صادق السامرائيالسلوك منظومة تفاعلية تؤسس لها افكار قائمة في الأدمغة ولها دوائرها التواصلية العصيبية التي ينجم عنها ما يتوافق وما فيها من الرءى والتصورات.

فالذي يتلجلج في الأدمغة يكون حتما في الواقع الذي تتحرك فيه، وتعبر عن محتواها المتطلع للتكون من حولها، فالواقع مرآة ما فينا، وهو رمزنا الفعلي وتواصلنا العملي ما بين الذات والموضوع.

وطبيعة الأفكار الفاعلة في الأدمغة تتواءم مع طبيعة الصورة القائمة في محيطها، ولا يمكن الفصل بين ما هو قائم وما هو نائم، كما لايمكننا الجزم بأن ما هم قائم لا يبشر بقادم.

ووفقا لهذه المفاهيم فأن السائد في وعينا الجمعي يرسم خارطة أيامنا ويصنع كينونتنا التي نتماهى فيها وتدلل علينا فتؤكدنا أو تلغينا.

وسأتناول بعض الموصوعات التي لها الدور الفاعل في ترتيب أوضاعنا السلوكية المهيمنة على وجودنا.

أولا: الغباء السائد والذكاء البائد!!

العالم المعاصر ميدان لصراع وتفاعل الأذكياء.

وكل أمة تؤهل أذكى أبنائها ليكونوا في مقدمة الركب.

وتحملهم مسؤولية الحاضر والمستقبل، وإرادة المصير.

والمجتمعات القوية ذات قدرات وطاقات ذكية.

والمجتمعات الضعيفة ضحية الكراسي الغبية.

وكلما إزدادت المسافة ما بين درجات الذكاء والغباء، إزدادت الفواصل ما بين الحالتين.

فالذكاء قوة.

والغباء ضعف.

وجمهرة من العقول الذكية المتفاعلة، تؤسس لحالة ذكية فائقة ومتميزة.

ومجموعة من العقول الغبية، تؤدي إلى صياغات أشد غباءً من واحدها.

وفي هذا الخضم القائم في الحياة، تتحدد معالم وإتجاهات الصيرورات الوطنية والمصيرية لكل مجتمع.

ففي المجتمعات المتقدمة يكون القادة، أكثر ذكاءً من المجموع العام، والمجتمع يمتلك آليات لتأهيل الأذكياء للوصول إلى مقدمة الركب وقيادة المسير، فيكون التفاعل والتنافس ما بين جمهرة الأذكياء، والمُعبّرين عن ذكائهم بما أوجدوه من مؤسسات ومشاريع، وصناعات ومبتكرات وإختراعات ، ومنطلقات لرؤية الحاضر والمستقبل.

وفي المجتمعات المتأخرة، يكون القادة أصحاب ذكاء ضمن المعدل العام أو أقل منه، ولا تجد بينهم مَن هو صاحب ذكاء فائق، لأن هذه المجتمعات أوجدت آليات لإبادة الأذكياء، وطردهم وتهجيرهم والتخلص منهم، ذلك أن معاشر الأغبياء هم الذين يتمتعون بالقوة والقرار.

والذكاء يقاس اليوم من الكلام، والخطب والقدرة على إستخدام اللغة، ومن القرارات وإمكانية إدارة الحوار والتفاعل مع الآخر، وفي قابلية حلّ المشاكل والثقافة العامة.

ولو قيّمنا أصحاب الكراسي في مجتمعاتنا، لوجدناهم يعجزون عن حل المشاكل، بل بوجودهم  تتفاقم، والأوضاع تتأزم، وتراهم يتمتعون بإدامتها والتوحل فيها.

ولو قارنا بين أي مسؤول في المجتمعات المتقدمة، وأي مسؤول في مجتمعاتنا، لإتضح الفرق في درجة الذكاء.

فتأملوا ما يحصل في مجالس المجتمعات المتقدمة ومجالس مجتمعاتنا، وقارنوا قدرات الخطاب وإستعمال اللغة، والنباهة والبديهية وسرعة الإجابة الدقيقة، وقدرات النظر والتقدير، وستعرفون لماذا نحن لا نستطيع حل أي مشكلة، وهم مؤهلون لإيجاد الحلول لأية مشكلة؟

فهل من إرادة وآلية لدفع الأذكياء إلى مقدمة ركب الحياة، في مجتمعاتنا المبتلاة بغيرهم، لكي نعاصر ونكون؟!!

 

ثانيا: الإنفعالية السائدة والعقل المأزوم!!

الواقع العربي إنفعالي الطباع والسلوك ولا يمكن للعقل أن يجد دورا وتأثيرا فيه، والمصيبة الكبرى أن مؤججات الإنفعالية تتراكم وتتفاقم، ومعززات العقل تتناقص وتغيب، وتلك محنة جوهرية تساهم في تنمية الإنكسارات وإستلطاف الخيبات والقهريات، والتغني بالمظلوميات والحرمانيات وغيرها من السلبيات والإنكسارات.

ليس ما تقدم حكما مُسبقا أو رميا بسوء، وإنما واقع مرير تعيشه الأجيال وما وجدت لها منه مخرجا، فوصلت بها الأحوال إلى ما هي عليه اليوم من السعي إلى الهروب والهُجران، للتخلص من محنة الموت في الأوطان المعبأة بالعدوان.

والمشكلة أن المجتمعات تمر بسورات إنفعالية ينتفي فيها العقل وتتسيد أمَارات السوء، ولكن وقتها معلوم ولا يدوم، كما هو دائم ودائب في المجتمع العربي، فالمجتمعات الأوربية وغيرها مرّت بفترات زمنية ذات نزعات إنفعالية هوجاء، لكنها هدأت وعادت إلى صوابها وأبصرت طريقها، أما المجتمع العربي فأنه في دوامة مفرغة من الإنفعالات التي محقت العقل وأبعدته عن الواقع والحياة، وجعلت الأجيال تتوارد إلى أجيج ونيران وتتمتع بسلوك الإنحطاب، والغياب اللذيذ في كهوف الضلال والبهتان الخصيب.

هذه العلة المريرة أسهمت فيها قوى خارجية وفقا لمنطوق مصالحها ومشاريعها، وقوى إقليمية، والأهم من ذلك قوى داخلية عربية، قررت أن تكون كرات  تركلها أقدام القوى الأخرى وتضعها في المرمى الذي تريد، فتحقق بواسطتها أهدافها، وتمرر مشاريعها، بخسائر قليلة جدا.

فالعاطفة يؤججها العرب وخصوصا الإعلام الممول والأقلام التي تكتب بمداد مَن يدفع أكثر، ويرعاها الجهل وسياسات التخويف والترعيب العاصفة في المجتمع  الذي يعيش حالات طوارئ منذ عدة قرون، وما رفعت عنه هذه الحالات وإنما تواصلت وتعاظمت، كما نشهده في العديد من الدول التي تقف على أطراف أصابعها وهي على شفا حفرة من النار أو فيها.

وفي خضم المكتوب الإنفعالي لا يمكن للمكتوب العقلي أن يجد له موضعا أو مَن ينتبه إليه ويدركه ويعمل بموجبه، فالطائفية والفئوية هي القانون والوطنية أصبحت هذيانا وتخريفات على سطور، فلا بد من الكتابة بحبر الإنفعال لكي ينتشر المقال ويساهم في صب الزيت على النيران، وإتساع مساحة الحريق والتدمير والتهجير والثبور والخسران الأثيم.

وما دامت الأقلام تدوسها أقدام الكراسي وعجلات المآسي، فأن المجتمع يتدحرج على سفوح منحدرات حادة، ستأخذه إلى إمبراطوريات أبي لهب وكل واحد من حوله حمّال حطب!!

عاشت العواطف والطوائف ورحم الله الذين لا يبصرون كيف بأندلسٍ دقت أجراس عطب؟!!

ثالثا: الموت السائد والحياة المنهزمة!!

البيئة العربية الإجتماعية والنفسية والفكرية والثقافية يسودها الموت،  مما ينعكس على جميع النشاطات والتفاعلات الحاصلة في الواقع العربي.

وهذه الثقافة الموتية تسربت إلى دياجير اللاوعي وتخللت في مسامات الرؤى والتصورات والمعتقدات ، حتى أنها حلّت في الطعام والشراب والهواء، فما عاد للحياة فجوة أو فرصة وقدرة على التواصل والتفاعل والتمدد والإتساع، وإنما هي في حالة إنحسارية يائسة بائسة باكية حزينة متوشحة بالنجيع.

