حسين سرمك حسنأقول بثقة وبلا تردّد ان الساحة الثقافية العراقية قد شهدت عامي 2018 و 2019 وبحدود متابعتي المتواضعة ظهور عقلية عراقية علمية نقدية جدلية تاريخية (وأؤكد على السمات الخمس السابقة لهذه العقلية) اسمها الدكتور "عبد الرضا حمد جاسم" الذي لم أتعرف عليه شخصيا حتى اليوم، وبرغم ما قد يجده البعض من اختلافات مع طروحاته وهو أمر متوقع في العمل العلمي والثقافي وخصوصا في مجال العلوم الاجتماعية والنفسية التي – وحتى يومنا هذا – لم يتفق علماؤها على الكثير من أسسها المنهجية والبحثية ومسلماتها الفكرية.

وحين أستخدم صفة "انبثاق" فلأنني – وقدر تعلق الأمر باهتمامي العلمي - قرأتُ الحلقة الأولى من سلسلة "الراحل الدكتور علي الوردي في الميزان " للدكتور عبد الرضا حمد جاسم في مركز النور – 22 شباط 2018 بصورة مباغتة وبلا مقدمات للدكتور عبد الرضا في هذا المجال البحثي وكأنه – بالنسبة إلي – قد انبثق من الفراغ. ثم سار الأمر صعوداً عبر سلسلة "ما هكذا نقدّم انتحار شباب العراق" ووصولا إلى الحلقة الأولى من سلسلة "المخدرات في العراق – مناقشة مع أ.د. قاسم حسين صالح (1) – صحيفة المثقف – 17 آب 2019) بل وفي السلاسل السياسية البارعة عن الاحتلال الأمريكي للخليح ورسائل إلى الزميل جون كيري والصديق أوباما وغيرها، وجدتُ إن هذا الجهد الهائل والمضني الذي يبذله الدكتور عبد الرضا حمد جاسم في مناقشة الأسس المنهجية للتفكير العلمي في العراق هو واحد من المفاتيح الأساسية لإشادة الأسس العراقية العلمية النقدية الجدلية التاريخية للبحث العلمي الفردي والمؤسسي. ومن المؤسف أن مثل هذا الجهد التغييري الجذري الذي سوف يشمل أسس العقلية والقيم السلوكية العلمية أيضا يمضي بلا ردود أفعال فكرية نقاشية تتناسب مع أهميته، وقد حصل هذا ويحصل للأسف مع جهود باحثين ومفكرين عراقيين آخرين منهم على سبيل المثال لا الحصر ومع الاحتفاظ بالألقاب : عبد الجبار الرفاعي و ميثم الجنابي وصالح الطائي وعلي الربيعي وعلاء اللامي وماجد الغرباوي وصائب خليل (والأخير اتحفنا اليوم بمقالة قصيرة لكنها "مفتاحية" فكريا ومركزة ومكثفة أدعو السادة القراء لقراءتها وعنوانها : "هل فشل العلماء المسلمون حقاً باكتشاف حجر الفلاسفة؟" – صحيفة المثقف - 17 آب 2019) .. وغيرهم الكثير وعذرا من الأساتذة الأفاضل الآخرين بسبب ضيق المجال.

قد يقول قائل إننا نعيش في مجتمع (لقد أسمعتَ لو ناديت حيا) لكن هذا حال كل فكر جديد وفي تواريخ كل المجتمعات حيث مواجهة الفكر الجديد بالتغاضي وقلة الاهتمام خصوصا حبن يستفز هذا الفكر الجديد ويهدّد البنى القائمة التي – وللأسف – استراح لها الباحث والجمهور في وسطنا الثقافي العراقي على حدّ سواء كما ذكر الدكتور عبد الرضا بدقة في مقالته الأخيرة.

ومن الأمثلة المهمة من تاريخنا الثقافي في العراق على المواجهة السلبية للأفكار الجديدة هي حالة المفكر الراحل الدكتور علي الوردي. فحين بدأ الدكتور الوردي نشر طروحاته الفكرية الصادمة اشتعلت حساسية الجمهور تأييدا ورفضا، إيجابا وسلبا، وبصورة هزّت أركان الحياة الثقافية العراقية آنذاك. فلماذا تخمد الروح النقدية العلمية لدى المواطن العراقي بشكل عام والمثقف العراقي بشكل خاص في أيامنا هذه وخصوصا تجاه هذه الطروحات التنويرية المهمة؟

تصاعدت الحملة ضد الدكتور الوردي لتصل ذروتها في "تكفيره" ومحاولة الاعتداء عليه. صار بعض خطباء الجوامع في بغداد يعلنون يوم الجمعة إن المفسدات ثلاث : الميسر والخمر وأفكار علي الوردي. وقد وصلت هذه الحملة الذروة في "جلسة التكفير" حسب التسمية الموفقة للشيخ "جواد الخالصي" شيخ المدرسة الخالصية أطال الله في عمره ووفقه لخدمة هذه الأمة بعقليته المتفتحة التي لمستها مباشرة أنا والباحث اللامع الأستاذ سلام الشماع حين زرناه في شقته في دمشق عام 2011 للحصول على معلومات مهمة عن الكفاح الفكري للعلامة الوردي بصفته – أي الخالصي - شاهدا حياً، وقت كنّا – الأستاذ سلام وأنا - نعد لإصدار كتابنا المشترك المهم "الازدواجية المُسقطة: محاولة في تحليل شخصية الدكتورعلي الوردي" (صدر في دمشق عن دار الينابيع عام 2012 وسوف يصدر قريبا في بغداد عن دار الورشة) والذي كان محاولة جريئة رأى فيها البعض – كالعادة وكما هو متوقع – انتقاصا من شخصية العلّامة الراحل الوردي. حدّثنا الشيخ جواد الخالصي عن جلسة التكفير هذه التي أمر بها جدّه المرجع العلامة الشيخ محمد مهدي الخالصي شيخ المدرسة الخالصية في الكاظمية وجدّ الشيخ جواد، وجرت في ساحة المدرسة الخالصية وحضرها جمهور غفير بينهم عضو في مجلس النواب حاول تأجيج الهجمة وركوب الموجة لأسباب انتخابية كما يقول الشيخ جواد الخالصي. كتب لنا الشيخ جواد بخط يده ورقة عن هذه الجلسة عنوانها "جلسة التكفير" نشرتُ نصّها في كتابي (علي الوردي عدو السلاطين ووعّاظهم) الصادر عن دار ضفاف في بغداد عام 2013. قال الشيخ الخالصي في الورقة إن الجلسة بدأت بعد صلاة العشاء واستمرت حتى صلاة الفجر وكان فيها الوردي جالسا منفرداً على كرسي أمام الجمهور الكبير الثائر يرد على أسئلتهم بل اتهاماتهم الحامية بكل هدوء وشجاعة ولم يتراجع عن أيّ من أفكاره على الإطلاق وانتهت الجلسة دون اتفاق ـ فرأى الشيخ محمد الخالصي أن الوردي سوف يتم الاعتداء عليه إذا خرج وذهب إلى بيته بمفرده، ولهذا "طلب منّا" والكلام للشيخ جواد "أن نوصل الوردي إلى بيته لضمان سلامته" من الدهماء المتحمسين. فتم توصيل الوردي إلى منزله حيث انتقل بعدها هو وعائلته إلى منطقة النواب لتلافي ردود الفعل السلبية في الحي الذي كان يسكنه.

ومن وجهة نظري الشخصية أعتقد أن واحدا من أهم الأسباب التي تجعل الكثيرين يتغاضون عن تناول طروحات الدكتور عبد الرضا النقدية المهمة هو فقدان أو ضعف "العقل النقدي" لدى المواطن العراقي قارئاً وكاتبا بشكل عام. وأعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك هو عدم تربية هذا العقل من خلال الفلسفة. في الدول العربية التي زرتها والتي تدرّس الفلسفة في مدارسها لاحظت المستوى العالي للعقل النقدي والروح النقاشية والثراء اللغوي لدى المواطن هناك. انظر إلى المواطن التونسي والمصري أو السوري العادي حين يتحدث من شاشة التلفاز في البرامج الترفيهية العامة وقارنه بحديث المواطن العراقي العام ستجد حديث الأخير عمومياً وغير مخصص ومليء بالعبارات الاطلاقية والنسب المئوية الجزافية ويشكو من فقر الخزين اللغوي الواضح ممثلا بتكرار مفردات لازمة مثل "يعني .." وغيرها عشرات المرات. إنها دعوة للنظر بجدية إلى موضوعة تدريس الفلسفة في مدارسنا. وقبل أيام قرأتُ عدة مقالات بالانكليزية عن ضرورة تدريس الفلسفة للأطفال وراجعت عناوين عشرات المقالات عن هذا الموضوع وكيف أن بعض البلدان الغربية تدرّس الفلسفة لتلاميذ قسم من المدارس الابتدائية.

إن عدم وجود ردّ فعل نقاشي واسع لطروحات الدكتور عبد الرضا حمد جاسم متوقع أيضا في حالنا الراهن حيث تدهور البنى والمظاهر العقلية المؤسساتية والجماهيرية وغرق المواطن في تفاصيل الحياة اليومية الخانقة وتدويخه المتعمد في ما هو قشري من الأفكار والنزعات والصَرَعات وانحسار الدور الطليعي للمثقف العراقي بل أكاد أقول هزيمته .. والحديث يطول، ولكن الاستمرار والمثابرة العزوم من جانب الدكتور عبد الرضا في الطرق على هذه الطروحات والإصرار على إغنائها بالأفكار المتجددة واحتضان المثقفين الخُلّص المؤمنين بدورهم القيادي التنويري الثوري في مجتمعاتهم لهذه الطروحات والأفكار التغييرية البنّاءة ومناقشتها بروح علمية هادئة هو واحد من أهم العوامل في نشرها وتحقيق التأثير المرجوّ منها.

وما أتمناه مخلصاً هو أن تستمر هذه الطروحات وتتسع لتناول ظواهر فكرية أخرى في حياتنا بالإضافة إلى أفكار الراحل الدكتور علي الوردي وموضوعة الانتحار ومعضلة المخدرات كمظاهر لما يراه د. عبد الرضا ابتعاداً عن أسس التفكير العلمي (وفي رأيي أصلا عن "المنطق" الفلسفي).

ومن المؤكد أن رعاية منظمات ثقافية لهذه الطروحات وعقد الندوات حولها ونشرها بطرق مختلفة لإشاعة تناولها من قبل الجمهور هو عامل مهم آخر.

وأخيراً، أرجو أن تتسع دائرة النقاش المهمة هذه بعيدا عن دائرة التجريم والاحالات القانونية لأننا عن هذا الطريق نجهض هذا المشروع نفسه في خطوته الأولى من خلال التكميم السلطوي الذي يئد الفكر ويرهب الأرواح وحيث لا ينتعش الفكر إلا في ظل الحرّية .. والحرّية في أبسط وأدق تعريفاتها هي "الحياة بدون قلق".

ثم أختم بالعبارة الخالدة للإمام علي عليه السلام والتي ذكرها د. عبد الرضا أيضا في مقالته الأخيرة:

"لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه"

والله من وراء القصد. 

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

17 آب 2019

 

كاظم المقدادينستعرض في القسم الثالث والأخير، على نحو واف، أولويات العمل، التي رسمها وزير الصحة والبيئة الدكتور العلوان، والتقدم الذي أحرزته إدارته خلال فترة وجيزة، وخارطة الطريق نحو التغطية الصحية الشاملة، والتوجهات الأستراتيجية لإصلاح النظام الصحي في العراق، التي وردت في تقرير الوزير ..

أولويات عمل بمنظور جديد

وفقاً للتقرير، أسهمت مراجعة الوضع الصحي في العراق والتقييمات التي أجرتها وزارة العلوان، في رسم صورة واضحة للتدهور في مؤشرات النظام الصحي ومواطن الضعف والخلل التي تعيق عملية الإصلاح.

ويرى التقرير أنه من خلال هذه المراجعة أمكن تحديد التحديات التي تواجه القطاع الصحي والتصدي لها عن طريق التركيز على الأولويات الآتية:

1- وضع رؤية واضحة تتبنى هدف التغطية الصحية الشاملة لجميع المواطنين وخريطة طريق متكاملة لتقوية النظام الصحي والإستجابة للثغرات في الرعاية الصحية.

2- مراجعة اَليات التمويل الصحي وخيارات زيادة التخصيصات المالية لقطاع الصحة.

3- تشجيع الإستثمار في القطاع الصحي الخاص بشكل يتكامل ويتضامن مع القطاع العام.

4- مواجهة الفساد وهدر المال العام، وتعزيز إدارة مؤسسات القطاع الصحي، وتصحيح اَثار التطبيق الخاطئ لمبدأ اللامركزية في إدارة الصحة في المحافظات.

5- إعمار البنية التحتية الصحية مع التركيز على المحافظات المحررة.

6- التصدي للفجوات في الموارد البشرية في الصحة، بما في ذلك النقص في الأعداد وسوء التوزيع، وإعداد خطة عمل وضاحة، مبنية على قاعدة بيانات رصينة.

7- التصدي لأزمة الدواء المتمثلة في غياب أكثر من 85 % من الأدوية الأساسية أو النقص الشديد فيها.

8- إعادة تنظيم القطاع الصيدلاني، وتعزيز الوظائف التنظيمية لإدارة الدواء، مثل التشريعات وإنتقاء الأدوية وتسجيلها، والمراقبة والرصد بعد التسويق، والأستعمال الرشيد للأدوية، وتحديث سياسات ونظم التوريد والخزن والتوزيع.

9- معالجة مواطن الخلل والفجوات في الخدمات الوقائية، والحد من المخاطر الصحية، من أجل التصدي للتحديات الصحية الرئيسية الخمسة:

*مكافحة الأمراض الأنتقالية.

* الوقاية من الأمراض غير الأنتقالية الرئيسة، كأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطانات، والسكري. *صحة الأمومة والطفولة.

* المشكلات البيئية.

*والأمن الصحي، عن طريق الإستعداد والإستجابة للطوارئ الصحية.

التقدم المحرز خلال الأشهر الماضية

عرض التقرير ما تم تقديمه خلال الاشهر الستة الأولى من عمر الحكومة، مؤكداً تحقيق تقدم ملموس في الإستجابة لبعض التحديات العاجلة، حيث تركز العمل في إجراء تقييم للوضع، ومعالجة فورية لبعض المشكلات، ووضع وإعتماد الإرشادات الأستراتيجية للإصلاح المتوسط وبعيد المدى..

وأدناه العناوين الرئيسة لما تم أُنجازه:

أولآ- مراجعة الوضع الصحي الحالي، وتحليله، ووضع الخطط لتعزيز مستوى الأداء:

إعتمدت المراجعة- يؤكد التقرير- على دراسة المؤشرات الصحية، وعلى تقييم متخصص للبرامج الصحية ألأساسية في الوزارة، وقدمت تحليلآ موضوعياً للفجوات والدروس المستنبطة والأستراتيجيات لمعالجتها في مجالات عديدة، وخاصة تلك التي تعاني ضعفاً في الأداء أو الأهمال أو التعثر في تحقيق الأهداف المرسومة. وخرجت المراجعة بتوجيهات وتوصيات وخطط عمل أستراتيجية في المجالات التالية:

1- تقييم مكثف وخطة عمل وطنية للتأهب والكشف عن الأوبئة والتهديدات الصحية الأخرى، والإستجابة لها. وكذلك تعزيز متطلبات تنفيذ اللوائح الصحية الدولية[25].

2- تعزيز برنامج التحصين الوطني[26].

3- إعداد أستراتيجية تنظيم الأسرة [27].

4- مراجعة نظام المعلومات الصحية الوطني وتعزيزه[28].

5- توريد الأمدادات الطبية وطرائق تحسين توافر الأدوية والتكنولوجيات الصحية في العراق.

6- التشاور والتقييم الوطني لسلامة الأغذية في العراق[29].

7- دعم خدمات نقل الدم والتصدي لمواطن الأخفاق[30].

8- مكافحة التبغ، مع التركيز بشكل خاص في فرض الضرائب على التبغ[31].

9- تعزيز الصحة العقلية ( تقرير وتوصيات تحت الإعداد).

10- مكافحة المخدرات والأدمان (خطة عمل وطنية تحت الإعداد).

وقد تم وضع توصيات وإرشادات أستراتيجية جديدة لتعزيز أداء تلك البرامج، والأرتقاء بمؤشرات الصحة الوقائية. وتم التخطيط لتقييمات أشمل للأشهر المقبلة. وتضم التقارير الصادرة عن هذه التقييمات تفاصيل التوصيات وخطط العمل.

ثانياً- إنجاز فقرات البرنامج الحكومي الخاصة. بالإجراءات السريعة:

تم بهذا الصدد تقديم تقرير خاص بمؤشرات هذه الإجراءات الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، مع الأستمرار بمتابعة المؤشرات الأخرى.

ثالثاً- الأستجابة للإحتياجات الطارئة:

1- تحسين الحصول على الأدوية الأساسية.

2- التصدي للفوضى الدوائية في القطاع الخاص.

3- إكمال إنشاء المستشفيات بعد توقف العمل بها لعدة سنوات.

 

رابعاً- التمويل الصحي:

أفلحت الوزارة بتحقيق زيادة في التخصيصات المالية للصحة، وإضافة تخصيصات مالية لمؤسسات البيئة لأول مرة منذ دمج الوزارتين. وتعمل الوزارة على توفير تمويل إضافي لهذا العام من التخصيصات الطارئة للميزانية. وتستمر في بذل الجهود الهادفة الى رفع أولوية الصحة والبيئة في السياسات والتمويل عند إعداد موازنة 2020 وإعتمادها.

 

خامساً- الأرتقاء بالرعاية الصحية الأساسية وإزالة الأعباء المالية:

أمر الوزير بإزالة جزء كبير من الأجور، والإكتفاء بإجرة رمزية مقطوعة لمرة واحدة يدفعها المواطن عند طلب الإستشارة الطبية أو عند رقوده في المستشفى.

سادساً- التصدي للفجوات في القوى العاملة الصحية:

لتحقيق ذلك،إعتمدت الوزارة سياسة التوزيع العادل للموارد البشرية الصحية، وبضمنها إيقاف الأستثناءات غير المسوغة، وتبني سياقات عمل تضمن عدالة التوزيع والتوسع في التعيينات المركزية لرفد المؤسسات الصحية بما تحتاج إليه من ملاكات.

سابعاً- التصدي لسوء إستعمال المال العام وتقوية الإدارة النزيهة للقطاع الصحي:

أسفر هذا المسعى عن توفير أكثر من 70 مليون دولار من خلال تعديل العقود والإحالات، وتم الكشف عن ممارسات الفساد وهدر المال العام تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. والوزارة مستمرة بهذا النهج، رغم وجود مقاومة لهذا الإصلاح وضغط كبير لإعادة غلق أبواب سوء إدارة المال العام- يؤكد التقرير..

ثامناً- التعامل مع الأزمات البيئية:

يؤكد التقرير بأن الوزارة نجحت في التعامل مع عدد من المشكلات البيئية،مثل ظاهرة نفوق الأسماك. كما تصدرت إزدياد ملوثات المصادر المائية. وإستطاعت بناء قاعدة بيانات لجميع القطاعات الملوثة، وتحديد نوعية التصريفات وكمياتها، وتم وضع خطة للإستجابة قصيرة ومتوسطة وطزيلة الأمد.

ويؤكد التقرير بأنه قد تم التخطيط لتقييمات أشمل للأشهر المقبلة، وتحتوي التقارير الصادرة عن هذه التقييمات على تفاصيل التوصيات وخطط العمل..

