربما عدم تطور الشعوب العربية، بسبب الاخطاء التي ارتكبها العرب ولعل من اهمها (تفسير النص الديني) اذ مع تفسير النص الديني قامت المذاهب وتشعبت الفرق الدينية وظهرت فتاوي القتل والتكفير وعم الخراب في اغلب بلدان العربية) ويعارض جون لويس الفكرة التي ترى في المنهج العلمي يصلح تطبيقه على الانسان، اذ المنهج العلمي اخفق في تفسير وجود الحياة والعقل ( بعد نجاح المنهج العلمي، ظهر بعض المفكرين ينادون بتطبيق نتائج ومنهاج العلم على الانسان، وبالمقابل ظهر عدة فلاسفة ينادون بأن القيم الانسانية غير قابلة للتطبيق، ويرون في الحرب العالمية الاولى والثانية هي من اسباب تطبيق المنهج العلمي على الانسان، فالإنسان ليس آلة ميكانيكية ومن ابرز هذا الفلسفات الوجودية) لذلك يرى  لويس ان بعض العلماء ذهب الى وجود عالم روحي يوازي العالم المادي، ولكنهم لا يفسرون شكل الترابط بين الدماغ والروح وحاولوا شرح العملية، لكن لويس يرى انهم فقط وصفوا العملية ولم يتم شرح عملية الترابط بين الروح والدماغ. ويرفض ايضا جون لويس رأي بعض من علماء الكيمياء الذي يرون بأن الكائنات الحية مكائن كيميائية، وكل الانظمة العضوية قابلة كليا للتفسير بلغة التفاعلات الكيميائية المحددة، ان هذا التفكير يبدو على شيء من القتامة، اذ كيف تفسر الكيمياء احساسنا بالحق والواجب، وعن قيم الحضارة، فمثل هذا الامور لا يمكن العثور عليها بين حقائق الوجود الجزئية، والتفاعلات ونتائجها، فالقيم تكمن خارج مجال التفاعل الفيزيائي. ويرفض لويس الفكرة القائلة بأن الانسان جاء من محض الصدفة والعوامل الفريدة هي التي شكلت الانسان ويرفض نظرية داروين(1809_1882) في التطور والبقاء الاصلح وتشكل الانسان من حيوانات مائية الى ان وصل الى الانسان العاقل، ويرى بالرد على داروين ان حيوان (السرطان) بقي الالف السنين على قيد الحياة، ويملك ميزات ضمنت بقاءه خلال مئات السنين، وبذلك يكون هذا الحيوان الاقدم في العالم وغير المتغير مع مرور العديد من الاجيال والمسألة هي اذن كيف يجب ان ننظر الى التغير وليس كيف تبقى الكائنات الحية. ويبدو ان العديد من الكائنات الحية تغير بيئتها بدلا من ان تتغير بها، اما الانسان يميل ويتجه الى الارتقاء، والارتقاء هو ليس مجرد تكيف مع ضغط البيئة المباشرة، بل هو طرائق مذهلة تتجاوز ذلك، والانسان كائن فريد قادر على تعلم اي نوع من الافعال، وبناء اي نوع من الاشياء، وفوق كل ذلك يستطيع تغير بيئته، فالانسان يتميز عن الحيوان بالذكاء والمرونة وتميز الشخصية والتأهل الاجتماعي، وهو الحيوان الوحيد الذي لا يتكيف مع بيئته بل يغيرها عمدا ويسيطر عليها وان الارتقاء الجديد الخاص بالإنسان يسير بالتعلم وبنقل المعارف المكتسبة والتجارب والاكتشافات من جيل الى جيل، والإنسان هو النوع الوحيد الذي يتغير بأستمرار منذ اللحظة التي وجد فيها، وليس ذلك طبعا في الشكل الجسدي بل في طبيعته وفي عاداته وفي مواقفه وفي تنظيمه الاجتماعي وفي عقليته والانسان وحده يملك تأريخا مستمر من التقدم المتواصل والنمو، ويستطيع ان يكيف نفسه مع كل المناخات وكل الظروف منتشرا في كل القارات وهو في كل مكان ينوع نشاطه وطعامه وملابسه واسلوب حياته وفقا للظروف المحلية ويرى في الانسان انتهى التطور البايولوجي الحر المستقل وان مملكة الطبيعة تخلي السبيل امام مملكة الحضارة، واللغة والمجتمع والتقاليد والمعرفة، تعبر عن فرادة الانسان، وهذا ما يميز الانسان عن بقية عالم الحيوان. اما الصراع فيرى انه ليس بين الكائنات الحية او ضد الكائن الحي بل بين التقنيات والاساليب، ان الآلة هي التغير وتستطيع ان تغير في سرعة مذهلة بالمقارنة مع التغير الوراثي فقد اقتضى تطور الطير الاول الى نوع الطير عالي الكفائه ثلاثون مليون سنه اما تطور طائرة (اورفيل رايت) الى جهاز جوي مكيف استغرق ثلاثين سنه. ويمثل ارتقاء الانسان بخلق الحياة المدنية والادوات وهذا يفوق بكثير الارتقاء البايولوجي، والارتقاء يجب ان ينظر اليه على انه عملية تتحرك ذاتيا وتتحول ذاتيا وتولد مستويات من التنظيم اعلى فأعلى، حتى يصبح الانسان نفسه القيم على العمليات الارتقائية. ويلخص الانسان جون لويس الى انه يملك صفات جوهرية عدا تلك التي تمتلكها كل الحيوانات الاخرى،و بقدرته على حل المشكلات ومرونته غير المحدودة، واستقلاله عن الانماط السلوكية الموروثة وتميز شخصيته وبخاصة وعيه الذاتي وتأهيله الاجتماعي، وقد نشأ الانسان نتيجة التغير الاحيائي التصادفي ولكنه بعد ان نشأ، يملك صفات فريدة بين جميع الاشياء الحية، اضافة الى ما يشاركها فيه، وان الدماغ عند الانسان ليس عضو التوافق او التكيف، كما هو عند الحيوانات، بل عضو اعادة بناء، وان الجسد والعقل ليس كيانين منفصلين وكلاهما وجدا بنفس الطريقة، وان العقل الانساني ليس كمادة يقوم بتحفيز المادة بل هو كيان يفكر، ان العقل والجسد غير قابلان للانفصال رغم انهما قابلان للتميز والانسان حيوان مفكر، وهذا يعني انه حيوان صانع الآلة، وان العقل الانساني  في عملية ارتقاء وارتقى الى الذكاء، ويرى جون لويس ان اسلاف الانسان ينحدر من الكائن الشبيه بالانسان، ويرفض فكرة ان الانسان انحدر من سلف شبيه بالقرد، ويعارض جون لويس فكرة الشر الموجودة في الانسان وان الانسان عدواني بطبيعته، فالعدوان ينشأ لدى الانسان والحيوان معا في ظل ظروف من الخيبة والحرمان، والعدوان لدى الانسان الحديث هو من الوضع الاجتماعي المغرق بالتنافس والتجزئة، ولابد من البحث عن العدوان لدى الانسان من خلال التأهيل الاجتماعي والتربوي التي تخلق احساسات عدائيه تجاه الجماعة الخارجية، والعدوان والشر ليس غريزة بل هو نتيجة للخيبة وغيرها من الظروف البيئية.