فما تخطه الأقلام وتتفوه به الألسن وتطرحه العقول وتعبّر عنه التفاعلات والسلوكيات اليومية المتنوعة، تعزيز لمنحى الموت ومعاداة لمَواطِن الحياة ونوازع التطلعات لحاضر سعيد ومستقبل رغيد.

فالأنانية والمصالح الشخصية المقيتة تمكنت من الكراسي، حتى صار الشعب يولي عليه السراق والفاسدين والخانعين للآخرين، الذين ينفذون أجندات الويلات والتداعيات والإستثمار بالنكبات، وكلها تعمل بجد وإجتهاه وهي ترفع شعار " إذا لا تستحي فافعل ما شئت"، وقد مسحت آخر قطرة حياء من جبينها المعفر بالذل والهوان والمخازي الجسام.

وهذه العوامل المميتة التي تداخلت في صناعة الواقع المرير الذي تعيشه المجتمعات العربية وتتمحن فيه،  وكأنها في أوحال الويلات والتدهورات السيئة والخسائر الفظيعة الشنيعة المهيمنة على آفاق الوجود البشري، والمؤدية إلى تصاراعات إتلافية وإنحدارات إنقراضية قاسية ومدمرة للمدن والعمران.

فالتكريه بالحياة وتحبيب الموت من الثقافات المنتشرة في العديد من المجتمعات، مما تسبب في تشويش في الرؤى وخلل في التفكير البشري، ودفع لليأس والقنوط وعدم الإكتراث بما يجري وما ستؤول إليه الأحداث، وما ينزل على البشر من الويلات والتداعيات.

وكأن البشر قد جاء ليموت وحسب، وعليه أن يلغي مسيرة وجوده ما بين الولادة والموت، وأن الحياة نكتة أو ورطة، أو توحل أليم، وإنه وُجِدَ عبثا، ولا غاية معلومة أو واضحة من وجوده حيا وساعيا فوق التراب.

وفي هذا إفتراء على رسالة الإنسان ودوره الإيجابي الصالح،  لإرساء معالم الطريق الصاعد نحو أرقى سبل التعبير عن الإنسانية، التي تجسد معاني الخلق وتترجم أفكار السماء وتصنّع القيم والمعايير في مشاريع وبرامج سلوكية، ذات مردودات فاضلة ومطورة للتفاعلات الأسمى والأرقى.

فالإنسان مخلوق ليعمّر الأرض ويسعى في مناكبها طيبا عزيزا حرا كريما يعرف حدود خالقة ورسالته، وعليه أن ينقب في أعماقه ليستخرج منها جواهر التطلعات والتصورات، القادرة على المساهمة في رسم لوحة الوجود الأجمل.

فالموجودات طاقات متفاعلة وقدرات متطورة متوثبة للنهوض بمهام التحرر من الإنحباس في وعاء محكوم بالجذب والتنافر والدوران، وبهذا الهمّ والتوقد الوعيوي والإدراكي، يمكن للإنسان أن يشيّد عمارة الرسالة الخلقية الطاهرة النقية المتسعة، المستوعبة لجماهير الأجيال الوافدة الحالمة بالوصول إلى ذروة السعادة الوجودية، والتعبيرات الخلقية الصاعدة نحو آفاق المطلق الخفاقة بالقيم الكبرى الصالحة، والمتفقة مع إيقاعات الكون وألحانه ونغمات ما فيه من نبضات وتطلعات سرمدية.

وعليه فلا بد لنا أن نعمل على سيادة ما هو إيجابي وتفاؤلي وإقتداري، لكي تعبق الأجيال من ضوع الحياة، وتتعلم كيف تبني وتيتكر وتنطلق في مشيرة إنسانية سعيدة ذات معاني حضارية وعطاءات وارفة تتنعم بها وتتفاخر، وتتواصل بتطويرها ومواكبتها مع عصرها المتجدد المتوثب في آفاق الإبداع المطلق الفتان.

فهل لنا أن نتمسك بما يجيينا وننأى عن الذي يميتنا وينهينا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

حميد ابولول جبجاب ان تسارع الاحداث في الآونة الأخيرة والصراع القائم بين الولايات المتحدة الامريكية وايران والتعزيزات العسكرية الامريكية الايرانية في منطقة الشرق الاوسط الا هي رسائل تهديد لمنطقة الشرق الاوسط بصورة عامة من اجل الهيمنة على المنطقة .