خارطة طريق نحو التغطية الصحية الشاملة والتوجهات الأستراتيجية لإصلاح النظام الصحي

تواصل الوزارة مواجهة التحديات الهائلة للنظام الصحي، والتصدي لمواطن ضعفه، وفي إعادة بنائه. ويطرح التقرير التوجهات الأستراتيجية التالية بإعتبارها أهم أركان العمل لعام 2019 وما بعده:

أولآ- إستمرار العمل بترجمة رؤية الوزير لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، وتنفيذ خارطة الطريق لإصلاح النظام الصحي:

يوضح التقرير بان المقصود بهدف التغطية الصحية الشاملة هو حصول جميع المواطنين على رعاية صحية اساسية عالية الجودة ودون أن تكون هناك أعباء مالية. وتشمل التغطية:

* خدمات الوقاية.

* تعزيز الصحة.

* العلاج والتأهيل.

ولتحقيق هذا الهدف سوف تركز الأتجاهات الأستراتيجية على تقوية المكونات الرئيسة الستة لإعادة بناء النظام الصحي، والمتمثلة بـ:

1- التمويل الصحي.

2- ضمان الحصول على الأدوية والتقنيات الأساسية.

3- المعومات الصحية.

4- القوى العاملة الصحية.

5- تقديم الرعاية الصحية.

6- حوكمة النظام الصحي.

وتتضمن الأتجاهات والمبادرات المذكورة تشخيصاً عاماً للفجوات في هذه المجالات والأطار العام لمواجهتها.

ثانياً- مراجعة آليات التمويل الصحي وتوسيع رقعة التمويل للصحة:

إدراكاً من ان القصور الكبير في الإستثمار الحكومي في مجال الصحة يعتبر تحدياً كبيراً،إذ يؤدي إنخفاض تمويل القطاع الصحي الى ثغرات كبيرة في الخدمات الصحية الأساسية،فضلآ عن العبء المالي الذي يتحمله المواطنون، ويدفع بعضهم الى براثن الفقر، تعتمد الوزارة نهجاً جديداً في رفع مستوى تمويل القطاع الصحي، ضمن 4 إتجاهات:

الإتجاه الأول- يتمثل في زيادة حصة الصحة في الموازنة الحكومية.

تشير خارطة الطريق الى خوض مناقشات مع الحكومة ومجلس النواب ركزت على الحاجة الملحة لأعادة النظر بالأولويات التي تعتمدها الحكومة في مجال التنمية الوطنية وفي الموازنة الحكومية والتي تتطلب إستجابة جدية لزيادة الإستثمار في القطاع الصحي، والعمل على توفير مبالغ إضافية من الميزانية التكميلية للعام الجاري،وإعتماد النهج الجديد في الإعداد للميزانية الحكومية لعام 2020.

الأتجاه الثاني- العمل على إيجاد مصادر تمويل إضافية للقطاع الصحي.

تؤكد الخارطة مواصلة السعي، بمساعدة خبراء دوليين في مجال التأمين الصحي الإجتماعي، لإعداد مشروع لوضع خطة للتأمين الصحي لمناقشتها مع مجلس النواب.

الإتجاه الثالث- دراسة مصادر مبتكرة للتمويل الصحي.

تقترح الخطة من خلال التبرعات وزيادة الضرائب المفروضة على المنتوجات الضارة، وخاصة التبغ والكحول وغيرها، التي يمكن تخصيص جزء منها للبرامج الصحية.

الإتجاهات الثلاثة المذكورة تهدف الى "توفير المزيد من الأموال للصحة".

أما الأتجاه الرابع فيهدف الى " شراء المزيد من الصحة مقابل المال"، وهو يعني ضرورة التأكد من إستخدام الموارد الشحيحة المتوافرة للقطاع الصحي بشكل رشيد وعقلاني وعالي المردود بأكثر الطرق عقلانية لتحقيق أعلى تأثير إيجابي في الصحة.

تقر الخارطة بضعف قدرة وزارة الصحة في الوقت الحالي على إتخاذ قرارات تعتمد على مراجعة الأدلة العلمية وقياس مردود المدخلات، ولذلك يسعى الوزير للعمل مع بعض المؤسسات الدولية المعنية لدعم الوزارة في إنشاء وحدة خاصة في إقتصاديات الصحة وتقييم التكنولوجيات الصحية..

ثالثاً تصميم وتبني حزمة الخدمات الصحية الأساسية للقطاع الصحي العام وإعداد مشروع التأمين الصحي وإقراره:

تشير خارطة الطريق الى إلتزام العراق بالهدف العالمي للتغطية الصحية الشاملة لمواطنيه، وسوف تركز الوزارة عملها في هذا المجال على مبادرتين رئيسيتين:

المبادرة الأولى- الأتفاق على مجموعة أو حزمة من الخدمات الوقائية والعلاجية والتأهيلية، لكي تكون متاحة بإستمرار وبجودة عالية لجميع المواطنين. وسيتم إختيار الخدمات المدرجة في الحزمة وفقاً للمعايير التالية:

* عبء المرض.

* الأدلة العلمية على التأثير الوقائي أو العلاجي للخدمة.

* جدوى التكلفة والتنفيذ.

* الحماية المالية.

* القيم الأخلاقية.

ستؤخذ بالحسبان الخبرة الواسعة للمبادرة الدولية " مشروع أولويات مكافحة الأمراض" ولمنظمة الصحة العالمية في إعداد هذه الحزمة وقياس كلفتها وإختبارها. يعد الوزير بإعداد حزمة الخدمات الأساسية قبل نهاية العام 2019.

المبادرة الثانية- وضع نظام التأمين الصحي. تجري حالياً مناقشة مشروع القانون الذي أعده مجلس النواب وستغنيه الوزارة بمقترحات ومشاريع تُناقش مع خبراء دوليين، مع الإفادة من الخبرة في بلدان أخرى.

ويؤمن الوزير في ذات الوقت بان إصلاح النظام الصحي لا يمكن ان يكتمل دون تشجيع الأستثمار في القطاع الصحي الخاص بشكل يتضامن ويتكامل مع القطاع العام، لذلك يجري العمل لوضع الحلول للتصدي للعقبات، فضلآ عن الأستفادة من خبرات الدول الأخرى في هذا المجال.

رابعاً- التصدي للفجوات الموجودة في القوى العاملة الصحية وخاصة سوء التوزيع، ووضع خطة عمل واضحة للموارد البشرية:

تلفت الخارطة الأنتباه الى ان قطاع الموارد البشرية يتطلب إسلوباً جديداً لإدارة القوى العاملة الصحية، ومستوى أعلى من التخطيط والتنسيق المشترك مع مؤسسات التعليم الطبي والصحي ووزارة الصحة. وسوف تعد الوزارة خطة وطنية للموارد البشرية الصحية والتركيز في التصدي للنقص في بعض الملاكات الطبية، بما في ذلك طب الأسرة. ومواصلة العمل في القضاء على سوء التوزيع، والتدريب، وتعزيز القدرات، والحد من ظاهرة هجرة القدرات العلمية. وتحقيق أعلى مستويات العمل المشترك والتنسق بين وزارتي الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي. ويرى الوزير ان الخطوة الأولى في هذا الإتجاه هي وضع أستراتيجية وطنية للموارد البشرية وخطة عمل تضع ضمن أولوياتها تعزيز برامج الرعاية الصحية الأولية وطب الأسرة والتمكريض والقبالة. كما ينبغي ان تتضضمن الأستراتيجية الحوافز اللازمة لتشجيع العمل وإجتذاب الأطباء والعاملين الصحيين لمراكز الرعاية الصحية الأولية.

خامساً- تقوية نظام المعلومات الصحية.

تشير خارطة الطريق الى المراجعة التي أجراها الوزير مؤخراً مع عدد من الخبراء والتي أثمرت عن توصيات شاملة لتقوية نظام المعلومات الصحية بصورة تعزز من قدرة الوزارة على صنع السياسات وصياغة القرارات وتقييم الوصع الصحي وأداء النظام الصحي ومخرجاته. وسيتركز العمل على:

1- سد الثغرات الحالية في تقييم المؤشرات الصحية الأساسية ومتابعة تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

2- المبادرة في تقوية نظام تسجيل أسباب الوفيات.

3- البدء في دعم القدرات الوطنية في الوبائيات والإحصاء.

سادساً- القضاء على الأزمة الدوائية

تعد خارطة الطريق بمواصلة العمل على توفير جميع الأدوية الأساسية، والحفاظ على إدامة الحصول عليها، وتفادي حدوث أزمات مماثلة في المستقبل، والإستمرار في تنفيذ المحاور الخمسة الواردة في توصيات اللجنة الدوائية الخاصة، بالتصدي للفوضى الدوائية في القطاع الخاص- ورد ذكرها في التقدم المحرز..

 

سابعاً- إنشاء إدارة شفافة خاضعة للمساءلة لمؤسسات وزارة الصحة، والسيطرة على الفساد، وتصحيح الآثار السلبية لسياسات اللامركزية ونقل الصلاحيات الى المحافظات.

يرى الوزير ان هذه المهمة هي الأكثر تحدياً لأنها تتطلب نهجاً جديداً يعتمد على معايير الإدارة الرشيدة والشفافة، وبناء شامل للقدرات في هذا المجال. وتشمل أستراتيجة مكافحة الفساد ما يلي:

1- مراجعة الأساليب الحالية للإدارة وللإجراءات المالية، وإعتماد الممارسات الحديثة في إدارة المرسسات الصحية وتدبيرها، والتقييم المستمر لأدائها.

2- إعتماد مبادئ ودلائل توجيهية للتفاعل مع المؤسسات التجارية، ومعالجة تضارب المصالح.

3- مراجعة الأطر القانونية والتشريعات وإنفاذ القوانين.

4- تقديم الحوافز للأداء الجيد عند الضرورة.

5- قطع الروتين البيروقراطي الذي يعيق الإدارة الجديدة، عن طريق إعادة النظر بالمعاملات المعقدة والمطولة، التي لا داعي لها، كما هي الحال في تسجيل الأدوية، وإستخدام تطبيقات المعاملات الألكترونية، بما في ذلك جباية الرسوم.

وتنبه خارطة الطريق الى ان إحداث التغيير المطلوب والشامل سيتطلب إلتزاماً سياسياً وعزيمة راسخة وعملآ متواصلآ وثابتاً بالإشتراك مع ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة..

ثامناً- توسيع خدمات المستشفيات وتحديثها.

تشير الخارطة الى مواصلة العمل لإستكمال بناء 6 مستشفيات في بابل والبصرة وكربلاء والنجف والناصرية والعمارة، وتجري بإنتظام متابعة التقدم المحرز، ومعالجة كل ما يعرقل العمل أو يؤخره، بالتعاون مع الوزارات الأخرى، لكي يضمن إفتتاح هذه المستشفيات في الوقت المحدد لها. وتدرس الوزارة حالياً الخيارات الممكنة للتشغيل السليم للمستشفيات الجديدة، وإدخال ممارسات الإدارة الحديثة فيها.

تاسعاً- وضع خطة شاملة لإعادة بناء البنية التحتية الصحية، مع إعطاء الأولوية للمحافظات المحررة والمتأثرة بالأرهاب.

تؤكد خارطة الطريق ان التصدي لتدهور البنية التحتية وإعادة تأهيل وصيانة المؤسسات الصحية يُعدُ من أهم المهام في إصلاح النظام الصحي. وفي هذا المضمار يجري العمل على وضع خطة مدتها 4 سنوات لإعادة إعمار القطاع الصحي، وإيجاد الموارد اللازمة، بالعمل مع الشركاء الداعمين لتنفيذ الخطة. ويمثل الدمار الهائل للنظام الصحي في المحافظات المحررة أولوية ملحة..

عاشراً- إعادة تنظيم القطاع الصيدلاني وتعزيز الوظائف التنظيمية للأدوية.

تعتبر خارطة الطريق إعادة تنظيم القطاع الصيدلاني ركناً أساسياً في إصلاح النظام الصحي. ولذلك ستركز المرحلة القادمة على إعادة النظر بالسياسة الوطنية الدوائية، وتعزيز السلطات التنظيمية الدوائية، التي تعاني حالياً من الضعف والتفكك عبر أقسام ووزارات مختلفة. وتحتاج عملية إنتقاء الأدوية الى تحديث وإعادة تنظيم، بما في ذلك تسجيل الأدوية، ورصدها، ومتابعة ما بعد التسويق، وتحديث سياسات وأنظمة توريد وخزن وتوزيع الأدوية،وتبني اَليات عمل حديثة في مجال تقدير الحاجة. وستكون التوصيات وخطة العمل المبنية على مراجعة الخبراء هي المحور الأستراتيجي للعمل في سبيل إصلاح قطاع الأدوية.

حادي عشر- معالجة الثغرات في الخدمات الوقائية ومواجهة التحديات الصحية الرئيسة:

تؤكد خارطة الطريق تبني وزارة الصحة الأولويات الصحية التالية في مجال الوقاية من الأمراض ومكافحتها، والعمل على تعزيز برامجها:

* السيطرة على الأمراض المعدية، والكشف المبكر للأوبئة والتهديدات الصحية ألخرى، والإستجابة لها.

* الوقاية من الأمراض غير الأنتقالية ومكافحتها، وخاصة أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطانات، والسكري، مع التركيز على دعم مراكز الكشف المبكر وعلاج كل من السرطان،أمراض القلب، السكري.

* تعزيز برامج صحة الأم والطفل.

خاتمة

قدمنا في الأقسام الثلاثة عرضاً وافياً مستحقاً لما تضمنه تقرير:" الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل "، الذي أعده وزير الصحة والبيئة الأستاذ الدكتور علاء الدين العلوان ونشر على موقع الوزارة في اَيار 2019. وقد مثل التقرير عموماً جهداً كبيراً يستحق التثمين والتقدير. ويستحق بالمثل الأطلاع الواسع عليه، ودراسته، ومناقشة ما تضمنه، وخاصة أولويات العمل، والتقدم الذي أحرزته إدارة العلوان، وخارطة الطريق نحو التغطية الصحية الشاملة، والتوجهات الأستراتيجية لإصلاح النظام الصحي في العراق، التي رسمها، وتقييم الأهداف التي يسعى إليها، ومؤازرتها، من قبل كافة المعنيين بالرعاية الصحية والحريصين على الأرتقاء بها.

وسواء واصل الوزير العلوان مهماته كوزير حتى نهاية ولاية الحكومة، أو إضطر للإستقالة من منصبه، إذا إستمرت محاربته وتواصل وضع العراقيل لإعاقة تحقيق برنامجه- كما أعلن لوسائل الأعلام.. المطلوب من القوى الوطنية الخيرة والحريصة، المتواجدة في المؤسسات الرسمية المعنية، ومن كل مَن يطمح حقاً وفعلآ الى إنتشال الوضع الصحي من واقعه المزري، والى تحسين صحة المجتمع، دعم ما تضمنه تقرير العلوان من أهداف نبيلة، وتقديم المقترحات البناءة والعملية والقابلة للتحقيق التي من شأنها المساعدة الفاعلة في التعجيل بتحقيق الأهداف المطلوبة، وفي إلزام الحكومة بتنفيذها، بدعم تشريعي من قبل مجلس النواب !

 

د. كاظم المقدادي أكاديمي عراقي مقيم في السويد

.....................

الهوامش:

25- تقرير حول خطة عمل وطنية للتأهب والكشف عن الأوبئة والتهديدات الصحية الأخرى والإستجابة لها. دائرة الصحة العامة، وزارة الصحة والبيئة، 2019

26- تقرير حول ورش العمل الخاصة بتعزيز برنامج التحصين الوطني، دائرة الصحة العامة، وزارة الصحة والبيئة، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسيف، 2019.

27- تقرير حول الأستراتيجية الوطنية لتنظيم الأسرة، وزارة الصحة والبيئة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، 2019.

28- تقرير تقييم نظام المعلومات الصحية، وزارة الصحة والبيئة، ومنظمة الصحة العالمية، 2019.

29- تقرير حول تقييم برنامج سلامة الغذاء في العراق، تقرير خبراء منظمة الصحة العالمية، 2019.

30- تقرير حول تقييم خدمات نقل الدم في العراق، الدكتور سبينغا، منظمة الصحة العالمية، 2019.

31- تقرير الخبراء الدوليين حول الوضع الحالي لضرائب التبغ والتوصيات لتقوية مكافحة التبغ، وزارة الصحة والبيئة، دائرة الصحة العامة، 2019.

 

كثيرٌ من الافكارِ التي نراها جديدةً - اليوم - هي ليست جديدةً؛ بل هي اعادةُ انتاجِ افكارٍ قديمةٍ بأثوابٍ جديدةٍ، فالنَزَعاتُ الماديّةُ قديمة، وموجات الالحاد قديمة، وانكار النبوات قديم، كل مافي الامر انها قُدّمت بصيغٍ وزخارِفَ جديدة تتناسب مع العصر ولغتهِ .

والنسبيةُ التي غدت لغةَ المجالس والمنتديات اليوم، وهي مذهبٌ فلسَفيٌّ يرى: انَّ كلَّ وجهاتِ النظر صحيحةٌ، وان كانت متعارضةً؛ اذ لا توجد حقيقةٌ في الواقعِ ونفسِ الامر، وانما الانسان هو المقياس والمعيارُ للحقيقة . والنسبيّةُ امتدت لكل شيء، فالاخلاقُ نسبيةٌ، والمعرفةُ نسبيّةٌ، والجمال نسبي، وافكارنا نسبية، ولا يوجد شيءٌ مطلق؛ وبالتالي نفقد البوصلة، ونضيع في متاهات الطريق؛ اذ لا معايير ثابتة، ولا مقاييس نميز بها الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، والصدق من الكذب.

هل النسبية فكرةٌ جديدةٌ؟

النسبية التي تحدثَ عنها برتراند رسل، وهو يتحدثُ عن الفيلسوفِ الليبرالي، يقول رسل: (ان الفيلسوفَ الليبراليَّ لا يقول: هذا حقٌ، بل يقول: في مثل هذهِ الظروفِ يبدو لي انَّ هذا الرايَ أَصحُ من غيرهِ). نقلا عن: (الفلسفة السياسية من افلاطون الى ماركس، ص 93).

وفي نفسِ الاتجاهِ يتحدثُ سايمون بلاك برن في كتابه:"Being Good" حيث يقول: (اذا نحنُ تخلينا عن ايةِ سلطةٍ فوقَ الطبيعةِ فاننا سنواجه قوانينَ أنشأناها بانفسنا، وعليه يظهرُ التفكيرُ أنَّ القوانينَ أُنشئت بطرقٍ مختلفةٍ في أزمانَ متفاوتةٍ، وفي ايةِ حالةٍ، وليسَ هناك حقيقةٌ واحدةٌ، وانما هناك حقائقُ مختلفةٍ لمجتمعاتٍ متباينةٍ) .

ألنِسبِيَّةُ اعادةُ انتاجٍ للسفسطةِ

هناك اصواتٌ - اليومَ - تدافعُ عن السفسطةِ، وعن مذهب السوفسطائيينَ الذينّ ظهروا في القرن الخامس قبل الميلاد، الذين جعلوا من الانسان معياراً ومقياساً لجميع الاشياء، كما عبر عن ذلك كبيرهم (بروتاغوراس) .

والسفسطائيونَ انقسموا الى ثلاثةِ طوائف:

1- طائفةُ العنادية: وهم الذين انكروا حقائق الاشياء، ونفوا وجود اية حقيقة، وانما مانعيشه هو اوهامٌ وخيالاتٌ .