ينظر جون لويس: الانسان ذلك الكائن الفريد، ترجمة صالح جواد الكاظم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

حيدر جواد السهلاني

 

مادونا عسكريقول الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل إنّ العلم لا يهدف إلى إنشاء حقائق ثابتة وعقائد أبديّة، بل يهدف إلى الاقتراب من الحقيقة بالتّقريب المتتالي دون الادّعاء أنّ الدّقة النّهائيّة والكاملة قد تحقّقت في أي مرحلة. ما يعني أنّ العلم يتّخذ مسار البحث المستمرّ عن الحقيقة ضمن ميكانيزم تفكيريّ يحدّده المنطق والاكتشاف والتّجربة والنّتائج. ولا ريب في أنّ العلم لا يهدف إلى بناء عالم أبديّ أو توجيه الإنسان إلى العالم العلويّ. بل على العكس يروم إلى البحث في حركة التّاريخ وحركة الوجود والتّنقيب في هيكليّة الحياة الإنسانيّة على الأرض، ومعرفة مدى قيمتها من الكون بأسره، بغضّ النّظر عن تحديد ماهيّة العالم العلويّ أو العالم الإلهيّ. على عكس الإيمان الّذي يعتمد على تجذير العقيدة، وتحديد الحقائق الثّابتة الأبديّة والتشبّث بها كحقيقة لا ريب فيها.

من هنا يبدو تعارض قاسٍ بين المبدأ العلميّ والمبدأ الإيمانيّ إلّا إذا حصل فصل فكريّ متجرّد بين الاثنين، أي فصل بين لغة العلم ولغة الإيمان لتعارض جوهر المبدأين. فالمبدأ العلميّ جوهره عقليّ، وأمّا الإيمانيّ فقلبيّ. والمعرفة العلميّة تختلف عن المعرفة الإيمانيّة، فالأولى معرفة عقليّة تتحدّد بمقدّمات ونتائج، وأمّا الثّانية فمعرفة قلبيّة عميقة تتحدّد بحسب كلّ شخص وبحسب علاقته مع العلو. وبالتّالي فليس من ضرورة للحديث عن تعارض أو لا. ولا ينبغي الحديث أصلاً عن تعارض؛ لأنّ اللّغتين مختلفتين، وكلّ لغة تعبّر عن ذاتها في ما يخصّ الوجود والكون والخلق والنّهايات. ولمّا كانت اللّغتان مختلفتان وتمتلكان خصوصيّة في النّمط التّفكيريّ فلا مجال للحديث عن تعارض أو توافق. بل الأوْلى ترك كلّ لغة تتّجه في مسارها الخاصّ. وإذا تعارضت لغة العلم مع لغة الإيمان أو بمعنى أصحّ تنازعت اللّغتان وتجاذبتاـ يتعطّل مسار الإنسان التّطوّريّ والتّقدّميّ المواكب لحركة التّاريخ. فيتراجع الإنسان علميّاً وإيمانيّاً وإنسانيّاً، ويغرق في الجهل والسّخافة والتّدمير الممنهج حتّى لا يبقى من إنسانيّته إلّا غرائز تندفع فوضويّاً لتمنع العقل من الفكر الممنهج  وتعطّل الإيمان، فيتحوّل تعلّقاً بالقشور لا بالجوهر. وبقدر ما يتخطّى الإنسان دمج اللّغتين العلميّة والإيمانيّة، ويتجرّد من إسقاط الإيمان على العلم أو العكس، يحتفظ بإيمانه كأمر مشخّص ويسير قدماً في العلم كمسار لا بدّ منه للنّموّ والتّطوّر. تلك القدرة مرتبطة بالقدرة على التّحرّر الذّهنيّ والفكريّ من مبدأ امتلاك الحقيقة الإيمانيّة وربطها بالعلم لإثبات حقيقتها. وبقدر ما يدرك الإنسان أنّ لغة العلم غير لغة الإيمان يكون قد تحرّر من الصّراع القائم بين العلم والإيمان.

يقول القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى كورنثس (8:1): " الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي"، وهنا يفصل بولس بين لغة العلم ولغة الإيمان، دون أن يستبعد العلم، لأنّه لم يقل إنّ العلم يدمّر والمحبّة تبني بل قال إنّ العلم ينفخ، أي إنّه إذا حوّل الإنسان إلى محتكر للحقيقة. لأنّه يتابع ويقول في الآية (2): " فإن كان أحد يظنّ أنّه يعرف شيئاً، فإنّه لم يعرف شيئاً بعدُ كما يجب أن يعرف". ما يعيدنا إلى قول سقراط: "كلّ ما أعرفه أنّني لا أعرف شيئاً"، وكذلك ما ذكره راسل عن أنّ العلم لا يهدف إلى إنشاء حقائق ثابتة وعقائد أبدية، بل يهدف إلى الاقتراب من الحقيقة بالتّقريب المتتالي دون الادّعاء أنّ الدّقة النّهائيّة والكاملة قد تحقّقت في أي مرحلة.