قبل الخوض لابد من عرض الخلفية التاريخية للعلاقات الامريكية الايرانية حيث تشكلت في مرحلة السبعينات علاقة خاصة بين الولايات المتحدة الامريكية وايران، لا سيما بعد انحسار التواجد البريطاني، حيث اوكلت الولايات المتحدة الامريكية ايران مهمة شرطي الخليج، وذلك ضمن مبدأ الدعامة المزدوجة بالإضافة الى السعودية، تمكنت ايران من خلال تلك السياسية الحصول على المعدات العسكرية والتجهيزات اللازمة لتقوية الجيش الايراني بالرغم من معارضة جهات امريكية لحجم ذلك التسليح، كما اصبحت ايران الاداة العملية لتنفيذ السياسية الامريكية في المنطقة، وتمكنت من خلال ذلك الدور السيطرة على الجزر العربية في اطار المساعي الايرانية للهيمنة على المنطقة. ولكن هذا كله تغير بعد قيام الثورة الاسلامية في ايران وخاصة بعد الهجوم على السفارة الامريكية في طهران مما ادى الى توتر العلاقات بينهم. وفي تصرح لوزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان قال إن بلاده قررت تعزيز وجودها العسكري مجددا في الشرق الأوسط. وقال شاناهان "سمحت بإرسال ألف جندي إضافي لأهداف دفاعية من أجل التصدي للتهديدات الجوية والبحرية والبرية في الشرق الأوسط"، مؤكدا أن الولايات المتحدة "ستواصل مراقبة الوضع بدقة" من أجل "تعديل حجم القوات" إذا اقتضى الأمر.تعزيزات عسكرية أمريكية إلى منطقة الخليج حاملة طائرات حديثة من طراز U.S.S لنكولن وقاذفات B52 العملاقة وإضافة 1800 من المارينز المدربين جيداً في مستنقعات فيتنام، وامام الرئيس الامريكي ترامب في ثلاث خيارات لمواجهة ايران {الأول العسكري والتصعيد السياسي والحصار الاقتصادي}، وكانت طهران أعلنت الاثنين أن احتياطياتها من اليورانيوم المخصب ستتجاوز في 27 يونيو الحد المنصوص عليه في الاتفاق الموقع عام 2015. الذي نصّ على استخدام (المعرفة النووية السلمية) وهي قضية واضحة وشفافة وتعتبر حق من حقوق الأمم الصاعدة التي تبحث عن التطور كما هو اليوم عند الأمارات والسعودية والتي وصلت لمراحل متقدمة بدون اعتراض من أي أحد، وهذه الميزة ماهي الى ورقة ضاغطة على الولايات المتحدة للرضوخ والعودة للحوار غير المشروط، اما بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية وعلاقتها بالحلفاء، فهناك انقسام واضح حول الالية المتبعة من قبل امريكا حول الازمة الايرانية، وهذا ما يكشف أن هناك أزمة كبيرة حول النفوذ في منطقة الشرق الأوسط ما بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب، وروسيا وإيران وحلفائها من جانب ثاني، هذه الأزمة تتجاوز مسألة الملف النووي الذي أتخذ حيزا كبيرا في توتر العلاقة ما بين أمريكا وإيران منذ بداية الثمانينات وحتى المفاوضات ما بين الدول الخمسة (أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين) زائد إيران، بعد تصميم إدارة الرئيس باراك أوباما في السنين الأخيرة من ولايته الثانية، ودخلت العلاقة ما بين إيران وأمريكا بعد ذلك في التحسن التدريجي. ومع صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تراجعت العلاقة ما بين النظامين إلى نقطة الصفر، بالرغم من أن الاتفاق حول برنامج إيران كان مرضيا لجميع الأطراف المؤسساتية ومن ضمنهما أمريكا وإيران.