2- طائفة العِنديّة: وهم وان كانوا لا ينكرون الحقيقة؛ ولكنهم ينكرون ثباتها، وانها متحولة ومتغيرة، وتختلف باختلاف الاشخاص، وانها تابعة لاعتقاداتِ المعتقد؛ ولهذا سُموا بالعنديّة، اي: ان حقيقةَ الشيء هو ما عندَ المعتقدِ .

3- طائفة اللاادريّة: ينكرون العلم بثبوت شيء او عدم ثبوت شيء، فهم في حالة شكٍ دائمٍ ولم يثبُت عندهم شيءٌ .

مذهب النسبيّة اليوم، ليس مذهباً جديداً في المعرفةِ الانسانيةِ، لم يعرفهُ السابقونَ من قبلُ، وانما هو: اعادةُ انتاجِ اتجاه العندية في السفسطة .

 

زعيم الخير الله

صادق السامرائيالسائد في وسائل الإعلام بأنواعها هو الأخبار الناقلة لما هو سلبي وعدواني على كافة المستويات، ولا يُعرف لماذا هذا الميل نحو الأخبار السيئة.

البعض يقول أنها تجتذب المشاهدين والمستمعين والقراء، والبعض يرى أنها ميول كامنة في أعماق البشر تدفعهم للبحث عما هو سيئ، وتجاهل ما هو عكس ذلك.

ويبقى المتأمل لتيار الأخبار الدامية في حيرة ودهشة وإضطراب، فلا يمكن الوصول إلى تفسير نافع والمساهمة بخطوة ذات قيمة إيجابية صالحة لكينونة إجتماعية فاضلة.

فالعدوانية هي العنوان الساطع والقاسم المشترك بين الأحداث وتداعياتها المريرة القاسية، وكأن البشر كلما إزداد عدده تنامت شروره، وكأن فيه طاقة تنافسية تتناسب عدوانيتها مع تنامي أعداده وتفتح رغباته وتطلعاته نحو حياة ذات تعبير عما فيه.

أي أن البشرية في محتدمات تصارعية حامية، وما فيها يندلق فياضا حولها، حتى لتبدو الحياة وكأنها أجيج لهاب وجحيم وثاب، وإندفاعات متعاظمة نحو الرماد.

وهذه الأخبار المتواصلة بشرورها، لتعكس الصورة المتوحشة القاسية الكامنة في الأعماق الشرسة المتردية في كهوف ذاتها، والغارقة بمستنقعات تصوراتها الهذيانية وأوهامها البهتانية، التي تنقلها إلى حالات خارجة عن عصرها، لكنها فاعلة ومؤثرة في مسيرته، وكأنها العثرات التي على نهر الحياة أن يقيلها، ويرميها على جرف الإنطمار والخمود، والمشكلة أنها تتوالد وتنجب ما يساهم في تنمية سلوكها وتعضيد إمتداداتها نحو هدف شرير.

فالنفس البشرية عندما تتنعم بالحرية وتفقد قدرات الردع والتوجيه والضبط، فأنها تعكس محتوياتها الغابية الشرسة المعربدة الساعية للإستحواذ على ما عند غيرها، بل أنها تتميز بتوحشية عالية وإفتراسية مطلقة، وهذا ربما يفسر أعاصير الشرور المداهمة للوجود المعاصر في بقاع الدنيا قاطبة.

فيكون الإنفلات السلوكي في ذروته، وتهيمن عليه الإنحرافات المتوجة بوبائية المخدرات والعصابات والجرائم الفتاكة والقتل الأعمى للناس، لأن النفس قد إمتلكت أدوات التعبير عن سوئها المطمور.

ويبدو أن وسائل الإعلام قد صارت ضحية للنفوس السيئة دون وعي منها، لأنها تتوهم بأنها تنقل أخبارا وما تقوم به هو المساهمة في تعزيز سلوكيات النفوس الأمارة بأكثر من السوء.

وعليه، فلا بد من الإنتباه إلى هذه المشاركة الضارة بالحياة، والعمل على تحقيق الموازنة ما بين أطراف معادلة الحياة المحكومة بالخير والشر، فلا يمكن للشر أن يطغى على الأخبار، ومن حق الحياة ورسالتها أن يكون للخير مكان واضح في وسائل الإعلام، لكي تستعيد البشرية رشدها وتقمع نفوسها الدونية المحكومة بالرغبات الحيوانية.

فهل من قدرة على تطهير الأخبار من مفردات السوء والبغضاء والشر المبيد؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي عليمعلوم ان يدا واحدة لا تصفق كما يقول مثلنا.. ومعلوم ان التعاون في العمل الصالح يجدي نفعا أكثر من العمل الانفرادي، لاسيما إذا كان عملا جللا له تبعات ومردودات إيجابية في حال إنجازه، وقد قال أهلونا سابقا: "گوم التعاونت ماذلت". ولكن اليوم في وضع العراق الراهن، هناك العديد من الأيادي المنفردة تسعى -موهومة- للتصفيق وحدها، بل هي موهومة أكثر من هذا بتصديقها أن هناك من يسمع تصفيقها.

وإنه لمن المفترض أن الأيادي تجتمع وتتآلف وتتآزر، لتصفق تصفيقا موحدا عاليا لاسيما والعراق برمته بحاجة ماسة اليه في هذا الظرف، إلا ان من الواضح جدا أن مثلنا (ابو طبع ما يبدل طبعه) مازال ساري المفعول. فهناك عشرات بل مئات الأيادي، نجدها مختلفة ومتخالفة تماما في النيات والأهواء والميول والأهداف، على الرغم من أنهم جميعا يتربعون في مجلس تخرج من تحت قبته مئات القوانين التي ينتظرها المواطن بفارغ الصبر، والذي بدوره لم يرَ غير أبيات معروف الرصافي يرددها فيقول:

علـم ودسـتور ومجلس أمة

كل عن المعـنى الصحيح مُحرّفُ

من يأتِ مجلسنـا يصدّق أنه

لـمـُرادِ غيـر الناخبيـن مؤلّـفُ

وهذه الصورة التي لم تعد جديدة على العراقيين ليست إفكًا او بهتانا، فقد أثبت مسؤولونا في مجالس الدولة الثلاث، أن آخر ما يفكر به أعضاؤها -علاوة على رؤسائها- هو الشعب، وآخر ما يسعون الى تحقيقه هو مصلحته، وآخر قانون يقرونه هو ما يرونه يصب في خدمة المواطن، وإن أردنا عد المؤسسات التي تسير ضد المواطن وحقوقه، لأتعبنا العد والحساب، وهي التي جسدها الرصافي في قصيدته ذاتها فيقول:

كثُرت دوائرُهـا وقلّ فعالها

كالطبلِ يكبرُ وهو خالٍ أجوفُ

إن تاريخ مجلس نوابنا على سبيل المثال، خير شاهد على تذبذب القوانين والقرارات بين التأجيلات والإهمالات، ذلك أن النائب -ورئيسه- لا ينظر في القوانين إلا القريبة من مصلحة حزبه وفئته وعشيرته وطائفته. وكم من نائب لم يكن العراقيون قد سمعوا باسمه إلا حين يمس قانون ما مصالح كتلته وحزبه، وكأن الرصافي قال بيته بحقهم اليوم:

أسماءُ ليس لنا سوى ألفاظها

أمّـا معانيهـا فليست تُعرفُ

بل ان كثيرا من القوانين والقرارات كانت تعادي مصلحة البلد والمواطن، الذي لم يكن يرى فيها إلا مصلحة دول أخرى وأجندات خارجية لها الريع الأكبر من عائديات تلك القوانين، وهو عين ما ذكره الرصافي قبل ثمانين عاما في بيته:

من يقرأ الدستـورَ يعلم أنه

وفقـاً لصكّ الاحتلال مصنّفُ

فيا أعضاء مجالس دولتنا.. نسألكم بالله وبالقسم الذي رددتموه، غيروا الصورة المشوهة التي تركها أسلافكم كوصمة غير مشرفة، تلصق بكل من امتطى صهوة المسؤولية في المجالس الرئاسية والتشريعية والتنفيذية، وكونوا عونا لمواطنيكم الذين رفعوكم الى مناصبكم هذه، وفي ذات الوقت أشداء جلدين مع المارقين من أعداء الشعب فأنتم ممثلوه، وتذكروا ما قاله الرصافي:

إن لم نُجالد بالسيوف خصومنا

فالمجــدُ باكٍ والعُلـى تتأففُ

***

علي علي

 

محمد الدعميقبل انعقاد قمة الدول الغنية G8 في سكوتلاندا لمناقشة مشكلة الفقر وسبل مواجهتها في العالم، وتحت شعار (ساعدوا شعوب العالم الأفقر)، أقيمت خلال السنين الماضية حفلات روك موسيقية مليونية في عدد من عواصم الدول الغنية من أجل دعم الفقراء والتبرع بالحصاد المالي للحفلات لتحسين أحوالهم. وإذا ما كانت هذه الحفلات في الهواء الطلق قد شهدت أفضل مغني “الروك والبوب” في العالم الغربي، فإنها كذلك قد شهدت حضور أعداد غفيرة من الشبان والشابات الذين ذهبوا هناك للرقص من أجل الفقراء في أفريقيا. والحق، فلا يدري المرء كيف يخمن حجم المفارقة، إذا ما عرف أن الملايين من الفقراء الذين يراد مديد العون إليهم لم يشاهدوا هذه الحفلات، وربما لم تكن لديهم أدنى فكرة عنها. هذا يذكرنا بما فعلته “أوبرا ونفرد” الشخصية التلفزيونية الأميركية الشهيرة، حيث دفعت “حصتها” من “واجب” دعم الفقراء الأفارقة عن طريق إهداء عدد من أطفالهم أحذية رياضية و“دمى”، بإعتبار أن معالجة الفقر العالمي تبدأ من “الملابس”، وتنتهي بالعلب الملونة. وللمتابع أن يتيقن أن جهد أوبرا هذا لم يكن يهدف إلى مساعدة شلة من الأطفال الأفارقة، بقدر ما كان يهدف إلى تكريس صورتها في الإعلام الأميركي كـ”صانعة للسلام”، وإلاّ ما تفسير تصوير هذا “الاستعراض” الإنساني لعرضه عبر العالم.

لست اشك بأن جهد المغنين والموسيقيين الغربيين إنما يمثل حداً أدنى مما يمكن أن يقدمه الأغنياء للفقراء، ولكن ليس على الطريقة الأخلاقية المتسامية التي تفرض العطاء والجود دون علم الآخرين، بل العطاء باليد اليمنى دون علم اليد اليسرى. بيد أن مغني الروك والراب في الغرب يريدون أن يبرهنوا أن لديهم وعياً كونياً يتجاوز حدود معرفتهم بأرقى المطاعم والحانات والفنادق في العالم، ليلامس وعيهم أدنى الجحور الملوثة التي يحيا بداخلها فقراء أفريقيا متساكنين مع المرض والآفات والحشرات. هذا “الوعي الكوني” لم يهبط إلى مجرد التهريج والتباكي على المنكوبين، ذلك أنه قد تصاعد على ألسنة المطربات والمطربين ليترجم إلى مصطلح سياسي هو: السياسة تقف خلف الموسيقى، أستعملت من قبل الإعلام للترويج لهذه الحفلات التي شوهدت من قبل الملايين في بهدف تحقيق ما لم يتمكن بعض الأنبياء والمصلحين من تحقيقه عبر التاريخ: فعلى سبيل المثال، ظهرت المغنية الشهيرة مادونا المعروفة بأريحيتها وبـ”تفتحها” الزائد على المسرح لتدعو الجمهور إلى “إلغاء” الفقر، مستفسرة بصوت عالِ: “هل أنتم مستعدون لتغيير التاريخ؟”، بينما تبعها مغنٍ آخر ليعلن “يجب إنهاء تاريخ الفقر” !

وإن كنت أنسى، فلن يغيب عن ذاكرتي أن واحداً من مغني “الراب” الملونين والمشهورين بالأغاني البذيئة وبالتصويرات الخليعة وهو يعاني من آلام “يقظة” الضمير، مبتئساً لأوضاع جياع العالم ومقرراً (قرار نهائي حاسم): “لا ينبغي أن يموت إنسان من الجوع في القرن الحادي والعشرين”، كي يرتجع إلى الغناء البذيء على دق الطبول الفوضوي وهز البطون العارية ! ثمة مغنٍ آخر رأى أن يمنح نفسه بُعداً فكرياً وسياسياً أعمق من أقرانه، فقرر أن يلقي بياناً قبل أن يرقص على أنغام أو آلام الفقراء” السمر. لم يفتقر هذا “البيان” للإحصائيات التي أريد لها تعريض الجمهور الراقص في فيلادلفيا لـتوجيه “رجة وعي” عنيفة، خاصة بعد الإعلان عن أن أكثر من نصف الأفارقة هم تحت سن الخامسة عشرة، وهم يخلدون للنوم جياعاً”! فيالها من حقيقة جارحة لهذه الجموع من المستهلكين الجيدين لشطائر “ومبي” و“ماكدونالد”، هؤلاء الذين يعانون ويدفعون ملايين الدولارات لمعالجة البدانة والسمنة المعيقة.

أما الفنانة “إنجليانا جولي”، فقد حسمت الموضوع بضربة معلم، كما يقال، عندما أعلنت أن “الموسيقى هي أقوى قوة”، بمعنى أنها عدت نفسها مع زملائها وزميلاتها من المطربين والفنانين والراقصين أقوى تأثيراً من الساسة والحكام ومديري الشركات العابرة للقارات والحدود، راجيةً الجمهور أن يجعل الفقر جزءاً من التاريخ الذي لن يتكرر. وهي البشارة.

ليس للمرء أن يشكك في إخلاص عواطف هؤلاء الفنانين، أو في عواطف الجمهور المتألم بسبب معضلة الفقر في العالم، بيد إنني أجد في هذا الجهد مفارقة هي مدعاة للتندر من قبل ملايين فقراء العالم الذين ربما تصلهم وجبة غذائية واحدة فقط كنتيجة نهائية لهذه الحفلات العالمية. أما المفارقة الأظرف، فإنها تتلخص فيما يقدمه هؤلاء المطربون الغربيون من برامج مصورة عبر الفضائيات للحياة الأسطورية التي يعيشونها في منطقة “بيفرلي هلز” وفي أجمل بقاع العالم، حيث يحيون حياة بدرجة من الترف والبذخ أن اباطرة العالم يحسدونهم عليها. نعم، الشعور بالألم من أجل الفقراء هو حال طبيعية لدى كل إنسان. ولكن، ألم يتساءل هؤلاء المطربون، الذين تمتد قصورهم وضياعهم عبر هكتارات، عن الجدوى الحقيقية لجهدهم في هذه الحفلة؛ وهل هم مستعدون للتضحية بليلة واحدة من احتساء المشروبات وتدخين الماريوانا وتناول الكافيار من أجل وضع قدمي طفل أفريقي واحد لأول مرة في مدرسة منتظمة ونظامية؟ لقد بقي هذا الجهد دعائياً بكل تأكيد، ولم يكن جهداً عملياً يمكن ترجمته إلى تحسين أوضاع الفقراء، بالرغم من أثر الشعارات التي رفعت على خلفية لمسرح يحمل صورة للمسكين “كارل ماركس”، نصير الكادحين! هذا بكل دقة ما عبّرت عنه وزيرة بريطانية سابقة، حيث طالبت الفنانين بإيضاح الكيفية التي سيتم من خلالها رفع مستوى الفقراء إلى مستوى الأغنياء.

يتوجب على المرء أن يوضح أنه لا يريد أن يهاجم هؤلاء الفنانون، بقدر ما يرنو إلى إيضاح “لا جدوى” ونفاق هذا الجهد الفني الذي (كما يعرف الفنانون جيداً) لا يمكن أن يمد يد العون العملية للفقراء. لذا تتوافق لا جدوى هذا الجهد مع نوع من الإدانة الضمنية للشعارات التي رفعت، خاصة تلك التي أعلنت نهاية الفقر في القرن الحادي والعشرين. أما إذا ما كان هؤلاء الفنانون يريدون أن يوصلوا أصواتهم الاحتجاجية إلى زعماء الدول الغنية، فإن في الأمر دلالة أخرى، خاصة إذا ما توقعنا من الزعماء بأن يحيوا تجربة “يقظة” وعي بالفقر والمرض المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، وليس في أفريقيا فقط.

وهكذا تتبلور القضية التي تستحق الرصد والتحليل بحق، بعد الإجابة على أسئلة بسيطة، منها: لماذا تعاني الشعوب الأفريقية، مثلاً، من الفقر المدقع ؟ هل أن سبب ذلك يعود إلى أن البيئة في إفريقيا ذاتها فقيرة؟ وإذا كانت البيئة هناك فقيرة، فهل يصح هذا على شعوب جنوب شرقي آسيا وشعوب أميركا اللاتينية، وسواها من شعوب العالم الفقيرة؟ لقد توجب على الفنانين أن يضعوا النقاط على الحروف، ذلك أن أهم مسببات الجوع لدى هذه الشعوب يتمثل في حركة الاستعمار الغربي التي صادرت ثروات هذه الشعوب بلا هوادة، تاركة لهم القشور و”فضائل” العوز والفاقة. بيد أن أحداً من الفنانين لم يمتلك الشجاعة الكافية لأن يضع المسؤولية على الكولونياليات والإمبراطوريات الأوربية التي استعمرت هذه الشعوب والبلدان لقرون وضمتها إلى إمبراطورياتها، ولم تتركها (إن تركتها) إلاّ بعد أن جعلت شعوبها ضحية لهذه الأمراض الاقتصادية والاجتماعية الفتاكة التي جاء المطربون الغربيون ليذرفوا الدموع على أطلالها بعد قرون من الاستغلال والاستثمار. لم أسمع أحداً من هؤلاء وهو يؤشر بإصبع الإتهام إلى دولته أو إلى الدول الغربية الأخرى التي لم تُبقِ شيئاً من الثروة للشعوب الفقيرة.

 

أ. د. محمد الدعمي

 

جميل عودةمن الصعب حقا أن يعيش الإنسان سنوات طويلة من عمره فقيرا، أو يرى شبابا وشابات، أو كبار سن متقاعدين، قضوا سنوات من عمرهم في وظائف حكومية، يخدمون مجتمعاتهم، ولكنهم مازالوا فقراء.

 ومن الصعب جدا أن تقضي بقية عمرك دون أن تستمتع ببعضه، كما يستمتع الآخرون. فالحياة كما أنها ليست للمرح دائما فهي ليست للفقر والحرمان أيضا، لذلك ينبغي أن نحصل على نصيبنا من الرخاء، كما حصلنا على نصيبنا من الضراء. فالغنى ليست ماركة مسجلة باسم الأغنياء. واعلم أن الزمان لا يثبت على حال، كما قال عز وجل: (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

 لا يقول لك أحدهم متفلسفا: إن الفقر ليس عيبا، ليطيب خاطرك، لا بل هو عيب، وأذى؛ فكلنا نخاف الفقر، لأن الفقر يولد الحاجة، والحاجة قد تكون سببا للمذلة، والفقر هو صنو الجهل، وصنو المرض، ومتى اجتمع الثلاثة كفر الناس، ومات في النفوس الأمل. لذا قال الإمام "علي بن أبي طالب" قولته المشهورة: (لو كان الفقر رجلا لقتلته).

 وأنت تشعر به قبل غيرك، لأنك تخجل من الفقر، ولا يتجرأ أحدنا ليقول على الملا أنا فقير، إلا إذا كان يريد أن يستجلب عطفهم ودنانيرهم. تصور نفسك أنك حصلت على شهادة جامعية، وهرولت بشهادتك ووثائق الشخصية إلى مؤسسة حكومية؛ ولكنهم أغلقوا الباب بوجهك قائلين لك: ليس لدينا وظائف. وتصور نفسك أنك تجول شوارع مدينتك؛ تطرق أبواب الشركات والمعامل بحثا عن عمل؛ فلا تحصل عليه.