لكنّ بولس يعود ويقول إنّ المحبّة تبني، فالمحبّة لغة الإيمان تحاكي العمق الإنسانيّ وتبني فيه ما هو أبعد من الوجود الإنسانيّ الأرضيّ، وتطلق العنان لحرّيّته الدّاخليّة. وإذ يستنير بها العقل يتحرّر ويحاكي لغة العلم على اعتبارها لغة ضروريّة للتّقدّم والتطوّر. ويبقى العلم علماً والإيمان إيماناً. ولئن كان الإيمان مشخّصاً فلكلّ أن يؤمن بما يشاء ويترك العلم يمضي في مساره دون تعقيدات لا معنى لها. وقد يقود العلم إلى الإيمان بشكل أو بآخر، وقد يقود إلى الإلحاد، ومع ذلك من غير الممكن أن تتّحد اللّغتان؛ لأنّ ما للعلم هو للعلم، وما للإيمان هو للإيمان. للعلم منطقه ومقدّماته وأبحاثه ونتائجه، وللإيمان المحبّة الّتي تبني وترتقي به إلى العلوّ الإلهيّ. وأمّا العقائد والتّصوّرات الإيمانيّة والكتب المقدّسة فلا تتّخذ مساراً علميّاً إلّا في ما يخصّ العالم الإلهيّ. فالكتب المقدّسة ليست كتباً علميّة أو تاريخيّة وإنّما كتب روحيّة، تعزّز قيمة المحبّة الّتي تبني وتوطّد العلاقة بين العلوّ والعمق، بين الله والإنسان. وبقدر ما تبني المحبّة الإنسان يتقدّم نحو الإله، بغضّ النّظر عن مفهوم الإله عند كلّ شخص أو جماعة. وبقدر ما يتقدّم يزداد حبّاً وذوباناً في الذّات الإلهيّة ولا يعود يبحث عن الله في العلم أو بمعنى أصح، لا يعود ويبحث عن ماهيّة الله وعن كيف ولماذا ومتى، لأنّه بلغ الـ "هو".

ويتجلّى المعنى ذاته في سورة طه الآية 114: "فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا"، وأمّا في القول (ربّ زدني علماً) معنى أعمق للفظ (علم). إنّ هذا اللّفظ يترادف ومعنى المحبّة الّتي بها نعرف الله. فالآية تبتدئ بـ (تعالى الله الملك الحقّ)، ما يعني أنّ الاستدلال على المعنى يبدأ من علوّ أو يدور في العلم الإلهيّ، ولا ينطلق من الإنسان وإنّما من الله. وبالتّالي فكلّ المعاني المستقاة من الآية تدور في فلك العالم الإلهيّ. ثمّ يضيف (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) ليجعل من الكلمة الإلهيّة لغة المحبّة الّتي يمتلئ منها القلب ليعود ويحاكي لغة الله. لذلك يقول (ربّ زدني علماً) أي (ربّ زدني حبّاً)؛ لأنّ العلم بالله غير متاح إلّا بتمتمات إنسانيّة، وأمّا المعرفة القلبيّة المعتمدة على المحبّة الإلهيّة تتلمّس الله في الذّات الإنسانيّة. ولو كانت دلالة اللّفظ (علماً) مرتبطة بالعلم الإلهيّ فثمّة تناقض والتباس إذاً، لأنّ الإنسان لا يعلم الله فكيف يقول (زدني)؟ لكنّ المعنى العميق يكمن في الحبّ الإلهيّ الّذي يفيض في القلب فيحاكي القلب بلغة الحبّ الإلهيّة والحضور الإلهيّ، فيكون المعنى الحقيقيّ والعميق "ربّ زدنيّ حبّاً" ليستدلّ الإنسان ويتلمّس الـ"هو".