 وتصور نفسك أنك تعيل زوجة أو أما أو أبا؛ ولا تستطيع أن توفر لهم لقمة العيش. وتصور نفسك أنك تسكن في بيت مستأجر؛ ولا تستطيع أن تدفع إجاره الشهري. وتصور نفسك أنك لا تستطيع أن تنتقل من مكان إلى مكان؛ لأنك لا تملك أجرة سيارة النقل. وتصور نفسك أيضا أنك تدخل مطعما؛ ولا تستطيع أن دفع ثمن طعامك. وهكذا... يتكرر هذا المشهد في مدار الساعة، فما أنت فاعل؟

 لا... لا... قطعا لا أدعوك للانتحار أبدا، فهذه صفة العاجزين واليائسين والمحبطين، وهي صفة لا تليق بالشباب القوي الطامح. ولا أدعوك للسرقة، أو غش الآخرين، فليس من حقك أن تعدي على مال غيرك، بأي طريقة كانت. بل أدعوك أن تفكر بتغيير شامل في حياتك، أدعوك إلى مبادرة ذاتية للقيام بمبادلة تجارية، تكون أنت مبدؤها وصاحبها.

 والمفتاح فيها هو السؤال الآتي: إن هناك الآلاف من الشباب والشابات في مثل عمري، وفي مثل وضعي، وهم من أبناء وطني، وفي منطقتي، بل هم من أقربائي، ومروا في الظروف نفسها، والأوضاع ذاتها، ولكنهم اليوم في وضع أفضل، وفي حال أحسن. فلماذا لا أصبح مثلهم، واتخذ القرار الشجاع؟ والقرار الشجاع هو (لن أعيش فقيرا بعد الآن).

 ولكن... حتى أبعد شبح الفقر عني، وعن المقربين مني، علي أولا أن أبدا من ذاتي، فهي ساحتي الأولى نحو التغيير، وهي علتي الحقيقية، وهي عدوي الذي بين جنبي، هي تريد أن تكون مرفهة بلا ثمن، وتريد أن تكون غنية بلا عمل، وتريد أن تأخذ دون أن تعطي، وأول مبدأ هو مبدأ (قهر الذات).

 إن مبدأ (قهر الذات) يعني إرغام ذاتك على أن تعمل هي بنفسها على تحقيق أحلامها في الثروة والغنى، أتعبها بالتفكير والتخطيط والعمل، لا ترحها على الإطلاق، إلا قليلا، فليس لديك الوقت الكافي. هي تريد اللعب امنعها عن اللعب، إلا قليلا، هي تريد اللهو أمنعها عن اللهو إلا قليلا، هي تريد النوم امنعها عن النوم إلا قليلا، هي تريد الراحة امنعها عن الراحة، هي تريد الحفلات امنعها عن الحفلات، هي تريد الملذات امنعها عن الملذات.

 وقل لها يصوت عال: يا أيتها النفس إن طلبت اللعب؛ فاستجبت لك؛ فسأكون فقيرا، ولا أريد أن أكون فقيرا، وإن طلبت النوم الكثير فاستجبت لك فسأكون فقيرا، ولا أريد أن أكون فقيرا، وإن طلبت السهر والحفلات فاستجبت لك فسأكون فقيرا، ولا أريد أن أكون فقيرا، أرجوك اصبري علي، ستأتي الراحة؛ والمتعة... ولكن بعد حين، اصبرِ قليلا.

 نعم... أبدأ وأقهر ذاتك على التخطيط لعمل ما، أو العمل في مكان ما يوفر لك مبلغا متواضعا، لأنها التطبيق العملي لقهر الذات، فنفسك تحدثك أنك الشخص الفلاني المحترم؛ فهل من المعقول أن تعمل في هذا المكان! أنك أبن العائلة الفلانية؛ هلا استحيت من نفسك! أنك صاحب الشهادة الفلانية؛ فكيف تعمل في مهنة متواضعة. قد يلومك الأهل والأصدقاء على مهنتك (الحقيرة) كما يظنون، ولكن إياك أن تستمتع لنفسك الأمارة بالسوء، أو لأهلك وأصدقائك الذين يشفقون عليك، وقل لذاتك ولأقربائك إن العمل شرف، إن العمل شرف، فدينار أحصل عليه بعرق جبيني هو أفضل عندي من مليون تعطوني إياه.

 وأنت تعمل في مكان ما، قد لا ترغب بالعمل به، أعط انطباعا حقيقيا لرب العمل أنك أفضل عامل لديه، وأنك تعمل بكل طاقتك، ليس بالكذب أو بالتدليس أو بالغش، بل بالإنتاج الذي تحققه، (رحم الله امرئ عمل عملاً فأتقنه) فرضا رب العمل عنك علامة على نجاحك، ليس لأرب العمل وحده، بل لذاتك أيضا، إنها الخطوة الأولى في سلم النجاح.

 ولكن لا ينبغي أن تقنعك نفسك أن هذا أفضل عمل يناسبك، ولا تبحث عن عمل أفضل، بل دائما اشغل نفسك من خلال خبرتك البسيطة في العمل المتواضع كيف تطور عملك، وكيف تضيف قيمة إضافية عليه، تجعل صاحب العمل فخورا بك، وكيف يمكن أن تحصل على عمل آخر باجر أكثر، تستفيد من الخبرات والمهارات التي اكتسبتها في العمل الحالي. وهكذا لا تركن لنفسك، ولا تقتنع بوسواسها، حتى يكون لك عمل مستقل، وأنت رب العمل.

 بعد مبدأ (قهر الذات) يأتي مبدأ (الاستثمار في حاجات الناس) وهذا المبدأ يعني أن تركز بشكل جيد في المجتمع المحلي الذي تعيش فيه، وتنظر من حولك، وتسأل السؤال الآتي: ماذا يحتاج الناس في منطقتي؟ ماذا ينقصهم؟ وما هي الأشياء الموجودة في مجتمع آخر غير موجود في مجتمعي؟ ماذا يحتاج الأطفال في منطقتي؟ ماذا تحتاج النساء في منطقتي؟ ماذا يحتاج كبار السن في منطقتي؟ ماذا يحتاج المعلمون في منطقتي؟ وماذا يحتاج المهندسون؟ وما هي الأغذية التي يحتاجونها في طول السنة؟ وهكذا دون كل إجابة تحصل عليها.

 ثم أطرح السؤال الآتي: ما هي الأعمال والأنشطة التي تستهويني، ويمكن أن أوفرها لمجتمعي المحلي، وتوفر لي رأس مال جيد، وانطلق به من حال أفقر إلى حال الغنى؟

 قد تجد أن مجتمعك المحلي بحاجة إلى ماء صالح للشرب، فالماء في البيوت غير صالح للشرب، وقد تجد أن مجتمعك المحلي يحبون أكلة الكباب أو البيتزا، ولا يوجد مطعم يبيع هذه الأطعمة، وقد لا يوجد في منطقتك سيارات تاكسي، وهم بحاجة إليها، أو لا توجد روضة، أو لا توجد مدرسة، أو لا يوجد سوبر ماركت، أو يوجد، ولكن قليل، أو أسعاره عالية، او لا يوجد محل لبيع الملابس، وهكذا الآلاف من الحاجات المجتمعية التي يتطلب أن تكتشفها بنفسك، وتخطط لها، ثم تختار منها ما يناسب مهاراتك وخبراتك ورغباتك. فإذا عزمت فتوكل على الله.

 وبعد مبدأ (قهر الذات) ومبدأ (الاستثمار في حاجات الناس) يأتي مبدأ (استغلال إمكانيات الآخرين) أي الاستعانة بالإمكانيات التي تتوفر لدى الآخرين، والتي تساعدك على فتح مشروعك الخاص، وعلى الاستمرار به، فمعلوم أن أي مشروع خاص لينجح هو بحاجة إلى عدة مقومات منها: مقومات مادية فأنت تحتاج إلى بعض المال للمشروع، وهذا يمكن أن تحصل عليه من المنح التي تمنحها الدولة، أو القروض التي تقرضها المصارف مقابل فوائد، أو من الأهل والأصدقاء كديون أو قروض بلا فوائد. وعليه أنت بحاجة إلى أن تتعرف إلى ماهية هذه المنح والقروض، أو تستعين بمن يعرف بها.

 ومنها مقومات قانونية؛ فأنت بحاجة إلى أن تحصل على موافقات أصولية من الجهات الحكومية ذات العلاقة بالمشروع، فهي ضرورية لممارسة العمل وإلا يعد مشروعك غير قانوني، ويمكن أن يتوقف المشروع برمته. وعليه يمكن الاستعانة بالمقومات القانونية من أجل فتح المشروع وإدامته. ولابد أن يكون لك بعض الإلمام بالقوانين والأنظمة التي تحكم مهنك حتى لا تتعرض إلى عقوبات تؤثر على مشروعك وتضعف عزمتك، أو تستشير من لديه الخبرة القانونية.

 ومنها مقومات الإدارة، فأنت بحاجة إلى أن تستعين بخبرات بعض الأصدقاء أو خبرات المراكز التأهيلية اللازمة لفتح مشروعك. فأنت قطعا لا تمتلك كل المهارات والخبرات اللازمة لإدارة المشروع أو الترويج للمشروع، أو للتسوق، أو إقامة العلاقات التجارية مع الموردين ومع الزبائن. وكلما تمكنت من استغلال إمكانيات الآخرين المتاحة تمكنت خطوة من النجاح، ووفرت عليك مشقة الطريق، ولاح في الأفق لمعان الثروة.

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

علاء اللاميويضيف التقرير سالف الذكر في الجزء الأول من هذه المقالة، أن ائتلاف الشركات، الذي حصل على عقد تنفيذ مطار كربلاء، (تسلم أربعين مليون دولار نقدا من الجهة الممولة لتغطية مرحلة إعداد التصاميم، التي تبين أنها تصاميم محلية لا تلبي الاحتياجات الأساسية التي دعت إلى إنشاء المطار. وبعد مماطلة وشد وجذب، تدخل مكتب السيستاني مطالبا بإلغاء العقد مع الشركات المنفذة، وهو ما حدث فعلا في وقت لاحق). وتبين لاحقا أن الشركات المنفذة لم تنفق أكثر من خمسة عشر مليون دولار منذ بدء العمل، لكنها تدعي الآن إنفاق مائة مليون دولار. ولدى رفض الطرف الممول صرف هذا المبلغ توجه ائتلاف الشركات المنفذة إلى القضاء.

- رغم كل ذلك فإن هيئة الاستثمار تصر على أن المشروع يسير وفق الخطة الزمنية للإنجاز. وقد قال رئيسها سامي الأعرجي إن (المستثمر مجد بالعمل ويؤدي عمله بشكل جيد وممتاز)، لكنه لم يحدد هوية هذا المستثمر.

- لم يستطع الأعرجي الإفلات من التناقض، إذ كشفت تصريحاته أن الجزء المكتمل من المشروع، هو أعمال ترابية فقط، فيما تخضع جميع التصاميم الإنشائية إلى المراجعة والتعديل.

- تقول المصادر إن الجزء المتقدم من العمل هو برج المراقبة، فيما تراوح الأجزاء الأخرى بين الأعمال الترابية وإعادة النظر في أصل التصاميم.

وتوضح المصادر أن الحساسية التي تحيط بهذا المشروع، نظرا لصلته بأطراف على علاقة بالمرجعية الدينية، تمنع أي أعمال رقابة حقيقية عليه، لكنها تستبعد أي تورط مباشر لمكتب المرجع السيستاني في اتفاقات مشبوهة وربما تعرض مديرو المكتب للخداع في هذا الملف.

غير أن مصادر أخرى قريبة من إدارة المشروع أكدت (أن العتبة الحسينية ومجموعة الرضا لاستثمار يمثلون الجهة المستثمرة لإنشاء مشروع مطار كربلاء الدولي. بعد ان كانت الدولة عبر وزارة النقل هي الجهة المسؤولة والمالكة عن المشروع بحكم القانون والدستور. وقد تم استبدال تصاميم المطار الفرنسية من قبل الشركة الفرنسية ADPI في العام 2013 وبتكلفة 40 مليون دولار لحساب وزارة النقل العراقية بتصاميم أخرى برتغالية مكتب استشاري برتغالي AND_RE وبإهمال التصاميم الفرنسية تم إهدار أربعين مليون دولار).

 

فلماذا قامت الجهة المستثمرة بالاستغناء عن التصاميم الفرنسية وهدر مبلغ التصميم؟ تتساءل تلك المصادر وتضيف: وإذا كانت هناك شبهة فساد في التصاميم الفرنسية فلماذا السكوت من قبل الجهة المستثمرة على هذا الفساد؟ وهل من صلاحيات هيئة الاستثمار ابرام عقود التصاميم بعيدا عن الجهات القطاعية المسؤولة عن المطارات أي (وزارة النقل)؟

هل تعلم وزارة النقل - ومعها الهيئة العليا لمكافحة الفساد التي شكله عادل عبد المهدي - بهذه التغيرات أم لا تعلم، أم أنها تعلم ولكنها تطبق تكتيك " اعمل نفسك ميت"! يتبع في الجزء القادم –الرابع – من الملف وفيه ندقق في الأوراق الداخلية لتجاوزات الشركات المنفذة ولخروج هيئة الاستثمار عن صلاحياتها...

* ومن تقرير إخباري بعنون (فساد مشروع مطار كربلاء الدولي) لأحمد العراقي "4" نشر على موقع "شبكة أخبار العراق" نقتبس المعلومات أدناه:

- إنَّ العتبة الحسينية لا تملك أي مقومات مالية كافية لإنشاء أي مطار ناهيك عن مطار كربلاء الدولي لسببين هما: وجود مشروع الفردوس السكني ومشروع مجمع اسكان الفقراء، وهذان المشروعان متلكئان ولم يتم الانتهاء منهما في الاوقات المحددة لعدم توفر الاموال الكافية فكيف يمكن للعتبة القيام بتمويل مشروع أضخم بأضعاف من قيمة المشاريع المذكورة أعلاه؟

- الطرف الثاني المستثمر في المشروع هو مجموعة الرضا للاستثمارات

وهي جهة مجهولة لحد هذه اللحظة ليس لها تاريخ معلوم في مشاريعها او انجازاتها المعلومات شبه معدومة عنها.

- هيئة الاستثمار لم تقم بواجب المفروض بها هو التأكد من امكانيات المستثمر والدليل كما هو مبين أعلاه وأيضا في الموافقة على شركة كوبرجيس في بداية المشروع (وهي خارج المشروع حاليا) التي لا تمتلك لا الامكانيات الفنية ولا المالية لدخول مثل هكذا مشروع.

وزير التخطيط الأسبق جواد هاشم الذي كان له دور في الكشف عن عقود وهمية للكهرباء في العراق، والتي أطاحت بوزير الكهرباء في حكومة المالكي رعد شلال  في آب 2011، على خلفية إبرام عقود تجاوزت قيمتها مليار وسبعمائة مليون دولار مع  شركات وهمية)، قد وجه الوزير جواد هاشم رسالة مفتوحة نشرت في إحدى الصحف العراقية "5"  تتضمن وثائق مهمة الى رئيس الوزراء حيدر العبادي، بشأن الشركة التي تعاقدت على إنشاء مطار كربلاء الدولي مع هيئة الاستثمار ومحافظة كربلاء، وبيّن فيها أن الشركة البريطانية التي تعاقدت على إنشاء المطار(كوبر جيس )، متخصصة بمجالات التلفزيون والهواتف ولا علاقة لها بإنشاء المطارات، أكد أن هذا العقد شبيه بعقود سابقة وقعتها وزارة الكهرباء مع شركات "وهمية ومفلسة".

وتضمنت رسالة الوزير السابق النقاط التالية بخصوص شركة كوبرجيس:

1- وفقاً للوثائق المنشورة على الموقع الرسمي البريطاني للشركات، فإن الشركة المسماة Copperchace LTd، لا علاقة لها بإنشاء المطارات، بل أنها شركة أُسست في 20/ نوفمبر / 1990 لبيع التلفزيونات والهواتف، ولا علاقة لها بإنشاء المطارات أو أي نوع من البناء والإنشاء. وللتأكد يرجى مراجعة الموقع الرسمي البريطاني.

2- يدير الشركة كل من: العراقي، ناهض صالح جاسم والعراقية عواطف عبد علي وبول بويدل وانتوني مايرز.

3- ووفقاً للوثائق المرفقة، تعتبر الشركة من الشركات الصغيرة، وبذلك أُعفيت من الخضوع لنظام الضرائب البريطانية.

4- وفقاً للبيانات المتوفرة ليست للشركة نشاطات في بريطانيا ولم تقم ببناء أي شيء في أية مدينة في العالم.. فكيف بمطار كربلاء الدولي؟!

وبالعود إلى تقرير احمد العراقي نعلم أن هيئة الاستثمار تجاوزت صلاحياتها مرة أخرى وعلى لسان رئيسها في تصريح مصور الى قناة كربلاء بعد سفرة قام بها الى الصين بصحبة مدير شركة "خيرات السبطين" في صيف عام 2017. وقال فيه إن (دور الهيئة هو تقديم ضمانات بخصوص المستثمر للبنوك والشركات في للجانب الصيني)!

-عند وضع حجر الاساس للمطار في يناير 2017 كان الطاقة الاستيعابية مليون ونصف مليون مسافر والافتتاح بعد سنة ونصف. ولكن في شهر الرابع "نيسان" من عام 2018 واعتمادا على مقترحات شركة دار الهندسة اللبناني علما انها ليست الشركة المصممة للمطار تضاعفت الطاقة الاستعابية الى ثلاثة ملايين مسافر والافتتاح تمدد لثلاث سنوات اي نهاية عام 2020.

-أخيرا في شهر تشرين الثاني نوفمبر من عام 2018 صرح رئيس هيئة الاستثمار ومدير خيرات السبطين بان الطاقة الاستيعابية والتصاميم عدلت لاستيعاب ستة ملاين مسافر، وان الفترة الزمنية لن تتأثر بعد ان مددت سنة في تحديث شهر الرابع.

 

- إن التصاميم التي صرفت عليها الدولة أربعين مليون دولار من قبل الحكومة العراقية ودفعت الى الشركة الفرنسية المصممة تؤكد أن التصاميم هي ستة ملايين مسافر في المرحلة الأولى، ويصل الى عشرين مليون في حال تنفيذ جميع مراحل المشروع الثلاث. وهذا يعني أن المستثمر وهيئة الاستثمار صرفت أموال الى دار الهندسة اللبناني لتعود بعد عامين الى التصاميم الاصلية!

- من هي الشركات العالمية المشرفة على المشروع؟ إنها شركة "طيبة كربلاء"، تأسست عام 2017 بين شركتي "خيرات السبطين" ومجموعة "الرضا". أما استشاري المشروع ومديره فهو "منهل الحبوبي كونسلتانت".

- تأسس هذا المكتب في عام 2015 في دبي ومسجل في العراق عام 2016 ومسجل في تركيا، وليس لديهم مكتب في كندا كما يزعمون، المكتب غير مسجل والعنوان المذكور هو لصيدلية تحتوي فرع لبريد كندا، لديهم صندوق بريدي في هذا الفرع، كيف يمكن لمكتب تأسس حديثا أن يشرف على مشروع استراتيجي كمشروع مطار كربلاء الدولي؟ يتبع في الجزء القادم الخامس وفيه نتوقف عند اعتراف محافظ كربلاء المقال عقيل الطريحي بأن صاحب شركة "خيرات السبطين" وسامي الأعرجي (رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق) قد خدعاه وجعلاه يوافق على مشروع مطار كربلاء وينفذ بهذه الطريقة!

 

علاء اللامي

.........................

* روابط وهوامش:

- رابط تقرير أحمد العراقي:

http://aliraqnews.com/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/

5- تقرير صحافي يتضمن رسالة تتضمن وثائق مهمة وجّهها وزير التخطيط الأسبق جواد هاشم، الى رئيس الوزراء حيدر العبادي.

  https://almadapaper.net/view.php?cat=164435

بكر السباتينفي ضربة غير متوقعة ودون أن يتم رصدها سعودياً، شنت عشر طائرات مسيرة تابعة لحركة "أنصار الله" الحوثية اليمنية غارة على حقل الشيبة ومصفاته التابعة لشركة أرامكو العملاقة في العمق السعودي.. وهو شريط ساحلي ترابي يمتد حوالي 40 كم على طول الخليج العربي جنوب خور العديد القطري، علماً بأن هذا الحقل موضع خلاف بين الإمارات والسعوديّة رغم شراكتهما الاستراتيجية الآثمة في التحالف ضد اليمن.

من جهته اعترف خالد الفالح وزير الطاقة السعودي بوقوع هذا الهجوم، منوهاً إلى أنه تمت السيطرة على الحريق الذي نتج عنه مؤدياً إلى وقوع أضرار طفيفة لكنه في المقابل ترك أثره السلبي في العمق المعنوي للتحالف السعودي والإماراتي.

وللتذكير فإن معظم الغارات التي شنتها حركة “أنصار الله” في العمق السعودي، سواء في مدن الحد الجنوبي في جازان ونجران وعسير ومطاراتها، تجنبت إحداث خسائر في صفوف المدنيين وكانت تستهدف المرافق الحيوية أو العسكرية، على عكس غارات طائرات التحالف الإماراتي السعودي التي استهدفت مستشفيات ومدارس، وأسواق، ومجالس عزاء، وحفلات زواج، وإذا وقعت خسائر بشريّة مثلما حدث في مطار أبها نتيجة قصفه بصاروخ مجنح، فإنها حدثت بالخطأ، وكانت معظمها إصابات طفيفة رغم محاولة الإعلام التابع للتحالف التهويل من النتائج لكسب التعاطف الدولي الذي حرم منه في سياق هذه الحرب الظالمة على اليمن.

واللافت أيضاً بأن السعودية بالذات رغم هذا الاستهداف الحوثي لهيبتها وضربها في العمق الحيوي إلا أنها تقف مترددة أمام معالجة الموقف من خلال المفاوضات مع الخصم واستغلال الظروف المناسبة لذلك، علماً بأن تطورات حرب اليمن، سواء العسكرية أو السياسية منها، بما في ذلك الانسحاب الإماراتي، ونجاح قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في الاستيلاء على قصر المعاشيق، ومعظم المراكز العسكرية لقوات "الشرعيّة" وطرد وزرائها، تؤكد على أنّ الخيارات السعودية بالاستمرار، وحسم هذه الحرب لصالحها، بات ميئوساً منها ما يسترعي  مراجعات سريعة للموقف للخروج من عنق الوجاجة.. فصاحب الحق ضربته مضاعفة وسينتزعه من أشداق المعتدي رغم جبروته.. حقناً لدماء اليمنيين.

ولعل العبرة من الردع الصاروخي الحوثي الفعال هو أن يتعلم كلٌ من السعودية والإمارات كيف أن التدخلات ضد شعوب المنطقة ليست ذات جدوى وهي في المحصلة تصب في صالح أعداء الأمة وإن التفاهم الإقليمي بعيداً عن التحالف مع العدو الصهيوني أجدى نفعاً للأمة العربية وخاصة دول التحالف المصابة بالعمى الإنساني والاستراتيجي.. وتحاشياً لعواقب السياسات العدوانية في المنطقة لا بد من اعتماد قاعدة أساسية في العلاقات الثنائية بين الدول، وهي: "حافظ على صديق واصنع آخر ثم حيد عدو".. أفلا يعقلون.. عجبي..

 

بقلم بكر السباتين

 

صادق السامرائييبدو أن التفاعل ما بين المخلوق الحي والمكان الذي هو فيه، يمتلك ديناميكيات وآليات قد نراها ونعرفها، وقد تخفى علينا تماما لكنها تسري وتؤثر وتفرض قوانينها ومعطياتها.

فالمخلوق المولود في مكان ما لابد أن يختلف عن المخلوق المولود في مكان آخر، فظروف المكان تتفاعل وتساهم في صناعة حالة الحي الشاملة.

فالمكان المعيّن يمتلك عناصر ومؤثرات تختلف عن غيره، وهذا يؤسس لإستجابات مختلفة وخاصة بالمكان، ووفقا لهذه الإستجابات، فأن المخلوق الموجود في المكان سيهذّب سلوكه ويوفر عوامل بقائه وديمومته فيه، أي أن المخلوق الناجح البقاء يكتشف قوانين مكانه ويسخرها لصالحه ويبني مجتمعه وفقا لها، فلكل مكان قوانين ودستور ومعادلات لا تقبل الخطأ أو الإضطراب، لأن ذلك يحقق زعزعة في مجتمعات المكان.

ووفقا لهذا فأن المخلوقات عموما، والبشر خصوصا، يكون من نتاج مكانه وتأثيره في كل ما فيه، فالمكان يؤثر بقوانينه وعوامله الطبيعية والبايولوجية والمايكروبية والجغرافية والتأريخية والسياسية والعقائدية بتحقيق إستجابات معينة داخل الأدمغة البشرية، وبتكرار هذه التفاعلات تنمو إرتباطات تؤسس لدوائر عُصبية ذات تفاعلات خاصة ومنسجمة مع متطلبات المكان والقوى الفاعلة فيه بأنواعها.

فالبشر الذي في الشرق يختلف عن البشر الذي في الغرب، بسبب المؤثرات المكانية الفاعلة في الحالتين، وإذا ما وضعنا بشر شرقي في مكان غربي، فأنه سيصاب بالإضطراب والحيرة، ويحتاج إلى وقت لكي تتولد عنده إستجابات وتفاعلات داخلية منسجمة مع المكان الجديد، وهذا الزمن يتناسب مع قدرات ذلك البشر في التفاعل، وإمكانية دماغه على بناء الدوائر العصيبية اللازمة للبقاء الناجح في المكان الجديد، والعكس صحيح أيضا.

فترى المهاجر الشرقي إلى مكان غربي، يمر بمراحل متعددة حتى يتمكن من إنشاء أو إستنهاض قدراته الداخلية لتحقيق الإنسجام المطلوب مع مكانه، لكنه ما أن يعود إلى المكان الأول حتى تراه قد تفاعل وفقا لقوانينه أيضا وبسهولة، لأنه قد إمتلك الأجهزة العصبية اللازمة للتفاعل مع مكانه الأول، والتي لا يمكنها أن تضمر بسهولة.

 وعليه فأن السلوك البشري إبن مكانه  وهو مولود من رحمه ومعبّر عنه تماما، بمعنى أنه يكشف قوانين المكان الذي هو فيه، والتي تساعده على التواصل والبقاء وتحقيق الحياة.

فالفصل ما بين المكان والبشر خطأ حضاري، وإقتراب غير موضوعي من سلوكه.

فالعراقي مثلا، يتصرف بأساليب قد ترعب الذين في أماكن أخرى، لأن المكان الذي هو فيه وعبر مسيرات الأجيال  قد وفر العوامل اللازمة، والجراثيم المطلوبة  للتفاعلات القاسية والمريرة، مما أوجد دوائر عُصيبية قوية في الأدمغة تعززت قوتها بالتكرار الدائم، وهذه الدوائر العٌصيبية ينجم عن إستجاباتها سلوكيات متناسبة مع المنبهات المكانية، وبدورها تساهم في بناء الأجهزة العاطفية والنفسية والفكرية المتفقة معها والمعبرة تماما عنها.

فإبن الجنوب يختلف عن إبن الوسط وكذلك إبن الشمال، حيث أن المكان يرسم هذه اللوحات الثلاث ويساهم في تحقيق التنوع والتعدد الذي نراه متأكدا وممتزجا في العاصمة بغداد، لأن المكان البغداي قد منح قاطنيه حالات أخرى من التفاعل والتواصل، فالمكان البغدادي جامع مانع للتشظي، لأنه يوفر العوامل اللازمة لإستجابات شاملة مشتركة ذات ألوان متنوعة.

وبما أن المكان واحد، فأن المجتمع الناجم عن مؤثراته لا بد أن يكون واحدا، وبناءا على ذلك، فأن محاولات تقسيم بغداد بالأسوار وغيرها من الموانع والمعوقات لا يمكنه أن ينجح أبدا، لأن المكان يفرض سلطته وقوانينه ويحطم القيود والموانع، التي تحاول زعزعة قوانينه وقدراته اللازمة للحفاظ على مخلوقاته الحية وموجوداته الأخرى.

 فالمكان قوة فاعلة ومؤثرة وقادرة على تحقيق إرادتها ولديها الطاقات  الجيولوجية والبايولوجية، والقوانين الخفية السارية اللازمة للتعبير عن ذاتها وطاقاتها وفعلها  وتحقيق إرادة المكان.

ولا يمكن لمخلوق أن ينتصر على مكانه لأنه مشدود إليه بطاقة جذب قوية لا يمكن الإفلات منها، أي أنه أسير مكانه، ولا يمكنه أن يعبّر عن أي شيئ مهما كان نوعه إن لم يكن فيه من عناصر مكانه، ووفقا لقدرات ذلك الحي على فهم وإستيعاب قوانين المكان والتعبير عنها، بذكائه ووعيه وإرادته المنسجمة معها، وأي خلل في التفاعل المتوازن يؤدي إلى مآسي وويلات وخراب ودمار يتأكد في ذات الحي والمكان.

فإذا كتب المخلوق شعرا أو رسم لوحة أو جاء بموسيقى أو قصة ورواية، أو أنشأ نظاما إجتماعيا وسياسيا ومعرفيا، فأنه سيحمل مؤثرات المكان وروحه وقوته وخبرته، وأعظم الإبداعات الإنسانية هي التي تمّكن أصحابها  من إدراك قوانين مكانها، والتعبير عن ذات المكان بقدرات خلاقة وإستلهامات عالية من قلب المكان.

ولهذا فأن تفسير السلوك البشري المعزول عن مكانه يكون غير منصف وقليل الصواب مهما توفرت فيه من آليات المنطق والإقناع.

والمجتمعات القوية  الناجحة، هي التي خبرت قوانين مكانها وإستلهمتها وعبّرت عن طاقاتها من خلالها فكانت وتقدمت.

وفي مجتمعنا، نعاني من أمية مكانية شديدة، فلا نعرف قوانين الأرض، ولا نمتلك ثقافة مكانية ثرية تساهم في مساعدة أبناء المجتمع على إدراك المسارات الصحيحة اللازمة للبقاء والنماء والإرتقاء، مما أدى إلى تفاعلات ضبابية وصراعات سلبية أدت إلى جلب القوى العديدة العارفة بقوانين المكان وطبيعته النفسية والفكرية والعقائدية، وتفاعلت معها بما يخدم مصالحها ويسخر أهل المكان لتحقيق غاياتها.

وما دام الجهل بالمكان هو السائد، فأن أبناء المكان المجهول لا يمكنهم أن يدركوا المعلوم، وإنما كل ما يعبّرون عنه عبارة عن سلوك مضطرب  مشحون بالخوف والقلق والشك والحزن والألم واليأس، لأن المعلوم المكاني معدوم، ولن يتحقق إلا بالتفاعل الواعي مع المكان وإدراك قوانينه وفهمها، والإنسجام  الأخلاقي والفكري والنفسي والروحي الخلاق معها، لكي يتحقق التحرر من وعي الكرسي والإلتزام بوعي المكان.

فاعرف مكانك لتفهم سلوكك وتحقق إرادة بلادك!!

 

د. صادق السامرائي

 

اثار الامر الديواني لرئيس مجلس الوزراء ذي الرقم ٤٧ والصادر بتأريخ ٧ آب ٢٠١٩، والمتضمن استحداث مكاتب وتعيين ثلاثة وعشرين مفتشا عاما في عدة هيئات ووزارات وجهات حكومية الكثير من النقاش والسجال في الأوساط السياسية والإعلامية وبين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية خصوصا مع تصويت الاخيرة من حيث المبدأ على الغاء مكاتب المفتشين العمومين في كافة الوزارات في شهر آذار الماضي.

فما الذي جرى؟ ولماذا اندفعت السلطة التنفيذية الى هذا الامر دون مشاورة البرلمان؟ وما السبب وراء اصدار الامر الديواني مع بداية عطلة الفصل التشريعي للبرلمان وقبل عطلة عيد الأضحى الطويلة نسبيا؟ ولماذا لم تعلن قبل هذا الوقت او تعرض على البرلمان للتصويت عليها كما يقتضي العرف والقانون والدستور؟.

أسئلة كثيرة وعلامات استفهام عديدة ليس حول فحوى الامر الديواني فقط او الاسماء التي وردت فيه بل حول صلاحيات السلطة التنفيذية ودور البرلمان في الرقابة عليها.

واذا كان نظام المفتشين ومجالس المحافظات والأقضية والنواحي من مخلفات حقبة الاحتلال ، فإنها من النظم الحديثة في إدارة الدولة لكنها عانت في العراق من سوء اختيار الاشخاص اولا؛ ومحاصصة الاحزاب ثانيا؛ والفساد ثالثا.. لذلك اصبحت عبئا على الدولة والإدارة نتيجة الخلل في التطبيق ، وعلى الرغم من تشخيص هذا الخلل والتوجه البرلماني نحو معالجته من خلال التصويت مبدئيا على الغاء مكاتب المفتشين وتقليص اعضاء مجالس المحافظات الا ان رئيس مجلس الوزراء فاجئ الجميع بالأمر الديواني الاخير في تحدي واضح لقرار البرلمان وتجاوز فاضح لمبدأ الفصل بين السلطات والتعاون المرن المفترض بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في النظام البرلماني الذي كان يستوجب من الدكتور عادل عبد المهدي مشاورة البرلمان قبل اصدار اوامر التعيين او عرض قائمة الاسماء المعينين؛ عليه للتصويت او على الاقل اختيار التوقيت المناسب لمثل هذا الموضوع الحساس.

فما الذي يرمي اليه رئيس مجلس مجلس الوزراء من وراء هذا القرار، هل يريد ان يشخص الخلل في حكومته ويراقبها هو بنفسه فيكون الحكم والحاكم، ام هي محاولة لسحب البساط من البرلمان وتجريده من اهم واجباته وهو آلية الرقابة على الأداء الحكومي... لا نعرف على ماذا راهن الدكتور عبد المهدي بهذا القرار هل على كفاءة الاشخاص المعينين والذين لا نعرف خلفيات اغلبهم المهنية ام على رؤية جديدة في الادارة التنفيذية رسمها هو بنفسه منفردا ام على مشاورة الاحزاب التي رشحته فقط لمنصب الرئاسة.. وفي كل الأحوال اذا خرج الامر عن الإطار الاداري فانه سيكون محاولة للاستئثار بالسلطة على حساب البرلمان وهذا لما لا نتمناه للتجربة البرلمانية في العراق مثلما لا نتمنى ان يكون بديل التعاون المرن بين السلطات الصراع الشرس. 

 

جواد العطار

 

 

 

 

في العراق أينما ذهبت ترى مظاهر الاكتفاء المادي بل الرفاه وحتى البذخ لدى فئات اجتماعية ليست قليلة ولا يعاني الفقر إلا الفقراء الصامتون بطبيعتهم. ولكن رغم ذلك يحس المرء أنه تحت تلك الوفرة توجد مكامن للحيرة والقلق، قلق من شئ مجهول يمسك بالروح. قال لي أحدهم : "عندما أتكلم يتهمني البعض أني بعثي .... (ثم قطع حديثة شاتما: "لعنة على...") ولكن يا أخي في ذلك الزمن كان هناك شخص واحد نخشاه (من حزب السلطة) فنرضية أما الآن فلا تدري من ترضي ومن تخشى". لا أدري إن كان هذا الشخص يعبر عن رهاب متأصل ورثها من الماضي أم عن حالة خوف حقيقية إذ لم أسمع أن شخصا قد تعرض لامتهان كرامته بسبب نقده للأحزاب المشاركة في الحكم ولكني أتفهم إحساسه إن كان صادقا في نقله ولم تكن كلمة أمليت عليه من علي (بكسر العين).

وقبل ذلك وأنا في مطار اسطنبول منتظرا الركوب إلى بغداد تعرفت بالصدفة على يساري قديم لم أكن أعرفه ولكن جمعتنا ذكريات مشتركة في أحد بلدان المنفى. ومن خلال حديثي الطويل معه في صالة الانتظار كشف لي عن مزايا يساري مسالم إلى حد الرثاء وكان يتلفت يمنة ويسرة عندما أحدثه ويطلب مني أن أخفض صوتي . ويبدو أن قمع السلطة عندما يطول به الزمن لا يؤول إلى الزوال الفوري بزوال المسبب بل يولد قمعا ذاتيا. إننا إذا أمام صورة بعثي خائف ويساري يخاف أكثر منه. مم يخاف الإثنان؟ لا جواب عندي غير القول أنه المجهول. فمن أمثال هؤلاء (هكذا أتصور) كانوا البارحة يخافون دولة الحزب أو حزب الدولة لا فرق، فهل صاروا اليوم يخافون أحزاب الدولة؟ هل هذه حال العراقيين جميعا؟ من المبالغة قول ذلك لأن العراقيين لا يوفرون أحدا في النقد ولم يعتقل أو يضطهد شخص بسب النقد الذي يصل حد السباب والشتائم لأنه لا الحكومة ولا أحزابها تيبدو قلقة مما يقوله الناس ذلك أن أكثرية الأحزاب المشاركة في السلطة تجمع بين المشاركة فيها واقتسام مغانهما في لحظة ثم الانضمام إلى جمهور الناقدين في لحظة تالية.

وعدا النقد السياسي الذي يتبرأ من كل ما له علاقة بالسلطة يلمس المرء حالة التذمر التي تخص القضايا اليومية كالبطالة لدى الشباب والخدمات والبيروقراطية الإدارية والارتشاء وفوارق الدخل وغيرها. وعلى المستوى الشخصي نرى أن لكل "مواله" والذي كثيرا ما ينعكس في موقف سياسي فأحدهم، في مطار اسطنبول ايضا، جادل بتفضيل الحكم الملكي لأجده فيما بعد واقفا أمام المشروبات الروحية في السوق الحرة متحسرا ومتذمرا أنه لا يستطيع شراء واحدة لأنه من ساكني مدينة دينية تصادر فيه مثل هذه البضائع في المطار وقد يسمع حاملها كلاما مهينا. بل قرأت لكاتب يسكن دولة غربية جاء لزيارة عائلته أن شرطيا في مطار تلك المدينة قد طلب منه نزع قبعته لأنه بحساباته لا تليق بقدسية المدينة.