ليس من فصل بين العلم والإيمان، كما أنّه ليس من توافق، ولعلّ البحث في إثبات العلم إيمانيّاُ وإثبات الإيمان علميّاً مضيعة للوقت واعتراض لمسيرة التّقدّم الإنسانيّ. فليتّخذ كلّ مساره حتّى تلقى الإنسانيّة إنسانيّتها وتتحقّق بقدر ما يتيح لها العلم وبقدر ما يحلّق بها الإيمان كعلاقة حبّ بين الله والإنسان. والبحث عن إنسانيّة الإنسان وتحقيقها يحتاج إلى العلم والمحبّة، فالعلم من دون محبّة يحوّل الإنسان إلى وحش، وإذا استبعدت المحبّة العلم وحاربته لا تكون محبّة، وإنّما خداع وخبث ومراءاة.

قوّة العلم لا حدود لها، لأنّ العقل البشري قوة من قوى النّفس لا يستهان بها، كما يقول ابن سينا. والإيمان قوّة لا حدود لها، لأنّها قوّة الحبّ الّتي منها تُستمدّ كلّ قوّة تسعى وتخدم إنسانيّة الإنسان.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

مجدي ابراهيملم يكن للّغة قانونها في منطق الوجدان. وأمام الحالات الروحيّة العالية لا شأن لها من قريب ولا من بعيد؛ إنّ فعل التجربة مع الواحد، الحق، المطلق؛ ليقضي بالخروج عن الحرف والمحروف. لم يعد للغة سحرها اللفظي ولم تعد للعبارة فتنة ولا رونق. الحالة الروحية العالية تفرض قانونها الذي يقضي على اللغة بالخروج عنها؛ وذلك لأنها حالة يخرج فيها العارف عن نفسه؛ ومادام قد خرج عن نفسه فعن لغته وحرفه ولفظه أدعى للخروج.

وإذا كان العارف يسكر بذوق التقريب؛ فلغته مثله سكرانة منتشية من جرّاء الصفاء في حضرة القرب حيث لا لغة بل غيبة وتوَلّه. إنَّه "محمد بن عبد الجبار النِّفَّرَي" (ت354هـ) أحد رجال الله من القرن الرابع هو الذي قال في "مواقفه ومخاطباته"، تعبيراً عن تلك "الحالة" في "وقفة" قال الله له فيها : "جعَلتُ من الحروف أسماء ولغات وعبارات؛ ليتكلم بها عالم الأكوان، ولكني أنا المكوِّن، وأنا فوق كل ما خلقت، ولا حكم للحروف عليَّ ولا مَطْلَع لها على ذاتي.

كَلَّمت الحرف بلسان الحرف فلا اللسان شهدني ولا الحرف عرفني. من أحْبَبته من خلاّني وأحبَّائي كلَّمته بلا عبارة فخاطبه الحجر والمدَر، وقال للشيء كن فيكون. ولو أني كلَّمته بعبارة لردَّتُهُ العبارة إلى نفسه بما عبَّرت وعمَّا عبَّرت ولأحتجب بارتداده ولما جاءته الحكومة ومقاليد الفعل والسلطان :

إنّ المحـبَّ بلا قلـــــــب تُقلـبـــه

أيـدي الهموم؛ وللتقلــــيب آثــارُ

لا يعـرفُ الوقـت إلا في مَعَابــرِهِ

وَلا لهُ عن سوى المحبوب إخبارُ

يُلْزِمُ النِّفَّري العَارِفَ الخروج من الحرف، ومن كل ما يحتويه الحرف من علوم، ومعارف، وخواطر، وعبارات، ومعان؛ ليخرج عن الحرف والمَحْرُوُف. والحرف في علم أحكام حدود الألفاظ الصوفية هو : اللغة؛ وهو في اصطلاح ابن عربي خاصَّة ما يخاطبك به الحق بالنسبة للفهوانية من العبارة الوافية بمقصود المتكلم. والفهوانية خطاب الحق بطريق المكافحة في عالم المثال؛ وهى (أي الفَهَوَانيّة) بطون الحق في الخلق والخلق في الحق.

وقد تطلق الحروف بإزاء الحقائق الثابتة المتميزة في علم الحق؛ ويُقال لها : الحروف الغيبية. وقد تطلق بإزاء الماهيات المُجرَّدة عن لوازمها مُنَصبغة بالوجود؛ فيقال له : الحروف الوجودية كما جاء في رشح الزلال للقاشاني.

فبخروج العارف من الحرف والمَحْرُوُف، يخلو قلبه من الخواطر والعبارات والمعاني والحقائق الحسّية الأرضية، يخلو خُلُّواً تاماً ويتطهَّر ليتجلى الله عليه؛ إذْ يشهد إذْ ذَاَكَ الوجه الخاص بالحق تعالى في كل شيء.

وبشهود الوجه الخاص بالحق تعالى يكون التعريف الإلهي فيما لا يَنْقَالُ باللغة ولا بضروب البيان المعتادة، من غير كلام؛ فمن تكلَّم بالحروف فهو كما قالوا معلول، وهو معنى اتساع الرؤية عند النِّفَّري؛ لأنه بالخروج عن الحرف والمَحْرُوُف تتسع الرؤية وينقبض الحرف، فتخرج اللغة عن إطارها المحدود إلى فضاء أرحب مفتوح يستعصى التعبير عنه بالعبارة.

ومن هنا، شاعت قولته المشهورة وانتشرت :"إذا اتّسَعَتْ الرؤية ضاقت العبارة": العبارة تضيق مع اتساع الرؤية وتتسع مع ضيقها. والكلام الإلهي للعارف في حال الشهود لا يكون بعبارة، ولو كان الكلام أثناء الرؤية الشُّهُودِيَّة بمجرّد العبارة المألوفة لارتدَّت العبارة من العارف، بما عبَّرت وعمَّا عبَّرت، إلى نفسه؛ ومن ثمَّ لزم أن تضيق العبارة بل وتتلاشى مع اتساع الرؤية الشُّهُودِيَّة، في حين إذا ضاقت الرؤية أو انطمست، كثر اللغط المنفر وأزداد. وضيق الرؤية من ضيق الأفق، والأفق الضيّق غير المفتوح هو الذي يتقيد بحدود الأشياء الواقعة بالفعل!

لن يفلح المتصوف ما لم يخلف الحرف وراء ظهره. إنما الحرف عند النِّفَّريِّ فج إبليس! الحرف لا يمكنه أن يخبر عن الله، ولا عن الله يمكن أن يخبر الحرف؛ لأن الله لا يسعه حرف، كما أن الولي كذلك لا يسعه حرف. وإذا ثبت الحرف للصوفي فما هو من الله ولا الله منه.

وليس للحرف أن يلج الحضرة في اتساع الرؤية الشهودية؛ وذلك لأن أهل الحضرة يَعْبرون الحرف ولا يقفون فيه، حضرتهم في هذا المقام حضرة خرس، أي يتجاوزونه إلى ما فوقه، إلى ما بعده، إلى حيث تلاشيه؛ إلى "العَمَى اللغوي" فيما لو جاز هذا التعبير وارتضيناه.

فالخارجون عن الحَرْف هم أهل الحضرة بسبب أنهم كانوا خرجوا عن أنفسهم، ولمَّا كانوا قد خرجوا عن أنفسهم؛ فقد تَمَّ لهم الخروج عن الحرف والمَحْرُوُف، والدخول في حضرة الخرس والتحقق بمرتبة الحَيَوانيَّة كما يسميها ابن عربي. وعندما يخرج الصُوفي عن الحرف (أي اللغة)، والمَحْرُوُف (أي ما يُعَبِّر عنه الحرف) يُلقي العبارة وراء ظهره، ويلقي المعنى وراء العبارة، ويلقي الوجد وراء المعنى، ويدخل إلى رحاب الحضرة الإلهية فقيراً ممَّا سواه، هنالك يتلقى الصوفي معنى آخر، ولغة أخرى، وعبارة أخرى، وربما يتلقى الحروف الغيبية علماً لَدُنِّيَّاً مُفَاضَاً عليه فيضاً. هذا هو الجديد فيما تكشفه التجربة الصوفية لدى أربابها القادرين عليها، الصادقين فيها.