وعدا ذلك يغيب أي نقاش أو رأي جدي حول السياسة الاقتصادية (لا يوجد ما يمكن أن نسمية سياسة اجتماعية) المتبعة والتي أراها مغرقة في ليبراليتها بحيث يمكن القول أن العراق الآن هو البلد الليبرالي رقم واحد في العالم في زمن تداعي الليبرالية على يد أكبر دعاتها الولايات المتحدة بزعامة ترامب الذي تعيد إجراءاته الاقتصادية النظام الرأسمالي إلى زمن الحماية. فالدولة العراقية لا تتدخل في أي شأن اقتصادي كبر أم صغر عدى بعض الإجراءات الحمائية لبعض المنتجات والتي عادة ما تكون ردة فعل لصيحات المنتجين الزراعيين بشكل خاص الذين ساعدتهم الظروف الطبيعية على انتاج فائض سرعان ما ينضب ليعود المستوردون لسد النقص تيجة عدم وجود مشروعات كبيرة لتخزين الفائض أو تحويله. وبهذا الصدد ربما أمكن القول أن العراق هو أكبر سوق في العالم للسلع المستوردة إلى درجة يصعب على المرء أن يعرف ما هي استخدامات الكثير منها ولو كان العراق مكانا لإعاة التصدير مثله مثل المناطق الحرة في الإمارات لكان الأمر مفهوما.

وبشكل عام هناك الكثير مما يصعب فهمه في العراق. سياسات حكومية مبهمة مضافا لها فيض من الآراء والمواقف الشعبية التي تزيدها إبهاما.

ويرافق هذا التذمر عملية ارتكاس، أي رد فعل رجعي يجعل بعض الناس تروج لفكرة "قبل كان أحسن" أو ما يطلق عليه في مواقع التواصل الاجتماعي "الماضي الجميل". وفي كثير من الحالات يترافق ذلك مع صور من الماضي تعكس أشياء جامدة كالشوارع والمباني والسيارات والتي يبدو أن الماضي يكسبها معنى ليس فيها فهي في نهاية الأمر كينونات جامدة ليس لديها ما تقوله أو تعبر عنه سوى أن تقول أنها قديمة.

وإذا جردنا ظاهرة الحنين إلى الماضي من مغزاها السياسي (رفض النظام السياسي القائم) وحاولنا مقاربتها من منظار اجتماعي إذا صح القول يبرز أمامنا السؤال: لماذا نرى العربي ومنهم العراقي يتعلق بهذه الطريقة المرضية بالماضي؟

إن الجواب الذي قد يبدو بديهيا هو أن حاضر العربي بائس أو أن ماضيه أفضل أو أجمل من حاضره. ولكننا إذا سلمنا بهذا القول فإننا ندخل أنفسنا في حلقة مفرغة لأن ما هو حاضر اليوم سوف يصبح ماض غدا وبالتالي فإن "اليوم" الذي هو بائس يصبح غدا جميلا بعد إن يتحول من حاضر إلى ماضي وهكذا... لذلك لا بد من البحث عن إجابة في مكان آخر. لا أدعي معرفتي بالجواب الشافي ولكني أعتقد أن العربي يتعلق بماضيه لأنه لا يستطيع أن يعيش خارج إطار سلطة فوقية تقوم بكل شئ نيابة عنه تملي عليه أفعاله. وإذا ما حاولنا، وفق منطق "قبل كان أحسن"، أن نطبق معادلة زمنية سيرها إلى الوراء فسيكون لدينا الصيغة المسلية التالية:

من كان يعيش في زمن الحكم الملكي-البريطاني سوف يعتبر الحكم العثماني السابق له أفضل ومن عاش في زمن عبد الكريم قاسم سوف يعتبر الحكم الملكي أفضل ومن عاش حقبة البعث سوف يعتبر حكم عبد الكريم قاسم أفضل ومن يعيش اليوم هذه الحقبة سوف يعتبر حقبة البعث أفضل، ثم وبناء على ذلك، أن من سيعيش !حقبة مستقبلية أخرى ربما سوف يعتبر الحقبة الحالية أفضل

وبالطبع يستطيع كل واحد من هؤلاء أن يجد مبررا لتفضيله.

 أين المشكلة بالنسبة للعراقي؟ إنها تكمن في رأيي في شعوره بالعجز أو الضياع أزاء ما يبدو أنها معادلة غريبة نوعا ما. ويتمثل ذلك في أن الفرد العراقي في الظروف الحالية هو حر بالمعنى الإطلاقي للكلمة فهو حر في أن يمارس أي نشاط اقتصادي واجتماعي ويعبر عن رأيه بحرية كاملة أزاء أي ظاهرة دون خوف من سلطة قامعة ولكنه (هكذا أرى) يحس ان حريته سائبة لا يقيدها هدف ترسمه له قوة قائدة تجعل من حياته ذات معنى هذا إذا اعتبرنا أن النشاط الاقتصادي النفعي (تجاري بغالبيته) لا يمثل هدفا بحد ذاته إذ يبدو أنه لم يعد يضفي على المرء قيمة اجتماعية كبيرة. فالقوة الناشطة اقتصاديا في العراق الحالي هي نوعان: واحد يتقاضى أموالا من الدولة وآخر يبيعه سلعا وما أكثر بائعي السلع في العراق بحيث أن صفة التاجر والتي كان لها مكانتها في السلم الاجتماعي يوما ما لم تعد تعني الكثير. وحتى العمل المنتج والمبدع الذي يفترض به أن يحدد القيمة الاجتماعية للمرء يبدو أنه لم يعد المعيار الحقيقي للقيمة البشرية وحلت محله قيمة أخرى تتعلق بماذا تملك أوكم تملك. وينحصر العمل المنتج بالزراعة وبعض الورش. ويبدو لي أن المثقف أو الفنان الذي لا يملك شيئا أصبح هو السلعة النادرة في العراق. وقد تكون هذه واحدة من حسنات الليبرالية على الطريقة العراقية.

لذلك نرى أن العراقيين جميعا يمارسون النقد ولكنه نقد موجه باتجاه واحد هو الحكومة. ورغم علمهم أن الحكومة وكذلك البرلمان تحكمها أحزاب فهو لا يريدون توريط أنفسهم بالبحث عن التفاصيل أو تشريح طبيعة التجاذب والصراع بين الأحزاب لذلك تراهم يتجنبون أي نقاش في التفاصيل حتى لو كان على أسس فكرية لا تخص حزبا محددا بالنقد ويفضلون إدانة الجميع وهو تبسيط يجدون فيه ملجأ مريحا ويشاركهم بذلك الموقف اليساريون الذين يجدون في لازمة "أنها الأحزاب الدينية" ما يغنيهم عن كل زاد.

وعدا فيض النقد السياسي المسلط على الحكومة يكاد يغيب النقد الاجتماعي غيابا كاملا وهذا ما نراه في ميل بعض المهتمين بالشان الاجتماعي إلى الإكثار من الاقتباس من عالم الاجتماع الذي يكاد يكون الوحيد الذي انتجه العراق الدكتور علي الوردي رغم أن هناك الكثير من المظاهر الجديدة في المجتمع التي تتطلب بحثا والتي ولدتها سياسات الحروب الداخلية والخارجية والقمع السياسي والاجتماعي الذي شهدناها في السابق ومن ثم الانتقال (بعد 2003) إلى حالة الحرية المنفلتة والتي تتطلب هي ايضا بحثا. أي أن مهمة علي الوردي تحتاج إلى من يكملها ليس على مستوى عالم اجتماعي فرد بل على مستوى مؤسسات بحث وندوات ودراسات اجتماعية شرطها الأول أن تتسم بالجرأة ولا تراعي الموروث الجامد وهي مهمة لا شك صعبة بل وخطيرة قد تودي بحتف من يتولاها.

وأميل إلى القول أن "ضياع" المواطن العراقي، إن صحت العبارة، ناتج عن غياب سلطة حقيقية تقوده نحو هدف واضح. إذ مع نشوء الدولة الحديثة لم يعد بامكان المواطن أن يعيش خارج إطار قوة فوقية منظمة سواء كانت هذه القوة غاشمة أو قوة تعمل تحت غطاء القانون. وهذا يفسر جزئيا ميل الكثيرين إلى القول أن "قبل كان أحسن" فهو يحس أن سلطة غاشمة تقوده مرغما وفق خطوط واضحة بل حتى تحت شعارات غوغائية أفضل من سلطة غير مهيمنة لا يدري أين تذهب به حتى لو كانت هذه السلطة قد منحته حرية لم يتمتع بها من قبل. فما قيمة شئ لا يدري المرء ماذا يفعل به؟ ما قيمة حرية لا يستطيع بواسطتها أن يغير مصيره؟

لذلك يمكن القول أن أزمة المجتمع والفرد العراقي هي نتاج لأزمة السلطة المستفحل والتي لا يلوح لها حل في الأفق. هذه الأزمة ناتجة برأيي من ضعف الحكومات المتعاقبة والناتجة عن خلل الدستور الذي منح مجلس النواب سلطة فائضة استخدمها في تعطيل عمل السلطة التنفيذية . أين يبدأ المرء في عملية البحث عن مخرج لهذه الأزمة؟

عند البحث في سيرورة النظام السياسي الذي تأسس بعد 2003 يمكننا إن نلاحظ أن الصراعات التي شابت العملية بأبعادها القومية والطائفية والمناطقية (نسبة إلى المنطقة) بما فيها الصراعات ضمن نفس المكون قد أفضت إلى تحويل مجلس النواب (البرلمان) إلى مركز للقوة الثابتة لكل طرف من الأطراف السياسية بحيث لم نر طوال 16 عاما زوال أو ضعف كتلة من الكتل إلى حد يجعلها غير ذات شأن في القرار السياسي. أضف لذلك أن إدخال صيغة التوافق (رضا الجميع) قد زاد من تعقيد عملية صنع القرار السياسي وقد يكون ذلك مقصودا من خلال التدخل عن بعد في نتائج الانتخابات بحيث لا تفقد أية كتلة قدرتها على أن تبقى ذات صوت مسموع بل وقدرتها على تعطيل القرار السياسي متى رأت أن مصالحها غير مستجابة. ومع الوقت يتحول البرلمان (وقد حدث ذلك بالفعل) إلى تكتل لمجموعة مصالح حزبية متفاهمة ضمنا رغم ما يطفو للعلن من خلافات بينها. إن مجموعة المصالح هذه تمسك بخناق الحكومة (حدث هذا في السابق ويحدث اليوم) وتشل قدرتها على اتخاذ القرار الذي يخص المصلحة العامة بل وعرقلت الكثير من المشاريع التي قدمتها الحكومات السابقة تحت ذريعة أن هذه القوانين تخدم مصلحة كتلة رئيس الوزراء (دعاية انتخابية). وفي خبر قرأته مؤخرا على شاشة أحدى الفضائيات أن مجلس النواب قد أعاد إلى الحكومة 110 مشاريع قرار ولم يصادق إلا على 15 مشروعا. فهل هناك دليل أكبر من ذلك على تعطيل البرلمان للعمل الحكومي وهو أمر لم يبدأ اليوم بل منذ أول وزارة شكلت في 2004؟

وقد فشلت في السابق محاولتان للخروج من صيغة التوافق نحو صيغة الأغلبية السياسية الأولى في سنة 2014 عندما اختير السيد حيدر العبادي كرئيس وزراء توافقي بديلا للمالكي ومرة أخرى بعد انتخابات 2018 عندما اختير السيد عادل عبد المهدي كرئيس وزراء توافقي بديلا عن صيغة الغالبية التي تنافست عليها كتلتا الإصلاح التي يتزعمها "سائرون" وكتلى البناء التي يتزعمها دولة القانون.

من الذي يفشل صيغة الغالبية السياسية وبالتالي إمكانية ولادة حكومة فاعلة؟ أنها الأحزاب والكتل الممثلة بالبرلمان فيما يبدو لي خوفا من أن تقفد امتيازات السلطة ذلك أن ممارسة دور المعارض غير المشارك في السلطة يخيفها فتلجأ إلى لعبة مزدوجة عنوانها: الجسم في الحكومة واللسان خارجها. كم مر سمعنا أن أحد الكتل "تهدد" باللجوء إلى المعارضة فننتظر فلا نرى شيئا؟

إذا نحن أمام حالة يكون فيه البرلمان ليس مكملا أو معاضدا لعمل السلطة التنفيذية بل معرقلا له إلى درجة التعطيل.

 ولا يمكن ان توجد سلطة قائدة للمجتمع خارج سلطة مركزية قوية قادرة قبل كل شئ أن تفرض نفسها على الكتل السياسية وعلى البرلمان الذي أصبح، كما قلت سابقا، مركزا للمصالح الحزبية وما يتفرع عنها من مصالح فردية متشابكة. كما لا يمكن أن توجد سلطة كهذه دون وجود حزب أو كتلة قوية متجانسة تقود هذه السلطة. وهذا ما افتقده العراق منذ 2003. فالائتلاف الوطني الموحد الذي شكل الكتلة الأكبر منذ أول انتخابات برلمانية في 2004 فشل في أن يتحول إلى قوة قائدة للسلطة والمجتمع لاعتبارات كثيرة تقف على رأسها الخلافات التي كانت قائمة بين أحزاب الكتلة وعدم اتفاقها على سبيل واضح يقود إلى بناء دولة جديدة وفق الأسس التي أرساها الدستور الجديد. وقد يعزو البعض الفشل إلى أن تلك الكتلة قد تكونت من مكون معين غير أنه لا بد من الإقرار بأن ظروف تلك المرحلة لم تكن تسمح بتكوين تشكيل عابر للطائفة يملك غالبية برلمانية قائدة لأسباب معروفة.

لقد اصبح ذلك الإتلاف من الماضي وتكونت بعد 2018 ائتلافات عابرة للطائفة ولكن المشكلة ظلت كما هي وظل كل شئ على حالة إذ مرة أخرى لا نرى حكومة قوية والسبب هو نفسه: عدم وجود حزب أو كتلة متجانسة تشكل حكومة أغلبية فتقود السلطة والمجتمع نحو أهداف محددة.

وكما يعرف الجميع فإن حكومة السيد عبد المهدي هي حكومة توافق أو بكلمة أخرى حكومة تاجيل الأزمة التي نشأت بعد انتخابات 2018 حول من هي الكتلة الأكبر. ويبدو ان تأجيل الأزمة بل تأبيدها هو ما تريده جميع الأطراف السياسية طالما كان ذلك يحافظ لها على وجود مستديم في مجلس النواب وفي أجهزة الدولة.

إن سياسة ترضية الكتل السياسية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة لن تخرج البلد من أزمته. لذا فإن إخراج النظام السياسي من أزمته يبدأ بإخراج السلطة التنفيذية من سطوة البرلمان والكتل الممثلة فيه وإطلاق يدها في اتخاذ القرار.

كيف السبيل إلى ذلك؟

لا جواب عندي،

 فالسيطرة على القلاع الحصينة تستوجب حشدا كبيرا وتضحيات كبيرة.

 

ثامر حميد

 

علي عليهاهو العيد قد أسدل ستاره.. وانقضت أيامه بشكل او بآخر، وودعه العراقيون وهم بين مكذب ومصدق، أكان عيدا بحق.. أم بقايا عزاء..! فمظاهر الأعياد ليست كالتي عهدناها نحن العراقيين قديما، إذ شابتها مداخلات كثيرة، غيرت صبغتها الوردية الى ضبابية معتمة، وسط فقدان مفردات أولها الأمن والأمان.. اللذان باتا حلما وأمنية لايدري العراقيون متى تتحقق بالتمام والكمال؟!..

مضت أيام العيد وبعض منا عاش لحظاته مليا بكل ما حملت له بشائرها، فكان بها طعم مميز.. استذوقه مستعذبا حلاوته.. وهناك من مر عليه العيد مرور الكرام، وهناك من بخل عليه العيد حتى أنه لم يسلم عليه بالإشارة، فلم يصطبح في صباحاته بغير ما اعتاد عليه باقي أيام السنة. وبين ذا وهذا وذاك.. يرقد أمل ضعيف للقادم من الأيام، لا يقوى على إعلان وجوده على الأفق المنظور، بعد أن لفّته ريبة وتوجس فصار أقرب الى اليأس منه الى الأمل.

لقد مضى العيد الكبير ولم يدع خلفه من أفراح صغيرة غير ذكرى بسمة -لمن حظي بها- أما أتراحه الكبيرة فقد ترك منها بقايا دمعة.. ستتجدد مادامت مقومات الحزن قائمة في أركان البلد على قدم وساق، ولم يعد أمل استبدالها بمقومات الفرح عند العراقيين إلا بالله، وكأنهم جميعا رددوا في يوم عرفات بيت المتنبي:

عيد بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم بأمر فيك تجديد

مضت أيام العيد بتواصل العائلات العراقية المنقوص، حيث شهد غياب كثير من الأحباب والأقارب والأصدقاء، فمنهم المهاجر.. ومنهم المهجّر.. ومنهم النازح.. ومنهم الجريح الراقد في مشفى.. ومنهم الغائب عن ساحة العائلة.. تلبية لنداء الوطن في سوح الوغى.. ومنهم المغيّب على أيدي قوى الشر والضلالة.. أما الحاضرون فقد أدوا واجبات التزاور المفروض وتبادلوا التهاني شفويا من باب: (حچاية التنگال)، وهم مشغولون بالحديث عما آلت اليه أوضاع بلدهم لاسيما الأمنية والسياسية، ولم يخرج حديثهم عن أطر محددة اشترك فيها الكبير والصغير، لعل أبرزها؛ الوضع السياسي، الحقيبة الوزارية، الحالة المعاشية، الكهرباء، شبكات الهاتف، الاختناقات المرورية، جاك الذيب.. جاك الواوي... والقائمة لا تنتهي لو عددنا مشاكل المواطن ومعاناته اليومية على مدار الساعة، وبات لسان حاله يقول:

حتامَ أخرج من ياس إلى ياس

وكم أذوق وأبقى طافح الكاس

لا أبلغ الذروة العليا على قدمي

حتى أنكس للوادي على راسي

وعلى شح الفرحة وغياب الابتسامة، طوى العراقيون ما يسمى عيد الأضحى بعد أن حُسب عيدا عليهم، وبدأوا على مضض مشوار ماراثونهم اليومي المعتاد، في البحث عن أشياء كثيرة هي في حقيقة الأمر من أبسط حقوقهم في بلدهم، الذي ينعم بالخيرات والثروات، وهم يرددون مشككين: "كل عام واحنا بخير..!!".

 

علي علي

 

صادق السامرائيأفهام: عقول

الوهم: تمّسك مطلق برأي أو تصور والتصلد فيه، ولا يمكنك أن تتحرر منه أو تسمح لما يعارضه أن يتفحصه عقلك، وهو نوع من القوقعة الفولاذية التي يتمترس فيها البشر.

فالبشر مخلوق يميل للتوهم والسقوط في حبائل الأوهام بأنواعها، بل أن المسيرة البشرية في معظم أحداثها وتداعياتها وإنجازاتها محكومة بإرادة الوهم.

والأوهام البشرية تتنوع وتتعدد، والسائد منها الأوهام العقائدية والتحزبية والفكرية والفئوية والطائفية، التي تمكنت من الأجيال وسحقتها ببعضها.

ذلك أن الأوهام المتمكنة من البشر تستعبده وتسخره للقضاء على نفسه وما حوله، وكأنها طاقة إنتحارية صارخة لا يمكن ردعها أو كبح جماحها.

فكم من الأوهام هيمنت على الأجيال وتملكتها ودفعت بها إلى مصارات مروعة، ويأتي في مقدمتها الحروب الشرسة المتوحشة القاسية، لأن المتوهمين بها ينقطعون ويفقدون التواصل مع واقعهم وما حولهم ويعيشون في ظلمات أوهامهم، ولهذا تكون أفعالهم مروعة وفاحشة وغير مسبوقة.

ذلك أن الوهم من أعراض وعلامات الجنون، والمتوهمون مجانين بكل وضوح، مما يدفعهم إلى الإتيان بما لا تستوعبه الأفهام بسبب فقدان قدرات التقدير الصحيح والتقييم المعقول، فيكون السلوك معبئا بمفردات الجنون وتطلعات الأفون.

ومن أخطر الأوهام تلك التي تتصل بعقيدة حزبية أو مذهبية أو دينية، عندها تتحول إلى جحيم وتستعر فيها التفاعلات الدامية والصراعات الحامية، ويكون القتل الفاحش مسوّغا ومبرَرا ومن طقوس العقيدة.

والذي يقرأ تأريخ السلوك البشري، يتضح أمامه المزيد من الجرائم والمآثم والخطايا المرتكبة بحق الإنسانية، وفي جميع المجتمعات مهما كانت عقائدها وأديانها وأحزابها.

ولنا في القرن العشرين الشواهد العديدة على ما قامت به الأحزاب والعقائد، وما حصل في بدايات القرن الحادي والعشرين من حماقات وجرائم بإسم الدين والمذهب والمعتقد.

وجميعها وبلا إستثناء ناجمة عن أوهام إستفحلت وتمكنت من بشرها المُستعبد بها!!

فاحذروا الأوهام يا أولي الأفهام!!

 

د. صادق السامرائي

 

زيد الحليدائما اتساءل، لماذا نحن من الافراد والدول التي لا تذكر مبدعيها، او تستذكرهم إلا في مناسبات ”يتيمة “؟.. والامر ذاته، نجده في وسطنا الصحفي والاعلامي، فلا نأتي على ذكر اصحاب الاقلام المهمة، وشخصيات المبادرات في مشوارها الفني باستثناء اشارة هنا، او هناك، دون الغوص في الفحوى والمضمون.. وهذا قصور، نسجله على انفسنا، واتمنى ان يكون القادم من الايام والسنين اكثر وفاء لمن اعطوا، فطواهم النسيان ..

عطلة العيد كانت اربعة ايام، ثم اضافت لها ” اقدار” العطل التي نعرفها فأصبحت عشرة ايام، بعضنا استغلها في السفر، وآخرون في استكمال ما تأخر من اعمال البيت، وغير هذا وذاك، كانت فرصة لتبادل الزيارات العائلية، وشخصيا كنتُ ممن (قضم) من العطلة الطويلة، اجزاء صغيرة مما ذكرت، لا تستحق الاشارة، والعتب على درجات الحرارة التي وصلت حد ” الشواء ”، فأرغمتني على ان اكون (بيوتي) فكانت مناسبة لأعطي جل الوقت لإعادة (ترتيب) مجموعات من المجلات والصحف العربية والعراقية، التي احتفظ بها، وبالتالي، كانت فرصة لتصفح بعضها والابحار في موضوعاتها، واعمدتها واسماء كتاب لهم منزلة خاصة في وجداني المهني، فتوقفت امام اسم الكاتب الشهير المرحوم ” مصطفى امين ” وهو رمز صحفي كبير في مصر والوطن العربي، تجاوزت شهرته محيطنا لتصل الى العالم من خلال احداث عاشها في عهد خالد الذكر الرئيس جمال عبد الناصر، وادت الى سجنه في قضية اخذت صدى عالميا في وقتها، لا مجال الى ذكرها في حيز هذا العمود ..

لقد توقفت ازاء اسم ” مصطفى امين ” ربما بسبب وازع ذاتي، اومن اللاشعور الانساني، حيث وصفني استاذنا حسن العلوي وهو يقدم كتابي ” فم مفتوح .. فم مغلق ” بأنني من مدرسة ” مصطفى امين ” وهو وصف شعرت ازاءه بالذعر، لكني لم اتدخل في سطور الاستاذ العلوي، فأين انا من ينوع الصحافة الثر ”مصطفى امين ” الذي اتشرف ان اكون حارسا عند بوابته الصحفية، وليس من طلاب مدرسته العظيمة .. لكن ما باليد حيلة، فللعلوي الكبير رؤاه !

ولمن لا يعرف ” مصطفى امين ” لاسيما من الجيل الجديد من الصحفيين والاعلاميين، اذكر انه “صحفي وكاتب مصري، من مواليد القاهرة 1914 وتوفي 1997 ولد وشقيقه التؤام (على أمين) في منزل خال والدتهما الزعيم المصري (سعد زغلول) وألتحق بكلية (الحقوق) 1953 ثم سافر بعد ذلك الولايات المتحدة، للدراسة بجامعة (جورج تاون) ليحصل على الماجستير في العلوم السياسية عام 1938 ثم عاد لمصر ليعمل مدرساً لمادة الصحافة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مدة أربع سنوات… كانت الصحافة عشقه وعشق شقيقه” علي ”، فأصدرا أول مجلة لهما وهما لازالا في الثامنة، بعنوان (الحقوق)، ثم (التلميذ)، و(الأقلام) .. وهي مجلات اعتمدت على نقل الموضوعات المنشورة من هنا وهناك، لكنها دلت على محبتهما للصحافة، وفي عام 1930 أنضم للعمل بمجلة (روزا اليوسف) ثم أشترك مع (محمد التابعي) في إصدار مجلة (آخر ساعة) وفي عام 1944 أصدر الأخوان ” مصطفى وعلي امين ” العدد الأول من جريدة (أخبار اليوم) ثم باع لهم التابعي مجلة (آخر ساعة) لتصبح ضمن مؤسسة (أخبار اليوم) الصحفية، حتى تم إعلان تأميم الصحافة في عام 1961 لتصبح دار (أخبار اليوم) ملكاً للدولة. كان مصطفى أمين صحفيا بارعا يعشق مهنته، يتصيد الأخبار ويحملها الى حيث يعمل، يتمتع بقدر كبير من الإصرار والمثابرة، ويسعى وراء الخبر أينما كان، وكان أول باب ثابت حرره بعنوان “لا يا شيخ” في مجلة روز اليوسف…

كتب مصطفى أمين عدة أعمال للسينما، منها: (فاطمة) 1947 معبودة الجماهير) 1967 و(سنة أولى حب) 1976وتحولت رواياته (صاحب الجلالة الحب)، و(لا) إلى مسلسلات تليفزيونية في الأعوام 1978 و1994 من اقوال مصطفى امين: (ان الذين ينادون بمجانية التعليم ومجانية الدواء ينسون أن يضيفوا اليها مجانية الحب) و(الذين لم يعرفوا طعم حب أمهاتهم، لم يذوقوا أحلى شهد خلقه الله، والذين لم يستمتعوا بحب نسائهم كالذين لم يذوقوا السكر) و(الحياة لا تتوقف أبداً .. إنما تتجدد دائماً كل شيء فيها يتغير ويتبدل .. البشر يولدون ويموتون ..الأبنية تشيد وتنهار) و(أكثر الذين يجرون وراء المال يفقدون روحهم في الطريق، وما أتعس الذين يعيشون بلا روح!) و(إننا نتخيل دائما أن وراء الأشياء المغطاة جمالا أكثر من جمال الأشياء المكشوفة، فالخيال دائما أروع من الواقع) و(كل محنة مرت بي ملأت كأسي الفارغة بالصبر والإيمان) و(إنني بطبيعتي رأسمالي في أحزاني أحتفظ بها كلها لنفسي، و اشتراكي في سعادتي أوزعها على كل الناس!

هذه ومضات سريعة عن ”مصطفى امين” الذي تحتفل به مصر سنوياً، ترى اليس في العراق من امثاله .. ألم يكن (ابراهيم صالح شكر، روفائيل بطي، سليم حسون، عبد القادر اسماعيل، نوري ثابت، فيصل حسون، توفيق السمعاني، ابراهيم حلمي العمر، الاب أنستاس ماري الكرملي) وغيرهم.. وغيرهم من يستحقون الاستذكار، كأشخاص رفعوا راية القلم والرأي في العراق؟

 

زيد الحلي

 

عقدة البدوي هي المرأة؛ فهو يعتبرها عار؛ له الحق باغتصابها بقوة السلاح ويعتبر ذلك جزء من الرجولة وعندما ينتصر في الحرب على خصومه ينتهك عرضها لانها نقطة الضعف في عقلية رجل الصحراء؛ التي انتقلت من الجاهلية الى الاسلام؟ ففي الفتوحات الاسلامية؛ يتم اخذ الاسرى من النساء؛ باعتبارهن غنائم؟ لم يتغير وضع المرأة قبل الاسلام وبعده . في كتاب المراجعات {لشرف الدين}؛ الذي يعتبر من الكتب المهمة في التاريخ الاسلامي . يذكر ان النبي {ص}؛ ارسل جيش لفتح اليمن؛ وكان على راسه قائدين احدهما صحابي والاخر من اهل البيت؛ وبعد الانتصار؛ وزعت الغنائم من الاموال والاسرى ومن بين الاسرى نساء؛ دخل احدهما باسيرة واقعها؛ ثم ذهب للالتحاق بالنبي {ص}الذي كان يعتمر في مكة المكرمة لاداء العمرة؟{ارجعوا الى الكتاب اعلاه للتاكد من صحة مانقلته؛ وهو موجود في المكتبات في العالم الاسلامي!!. وفي مجزرة كربلاء؛ عندما احضر الاسرى امام يزيد بن معاوية؛ كان من بين الاسرى نساء من احفاد رسول الله{ص}؛ تقدم بعض ممن كان حاضرا في هذه الواقعة؛ بطلب توزيع السبايا من النساء عليهم  كاسرى حرب؟ عقدة الرجولة هي جزء من ثقافات الشعوب المتخلفة قبل ظهور الاديان وبعدها؟ شعر المرأة والرجل تركيب واحد؛ وهو جزء من خليقة الكائن الحي؛ فلماذا شعر المرأة يغري جنسيا وشعر الرجل لا يغري؟ فالرجل يحتاج المرأة؛ والمرأة تحتاج الرجل؛ وهي مسالة بيولوجية بحتة لا تختلف عن حاجة الحيوانات غير العاقلة للتكاثر؟.  بعد هذه المقدمة البسيطة؛ ما دفعني لكتابة هذه المقالة؛ هو قيام ايرانيات بخلع حجابهن في الساحات العامة في طهران وغيرها يطالبن بحقوقهن المشروعة المنصوص عليها في قوانين حقوق الانسان الصادرة من الامم المتحدة؟. فالفتاوي بحرمة التبرج هو اجتهاد بشري {وكما قال الامام الشافعي؛ راي صحيح يحتمل الخطا وراي غيري يحتمل الصحة؟}؛ جاء في القران الكريم {وما ابرئ نفسي ان النفس الامارة السوء..}؛ والله سبحانه جل وعلا ارجع الامور اليه مخاطبا النبي {ص}؛ {وما انت عليهم بوكيل؛ قد تبين الرشد من الغي}؛ وفي مكان اخر {كل نفس بما كسبت رهينة}. فلماذا يحق للرجل اغتصاب المرأة؛ ويعتبره تحصيل حاصل؛ بناء على احاديث ما اتى الله بها من سلطان؛ والدليل على ذلك ما قامت به المجموعات التكفيرية الوهابية وغيرها؛ في اغتصاب البنات في سن ست سنوات فما فوق!! .  تشريع هذه الجرائم البشعة؛ تعتمد على نصوص مقدسة؛ افتى بها علماء الدين عبر العصور؟ عقدة العربي خاصة والمسلم عامة هي المرأة ويعتبر اغتصابها عار عندما يتعلق الامر ببنته او اخته او خالته او عمته؛ ولكنه يعتبره رجولة وبطولة عندما يغتصب النساء من خارج عائلته؟ . هذه تمثل قمة النفاق والفاشية؛ على مبدا {قتل امرئ في غابة جريمة لاتغتفر وقتل شعب امن مسالة فيها نظر}. الصحابية الجليلة نسيبة بنت كعب قاتلت مع الرسول {ص} في معركة احد؛ وعندما سقط من على فرسه وتجمع حوله الكفار لقتله؛ القت بجسدها عليه لحمايته وتم كسر يدها في الدفاع عن النبي{ص}؛ كما اشتركت في حروب الردة؛ وقاتلت المرتدين بيد واحدة؛ واستشهدت دفاعا عن الاسلام؛ وقد مدحها احد الشعراء قائلا {لو ان النساء كمن راينا لفضلت النساء على الرجال؛ فلا التانيث باسم الشمس عيبا ولا التذكير فخرا للهلال؟. ولا ننسى الخنساء وغيرهن ممن شاركن في الحروب قبل الاسلام وبعده؛ يجب ان نشير الى المناضلة الجزائريه جميلة بوحيرد؛ التي قامت بعمليات بطولية ضد الاستعمار الفرنسي؛ ويجب الوقوف اجلالا للمناضلات الفلسطينيات اللاتي قمن بعمليات جريئة ضد الكيان الصهيوني؛ ومنهن المناضلة ليلى خالد؟. بينما حكامنا من الرجال؛ وقعوا اتفاقيات العار والهزيمة مع النظام العنصري الغاصب لفلسطين؛ واسسوا جبهة موحدة ضد الشعوب العربية؛ وسلموا القدس وبقية الاراضي العربية المحتلة لهم على طبق من ذهب . في الوقت نفسه تفتخر دعاميص الخليج بعلاقاتها الحيوية والاستراتيجية مع اسرائيل؟.

 

د. عبد الحميد ذرب

 

علاء اللاميتحيط هالات -لا هالة واحدة- من الغموض والتشكيك والاتهامات بالمشاريع الاقتصادية التي تملكها أو تديرها شركات وشخصيات وهيئات دينية عراقية. والأنكى من ذلك الفساد، والأخطر منه، هو السكوت المطبق حوله من قبل الحكومات المتتالية والجهات القضائية والتشريعية والإعلام...إلخ، وهذا أمر له دلالاته الخطيرة والكاشفة لقوة تأثير الهيمنة والتحكم التي تتمتع بها بعض الجهات المسؤولة عن الفساد في الوضع العراقي بشكل عام، سواء كانت مدنية حكومية أو دينية.

لقد تضخم القطاع الخاص الذي يمكن أن نطلق عليه "القطاع الخاص الديني" إلى درجة كبيرة، حتى صار أشبه بالدولة داخل الدولة، وشمل أغلب أوجه الاقتصاد كالنقل البري والجوي والصناعات الغذائية والاستيراد والزراعة والبنوك، بل وحشر أصابعه حتى في الصناعات النفطية كما هي الحال في مصفى كربلاء الذي تنفذه رسميا وكما هو معلن شركة كورية جنوبية ولكن بعض الشركات العتبة الحسينية تستثمر في المقاولات الثانوية الخاصة بهذا المشروع إلى جانب الشركة الكورية بطرق غامضة.

ويبقى دور المرجعية الدينية "الشيعية" العليا في هذه المشاريع موضع أخذ ورد؛ فهناك من يعتقد أن المرجعية براء من أي فساد، ولا علاقة لها بهذه المشاريع، وإنها معروفة بزهدها وببساطة حياة المرجع الأعلى - السيستاني - ذاته، وإنها حتى وإنْ كان لها دور في تسهيل ومباركة مثل هذه المشاريع، ومنها مشروع مطار كربلاء فقد تعرضت للخداع من قبل الجهات المنفذة والمستثمِرة فيه وفي مقدمتها شركة "طيبة كربلاء" التابعة للجهة المستثمِرة وهي "إدارة العتبة الحسينية". وحتى إذا افترضنا صحة هذا الاعتقاد العاطفي، فإن سكوت المرجعية عن كل ما قيل حول أوجه الفساد في هذه الأنشطة الاقتصادية وعن الاستئثار والاحتكار والحلول محل الدولة واستيلاء على أراضيها وبعض مصانعها وأملاكها يبقى مثيرا للتساؤل والشكوك.

 من هذه المشاريع المثيرة للجدل سنتوقف في هذه المقالة/ الملف عند مشروع مطار كربلاء الدولي، الذي بدأت الحكومة عبر وزارة النقل بالتخطيط له منذ سنة 2013، رغم عدم الحاجة له بتاتا، بسبب وجود مطار دولي في ضواحي مدينة النجف المجاورة، ثم أصبح مشروعا للقطاع الخاص "الديني" خلافا لكل ما ينص عليه الدستور والقوانين الخاصة بموضوع الاستثمار وبطريقة يشوبها الكثير من الغموض. إن المعلومات والمعطيات بهذا الخصوص متضاربة ومتناقضة ولا يمكن الجزم بصحتها لعدم وجود موقف حكومي رسمي من المشروع وتداعياته باستثناء التصريحات المناسباتية الرسمية القليلة والمتناقضة لرئيس هيئة الاستثمار سامي الأعرجي، وتصريحات محافظ كربلاء المقال عقيل الطريحي الذي فتح هذا الملف ولكن بعد إقالته من منصبه ما يطرح علامات استفهام قوية على سكوته حين كان في موضع القرار والمسؤولية وليس على صدقية ما طرحه علنا ولم يرد عليه المعنيون الذين اتهمهم وذكر أسماء بعضهم.

إن مطار كربلاء واحد من عدة مطارات دولية تقع في محافظات قريبة من بعضها جغرافيا إلى درجة تجعل من إقامتها أمرا مريبا من حيث دوافعها وجدواها الاقتصادية والبيئية وخارقا حتى لقوانين وقواعد الطيران المدني؛ فالمسافة بين مطاري النجف وكربلاء تتراوح بين 50 و60 كليو مترا، يمكن أن يقطعها المسافر بالسيارة في نصف ساعة أو أكثر قليلا، وثمة من يقدر المسافة بأقل من ذلك وتصل وفق بعض المصادر إلى 37 كيلومترا.

وإذا كانت الأحزاب السياسية وأذرعها المسلحة قد سيطرت على مطار النجف، الذي يشوب الغموض الجهة المسؤولة عنه، فتارة يقال إنها سلطة الطيران المدني بعد فصلها عن وزارة النقل وأخرى يقال إنها مجلس المحافظة، وحتى اقتحامه من قبل المتظاهرين في صيف 2018، فإن مطار كربلاء قد حسمت قضية عائديته كما يبدو لمصلحة الشركات التابعة للعتبة الحسينية. ومن المرجح أن ممثلي الأحزاب الذين كانوا يقتسمون غنائم مطار النجف والذين أخرجتهم التظاهرات من الباب بعد أن أصدر رئيس مجلس الوزراء السابق حيدر العبادي قراره بحل الإدارة واستبدال أعضائها عادوا من الشباك لاحقا. وكانت أنباء صحافية شبه مؤكدة قد ترددت آنذاك أن ديونا ضخمة قد ترتبت على هذا المطار تقدر بمائتين وسبعة وسبعين مليون دولار أي أنها تفوق تكاليف إنشائه، ولكن تم السكوت لاحقا عن هذه القضية ودفنها قضائيا وإعلاميا "1هامش"!

هناك أيضا مشروع لمطار دولي في محافظة ذي قار، أقيم في قاعدة عسكرية جوية عراقية منذ عهد النظام السابق تدعى "قاعدة الإمام علي"، وآخر قيد التخطيط في محافظة واسط القريبة منها ومشروع مطار ثالث طالب بإنشائه أعضاء في مجلس المحافظة في محافظة ميسان، وجميع هذه المحافظات متجاورة وقريبة من بعضها، ويمكن لمطار البصرة الدولي أن يغني عنها جميعا، مثلما يغني مطار بغداد عن مطاري كربلاء والنجف، فالمسافة بين بغداد وكربلاء مائة وكليومتران لا غير، وبينها وبين النجف 176 كيلومترا فقط. ومن الممكن والعقلاني أن تتم الاستعاضة عن هذه المطارات التي لا تقل عبثية عن أنبوب نفط عبد المهدي بين البصرة والعقبة بتطوير وتوسعة مطارات بغداد والبصرة والموصل، وبتطوير وتحديث شبكة السكك الحديدية العراقية العريقة وتحويلها الى الطاقة الكهربائية والتقنيات والعربات والقاطرات الحديثة.