غير أن الخروج عن الحرف والمَحْرُوُف في تلك الحالة العجيبة لا يقتضي فتح الألفاظ لالتماس معانيها الخفيَّة المضمرة بل يقتضي كما قلنا تلاشيها، تلاشي اللفظ والمعنى والعبارة، والوقوف على الحقيقة وحدها مجردَّة عن كل إشارة، مهما بَلَغْت باللفظ مبلغه توسعاً وطلاقة وتجريداً؛ فهنالك يكون اللفظ غير اللفظ، والعبارة غير العبارة، والإشارة غير الإشارة، والمعنى خارج عن كل هذا؛ فحق لهم من أجل ذلك أن يضنوا به على غير أهله؛ وأن يَسْتَبْهِمُوه.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

محمد ابو النواعيركثيرا ما أثارت نظرية كارل مراكس المتعلقة بالديالكتيك (أو الصراع الطبقي بين البلوريتاريا وبين أقطاب الرأسمالية البروجازية- والتي تنتهي بحسب كارل ماركس إلى انتصار الطبقة المسحوقة من البلوريتاريا - العمال المسحوقين- على النخب الإقتصادية، من أصحاب رؤوس الأموال) انتباهي تارة، وشغفي تارة أخرى، وحنقي عليها في أحيانا عديدة، وكنت أحاول ان أشم أي رائحة لتمثل هذا الصراع، في كل نواحي الحياة الإقتصادية. صراحة لم أجده.

ولكنني وجدت أن نظرية كارل ماركس في الديالكتيك (جدل الصراع الطبقي)، قد بدأت تظهر بوادرها بوضوح كبير جدا، ولكن ليس في مجال الإقتصاد كما توهم كارل ماركس، وإنما في مجال الإجتماع والثقافة.

فما نشهده اليوم هو ثورة الطبقة الجاهلة (البلوريتاريا الثقافية)، والفقيرة في ما تملكه من أدوات معرفة، والتي تتميز بالسطحية والجهل والبساطة الفكرية والأخلاقية، ضد كل صروح ومنظومات المعرفة والعلم والتطور، بل ضد كل طبقة (الانتليجنسيا- النخب والطبقات العلمية والفكرية)، هي خير تمثيل واضح وصارخ لثورة هذا النوع من البلوريتاريا، والذي تنبأ ماركس بشبيهه، ولكن في صراع طبقي اقتصادي، حيث بدأت ملامح ثورة خفية تنتشر رويدا رويدا، بالسيطرة على كل مفاصل الحياة الاقتصادية والصناعية والسياسية، عمادها عوام الطبقة المسحوقة ثقافيا وعلميا، من التي تتميز بالسطحية وضعف الفهم وشكلية المعرفة.

مجال الديالكتيك الماركسي اليوم (بحسب وجهة نظري) هو ليس الإقتصاد، بل بات المجال الثقافي (الألكتروني عبر أدوات التواصل الإجتماعي) هو مجاله الأكبر والأعظم .

بل وباتت دول وأحزاب وتيارات سياسية وأكاديمية، تتعمد تصدير شخصيات هزيلة في محتواها العلمي والمعرفي، في واجهات علمية وسياسية، من أجل إرضاء قطب الصراع الأقوى المعادي لكل انواع النخبوية المعرفية والرصانة العلمية، وأقصد بهذا القطب الأقوى هو : عوام الجمهور.!!

كنت ولا زلت معجب بماركس كثيرا، لأنه أغنى المخيلة العالمية بالكثير من الأفكار .

 

د. محمد أبو النواعير