إن الدوافع لإنشاء المطارات من قبل المجالس المحلية في المحافظات أو من قبل الهيئات الدينية وإدارات العتبات المقدسة وشركات القطاع الخاص الأخرى عموما لا تخرج عن إطار المنافسة الساذجة بين مجالس المحافظات والهيئات الدينية، والتباهي والترويج السياسي والانتخابي لبعض الأحزاب والكتل وأخيرا - وهو الأهم - الاستحواذ على الأموال الطائلة من موازنات وعائدات تلك المطارات حتى لو كانت المسافة بين مطار وآخر لا تزيد عن 50 كم كما ذكرنا.  وهكذا صرنا نجد محافظة فيها مطار دولي ولكننا لا نجد فيها طرقاً صالحة لسير السيارات أو أن شوارع أحيائها تغمرها النفايات ومجاريها الصحية مهترئة وتعود إلى منتصف القرن الماضي وتصب ملوِّثاتها في الأنهار العذبة!

نعلم من تقرير صحافي نشر يوم الأربعاء 28 تشرين الثاني 2018 "2" أن رئيس هيئة الاستثمار العراقية سامي الأعرجي، صرح أن "مشروع مطار كربلاء الدولي عمله متقدم ويسير وفق الخطة الزمنية التي أعدت للإنجاز"، في حين أن العمل الحقيقي في المطار متوقف منذ نحو ستة شهور (الكلام هنا في نهاية عام 2018)، بسبب نزاع قضائي بين الممول وائتلاف الشركات المنفذة. ويؤكد شهود عيان صحة ما ورد في هذا التقرير الصحافي ويقولون إن مشروع المطار لم يتقدم عمليا كثيرا خلال العام الماضي، وهو يراوح في مكانه وأن الجهات المسيطرة عليه تواجه مشاكل ودعاوى قضائية عديدة.

غير أن مصادر قريبة من إدارة المشروع تقول إنَّ نسب الإنجاز في برج المطار بلغت 80% وهي النسبة نفسها التي رأيناها في آخر الصور الملتقطة قبل عام للبرج، أما في البنايات الساندة فبلغت نسبة الإنجاز 70% وفي المدرجات فقد بلغت 40%، وهذه الأخبار قالتها مصادر خاصة وفردية غير رسمية، حيث غابت أخبار مشروع المطار عن التداول الإعلامي منذ عام كامل وتوقف موقعه على مواقع التواصل الاجتماعي بتاريخ 15 آب أغسطس من العام الماضي"3" عن التحديث والنشاط.

من الواضح أن (دوافع إنشاء المطار تنافسية إلى حد ما، نظرا لرغبة كربلاء في الحصول على مطار على غرار ذلك الذي تملكه مدينة النجف. حيث لا يفصل بين مطار كربلاء وموقع مطار النجف إلا نحو 50 كلم، وهي مسافة قصيرة للغاية في الحسابات الهندسية وقد تسبب تداخلا في المسارات الجوية.

وذكر التقرير أن مكتب المرجع السيستاني قد أقرَّ خطة تنفيذ مطار كربلاء، لكن وسطاء سهَّلوا حصول شركة معينة لا تمتاز بالرصانة على العقد بالتواطؤ مع شخصيات سياسية إسلامية مؤثرة وبتسهيلات كبيرة من وزير النقل الأسبق باقر الزبيدي.

 

علاء اللامي

......................

* روابط :

1- خبر عن ديون مطار النجف البالغة 277 مليون دولار:

https://www.facebook.com/YC.Iraq/videos/2006208423024225/

2- رابط التقرير الصحافي "تلكؤ تنفيذ مطار كربلاء":

https://alarab.co.uk/%D8%AA%D9%84%D9%83%D8%A4-%D8%AA%D9%86%D9%81%D9%8A%D8%B0-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9

3- موقع مطار كربلاء الدولي على الفيسبوك لم يتم تحديثه منذ عام كامل:

https://www.facebook.com/KIA.PROJECT/?__xts__[0]=68.ARD4EtlgA29Zp0jZ2SOy_Jd2-6KS2RPr7XvJ7tePUfeYyfQkE6zilH5BANhnAHcISezdzNraK0PQ6YaS7V8AOyJhSgKFRvXF9TaD_b1HpdrLAGvyiNha31Zhh_lt1gaAgybMRUmxjmIcpCqKanfzp4bfadb4H4rCdpVZaZkL2F2QTHvXu2gWYyDXEkQxLvcnugzbJSA9S6N5iDoSl2bao1bdpTBi-tdfU9599nsZbSQiBBqveDsrLWYmtcgy-JJ39sEhM4WcRkr81oTAYSIo3D6WURKlbmiC3Ue6ZMUFgiHZf4tBkqqWpLSlv1Hbmk0kWjiaoU9KgpZiKBJoirosIMy5RJCO&__xts__[1]=68.ARCPlyhdA_vRb5CLc42wPdd_5y5vebykC2CtX6wMRXd_TqkBqYSVSSFjyZC5w3gcC7qN_IRnK2xUcTCsUovV317xRw0mLEsq1mv60O5mc81yLEeTROl1pFzMubJKPoW0ik-AFXjnlBWMmeB7Wjp4XcCGEtPT8VgXRmY2G-7DDanCwPteG2e1c4ItUAHnhwYUhtLewEpIy8Az7wUKi1hJPKgMsOSEvGo9bxmgVGDu6t-1JMWSp8D-ymqsF4w8gjRAJrDNIyO-O_l3mXY7x5ufuRRH2z5zGmAc9kCQyI68f5gePXdJGY3qq1tLA2Rly9MPY_6oj_HuI5zgTvy6VSjuWqbACeRWaqhBkcvhtmgbMj0JYAjNWbFZwJ_8rrKwMia9NiKv6ZH-ngtzHxDRDq783a59tVTv58KwP0oskTKI4oujMLIjH3vg&__tn__=kC-R&eid=ARCKspuTjfTzJQntJ7PweAGw6sT8hcokRNkIYzi8gYdNrT9EYZxDJ69plBvJyJgkw60T5UwRs57FvfK4&hc_ref=ARRyJv4umM3i649v9FzsRv2ToMV_M6SeWBnTOgy-mkqNFTpQz_IiSOHJM4zzPK6DcPk&fref=tag   

حميد طولستوالله إن الشعب المغربي لشعب جبار ويستحق حقا أن يفتخر بالانتماء له، شعب لا يستسلم السواد الأعظم من مغلوبيه أمام جبروت الثالوث المرعب، رمضان والعيد والدخول المدرسي، الذي يتناوب عليه في توال محكم، حيث أنه، وقبل أن تنقشع روائح الشباكية والبروات والحرشة والملاوي وباقي شهيوات سيدنا رمضان التي حاصرت "مناخير" المقهورين داخل البيوت وخارجها في الأسواق، والأحياء، والأزقة الضيقة وحتى في "بيبان الديور" والتي أصابت هي والعدس والفول والحمص و"مطيشا" ميزانياتهم بفقر دم مزمن، وقبل أن تزول دوخة سهرات الليالي الرمضانية الروحانية منها والترفيهية، من الرؤوس، حتى امتلأت الدنيا فجأة، وفي غفلة من الناس، بروائح التوابل والفحم والتبن والعلف محتلة مكان روائح الشباكية والبروات والحرشة والملاوي، مصحوبة بتبعبيع الأكباش التي انتشرت في كل مكان بلا استثناء، وبكثيرة مثيرة، وتنوع ملفت، وأثمنة متفاوتة حسب النوعية والمنبع، من السردية السمينة المكتنزة، إلى البلدية المعلوفة أو الرعوية، والتي يقف من هم على باب الله من بسطاء القوم وفقرائهم، أمام ألوانها وأشكالها المغرية، مشدوهين تشدهم إليها رغبة "التبوريد" على لحمها في اليوم الموعود، أعينهم مشتهية وايديهم قصيرة، تغلها المزانية الكسيحة، التي لم تكن تسد مصروفات أسرهم في الأيام العادية، فما بلك بعد أن بهدلتها المناسبات المتلاحقة، رمضان والعيد الكبير والدخول المدرسي، الدخول الذي سئم الآباء شبح أدواته ولوازمه من أقلام ومنشفات وكتب و" كرطابلات " وكراسات، ومراجع، ومقررات، التي التي أطلت مباشرة بعد نحر الأضحية، لتأتى على البقية الباقية من صبر وتصبر المواطن المغربي، نجم المعارك المأساوية، المنذور للاطمأنينة إحباطاته، الحامل لرايات اليأس والمآسي والقلق، الذي لا يجد في خضم تيه الهواجس الاستهلاكية الطارئة والمتوالية، إلا الاستسلام لشركات الكريدي المتخصصة في تلقف بؤسه المفتعل بأذرع مفتوحة 180 درجة، لتقدم له العطايا الحاتمية، والهدايا التكريمية اللامحدودة من كل أنواع السلفات التي هي مرة "مضوبلة" ومرة أخرى ثلاثية الأبعاد، أو ثلاثة في واحد المصحوبة بالهدايا المغرية، التي يعتقد معها أكثرية المحتاجين أنها الحل الأمثل والوحيد لكل المشاكل الاقتصادية التي تعترض مسار حياتهم، والتي لا يستفيق مما تلبسه منها وبها، إلا بعد أن يكون الطوق قد أحكم قبضته، وأصبح رهينة متطلبات المقرضين وشروطهم، راضخين لقواعدهم، أسرى لبرامجهم..

وفي الختام وبهذه المناسبة أتمنى أن يتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وأن ينضج وعينا بالدور الحقيقي لهذا العيد حتى نتمثل ما يحمله من معاني التضحية والبدل ومغازي المحبة الخالصة القوية وآثرها العميقة والمستمرة،، وكل عام وأنتم بالف خير.

 

حميد طولست

 

علي قاسم الكعبيبين مُكذب ومٌصدق ومتيقن وظان تتصاعد جعجعة الحرب في الخليج على بعد امتار منا، وتنقل صور القنوات الفضائية بالمباشر حركة السفن الحربية واستعراض العضلات بين قوتين كبيرتين أحدهما عظمى والأخرى اقل منها وكلٍ يريد أن يبعد النار عن مصالحة وكل يريد أن يظهر بمظهر القوي المنتصر فلا أحد يؤمن بالهزيمة مطلقا لأنها تعني الخروج من اللعبة مبكراً، وفي ظل هذا التوتر بين هاتين القوتين ثمة مستفيد وآخر متضرر فدول الخليج تًمني نفسها بأن تزول دولة إيران الى الابد حتى يغمضُ لها جفن وتدفع باتجاه إقناع شرطي العالم امريكا للمواجهة اليوم قبل غدا وبطبيعة الحال هي لا تريد أن تضحي بجندي واحد لأنها منشغلة في ملفات اخرى كملف (سوريا واليمن وليبيا والسودان) وهذا من حقها لأنها تمتلك الأموال وهنالك قاتل مأجور يقوم بالمهمة نيابة عنها فما الضّير بذلك!!، وعن الاستفادة فهنالك إسرائيل المستفيد الاكثر فهي تبحث عن التودد مع العرب وتظهر بمظهر الحمل الوديع الهاب لنجدة العرب اذا ادلهم بهم خطب؟

ومن اجل غلق ملف فلسطين من خلال صفقة القرن او غيرها وقد وجدت عند العرب تبادلاً في الرغبات أيضا ويقابلها العرب اليوم بهذا الشعور فهي تتمنى أيضا زوال دولة الملالي وينتهي الى الابد تدخل إيران بقضايا العرب المركزية والمطالبة " بالقدس "وتسدل الستار عن الشعارات الرنانة وينتهي الحديث عن الشيطان الأكبر ومن هذا القبيل التي تُشعر العرب بالخجل من شعوبها .وطبعا هنالك آخرون مستفيدون صغار أيضا لسنا بصددهم وثمة متضررين أكثر من الدولتين المتصارعتين وهنا نقصد العراق الذي يحاول جاهدا مسك العصا من المنتصف لكن دون جدوى فهو يعلم علم اليقين ان قيام الحرب وتنفيذ إيران وعودها بغلق مضيق هرمز سوف يٌحطم العراق ويوقف الحياة فيه وستكون له نتائج كارثية اذا ما علمنا إن العراق يعتمد كليا على النفط وفي حالة حدوث الحرب سوف يتوقف التصدير عبر الخليج والذي يصدر من اماكن اخرى لا يصَمدُ إلا أيام قلائل في المقابل ان فتيل الأزمة يزداد توهجاً بعد أنباء عن بناء تحالف عربي تـقوده واشنطن وتدخل فيه إسرائيل كعضو فعٌال لتقلب الطاولة وتزيد في تعقيد الازمة ويضاف عليها ان بريطانيا ابدت تخوفها من تنامي الخطر الإيراني معلنة ارسال سفن حربية الى الخليج لبسط الأمن .

خاصة بعد احتجازهم لناقلة نفط ايرانية على متنها٢مليون برميل نفط ايراني، ان التخوف الإيراني من قيام هذا التحالف هو ايضا يُخيف العراق وهذا ما نقلة العراق لواشنطن معلناً صراحةً انه يرفض هذا التحالف واذا قراءنا زيارات البعض نجد هنالك خلف الكواليس يجري التحضير لأمور اخرى بعيدة عن جعجعة الحرب وهذا ما تبين بعد زيارة وزير خارجية طهران الى الدوحة وكذلك لا تقرا هذه الزيارة بمعزل عن تغيير لهجة الامارات من التصعيد ضد ايران وكذلك تطورات احداث اليمن والحديث عن اختلاف واضح بين ابوظبي والرياض في ملف اليمن والخسارة الثقيلة في سوريا فطهران تتقن فن المراوغة ولها نفَس طويل بالمفاوضات وقد تنجح في نزع فتيل الازمة ولو مؤقتا حتى تلتقط الانفاس .

لكن السؤال المهم هل العراق قادر على عمل شيء ليوقف الة الحرب؟ قد يكون العراق نقطة التقاء وتبادل مصالح بين واشنطن وطهران فكلا البلدين يهمهما ملف العراق وكلا يريد أن يُضم العراق الى فريقة لمصالح انية ومستقبلية، وعلى الارض فالعراق ليس بالدولة التي تستطيع فرض ارادتها على الطرفان ولم ينصت لها احد واكتفت بدور ناقل الرسائل لا الوسيط لان في للوسيط مواصفات غير متوفرة في العراق اليوم كون واشنطن تنظر للعراق بانة ايراني والعكس تراه ايران؟ فضلا عن كونها لا تمتلك اي قوة او سلطة لحماية سمائها وبحرها لابل انها غير قادرة على حماية نقلات نفطها من خلال زوارق بسيطة، فضلا عن حماية موانئها التي تنتهك من قبل دول الجوار هذا من جانب ومن جانب اخر ان الحكومة العراقية اعلنت صراحة بانها ليست دولة وسيطة بقدر ما تنقل تفاهمات!! وفي المقابل فان واشنطن اعلنت انها كلفت اليابان كوسيط لخلق تفاهم مع طهران من جانبها الاخيرة اختارت صديقتها سلطنة عمان كوسيط مع واشنطن لأنها استخدمت سياسة النأي بالنفس دون الدخول في صراع لا مع طهران ولا دول الخليج وهي قريبة من واشنطن وليست بعيدة عن اسرائيل؟ الامر الذي يمنحها قوة التأثير على الطرفان...

 

علي قاسم الكعبي ..

 

علي عليلو جمعنا ما كتب عن مسؤولي البلد وساسته السابقين واللاحقين، وتقصيراتهم المتعمدة وغير المتعمدة، ما أظن أن مكتبة بحجم قصر شعشوع بإمكانها احتواء كل تلك الكتابات. ولكن لو نظرنا الى الحالة بمنظار أوسع، ونعيد توجيه أصابع الاتهام بشكل أكثر شمولية وإنصافا، سنكتشف ان للمواطن أيضا دورا في تردي جوانب كثيرة في البلد.

وبمقارنة مع باقي بلدان العالم، نرى ان هناك مناسبات تهتم بها الشعوب والحكومات على حد سواء، كمناسبات إحياء ذكرى شخصية لها وقع في تاريخ ذاك البلد، كذكرى وفاة او ميلاد عالم او أديب او رجل دين، ممن لهم بصمة وأثر يقفو على أثره اللاحقون من الأجيال، ومنها مناسبات وطنية ودينية وتاريخية واجتماعية، ومنها مناسبات استجدتها واصطنعتها الشعوب او الحكومات على مر الزمن، منها أسبوع النظافة، اسبوع المرور، اسبوع الأرض، اسبوع الشجرة. وفي كل اسبوع من هذه الأسابيع تشترك مؤسسات الدولة والمؤسسات المدنية في تطبيق طقوس وشعائر هذا الاسبوع، وبذا يترسخ مفهوم الوطنية والإلتزام به. وما اختيار اسبوع واحد لمثل هذه المناسبات إلا تذكير بأهمية هذه الممارسة لتمتد وتستمر باقي أيام السنة بنفس الهمّة والإهتمام.

هنا في عراقنا؛ لنا من تنوع التضاريس الأرضية بين سهول ووديان وجبال وصحارى وأهوار، مالا يحده بصر ولا يقف على نهايته نظر، وفيه من فصول المناخ أربعتها. أليس من الأولى بنا جميعا؛ شيبا وشبابا ومسؤولين وقيادات حكومية ومدنية، الاحتفاء به وإدامة أرضه ومائه وسمائه لتدوم خيراته لنا وللأجيال بعدنا؟ أوليس الأجدر بنا أن نتعلل الأسباب لخلق المناسبات التي تزيدنا التصاقا بتربة عراقنا، وتطبيق طقوس محبتنا بين الحين والآخر لنتذكر ان السلام والأخاء والحب لن يرحِّله عن أرضنا ساسة وأنظمة، يجيئون ويروحون بسياسات وممارسات يهدفون منها تشتيت اللحمة بين النسيج الوطني الممتد في عمق التاريخ أكثر من أربعة آلاف عام في أرض وادي الرافدين. ولاأظن من بين الساسة والمسؤولين من لا يدرك أبعاد ما يفعله من سلبيات تعود بالضرر على منصبه ومؤسسته، وبالتالي على المواطن والبلد بشكل عام، فجميعهم لم يكونوا قليلي خبرة حين تسنموا مناصبهم، كما أنهم من غير المعقول ان يعبثوا في أرضية سفينة هم من ركابها، كما لا يعقل ان (يهجم) إنسان سوي بيته بيده، كذلك لا يعقل ان يسعى الى إضرام النيران في بيته.

لكن واقع الحال فيما يجري في العقد ونصف العقد الأخير في بلدنا يعكس غير هذا تماما، إذ ما من مفصل من مفاصل الدولة إلا ويمخر به الإهمال والتقاعس والخراب، والعجب -كل العجب- أن هناك مفتشية في كل مؤسسة حكومية وظيفتها متابعة السلبيات التي تستجد فيها، ومعالجتها داخل الوزارة، فإن كان تقصير من موظف او إهمال من مدير فهناك قانون ينص على عقوبات ردعية، بين إلفات نظر وقطع راتب وتوبيخ وغيرها من العقوبات. فهل هذا يحدث بحق المسيئين؟

وإذا كان العامل مسيئا والموظف مسيئا والمدير مسيئا والمفتش العام مسيئا والوزير مسيئا، وقبل هذا وذاك المواطن مسيء، فمن هم ياترى أبناء الوطن؟!

 

علي علي