من خلال تسارع الاحداث بين الولايات المتحدة الامريكي فأن هناك (ثلاث) سيناريوهات متوقعة في ظل التهديدات المتصاعدة بين الطرفين :

اولهما :ان ايران لديها القدرة الاقتصادية والسياسية والجغرافية وكذلك القوى العسكرية، حيث تمتلك ماكنة وترسانة عسكرية متميّزة كماً ونوعاً، وبرنامج للصواريخ البلاستية وهي واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ البلاستية في الشرق الأوسط بعيدة المدى تصل ربما ل2000 كم أي أبعد من إسرائيل 1200 كم، وإلى كافة قواعد أمريكا في المنطقة، وتمتلك أيران 24 جامعة لتدريس والتدريب في العلوم العسكرية وتقنياتها الحديثة، مع جغرافية واسعة وسكان يقارب تعدادهم 90 مليون نسمة، وتأييد شعبي مؤدلج دينياً تتصل بمشيمة ولاية الفقيه وكذلك التأثير على الشارع الشيعي باطار مذهبي في العديد من دول المنطقة مثل العراق، ولبنان، والبحرين، واليمن، وكذلك اجزاء كبيرة من منطقة الخليج . التي تعتبر المركز للمصالح الامريكي في المنطقة.

وثانيها: مضيق هرمز اذا استعملت ايران اللعب بالنار واستعمال مضيق هرمز فأن هناك عدة دول ستكون خاسر بهذا الاجراء وبضمنها ايران وكما مبين ادناه

1- إيران أكبر الخاسرين من غلق مضيق هرمز، لكونها تعتمد عليه في تصدير النفط الخام إلى دول آسيا، خاصة الصين أكبر المستوردين منها.

2- إيطاليا، وإسبانيا، واليونان من أكثر الدول الأوروبية المتضرّرة من إغلاق مضيق هرمز، لأنها تستورد النفط الإيراني بالائتمان، بعد أن توقّفت روسيا عن تصديره إليها بسبب تجميد اتفاق تعاون عسكري بين البلدين (اليونان وروسيا)، ويبلغ إجمالي ما تستورده الدول الأوروبية من النفط الإيراني 450 ألف برميل نفط يوميًا، أي بنسبة 18% من إجمالي الصادرات الإيرانية البالغة 2.7 مليون برميل نفط يوميًا.

3- العديد من الدول ستلجأ إلى تصدير النفط والغاز الطبيعي عبر الأنابيب مثل المملكة العربية السعودية، حيث قامت المملكة بمد خط أنابيب رأس التنورة.

4- الإمارات العربية المتحدة تمكنت هي الأخرى من مد خط أنابيب والذى بدأت فيه عام 2012

5- ستضطر الدول العربية لشق قناة مائية على غرار قناة السويس تربط بين الخليج العربي وخليج عمان، وتقوم عند أقرب نقطة بين الخليجين، أي في أقصى شمال شرق الأراضي العمانية بين شبه الجزيرة العمانية الممتدّة في مضيق هرمز، وبين خطى عرض 26 شمالا وطول 56 شرقًا، وتؤمّن هذه القناة مدخولا ماليًا مذهلا لسلطنة عمان والدول الخليجية المساهمة في إنشائها. وهذا سيناريو تعمل به ايران الان واستعراض للعضلات في منطقة الخليج . في سبتمبر أعلن مسؤول العلاقات العامة في الحرس الثوري الإيراني، العميد رمضان شريف، أن القوات المسلحة الإيرانية ستقيم استعراضا عسكريا كبيرا بمشاركة الوحدات البرية والبحرية والجوية للحرس الثوري والجيش وكذلك قوى الأمن الداخلي وقوات التعبئة والقوات الشعبية في ميناء بندر عباس على الخليج في بداية "أسبوع الدفاع المقدس" وهى التسمية التي تطلقها إيران على الحرب مع العراق، وسط دعوات إيرانية علنية لأمريكا لمغادرة مياه الخليج. اما اختيار هذا اليوم فهو رسالة واضحة للعراق تنذر عدم استمرار العلاقات الودية بينهم وكما معروف على طول التاريخ بين البلدين .

وثالثها: الانسحاب من ميثاق (الانتشار النووي) الذي تكمن خطورته السماح بتطوير قنبلة نووية، ومن أبرز هذه المعطيات استراتيجية طهران: لا حرب ولا تفاوض مع المقاومة والصبر والصمود بوجه الإمبريالية الأمريكية المتغطرسة عدوة الشعوب وتكتيكاتها مبنية على إبقاء أيران كقوة ضاربة مع تفادي الوقوع في شراك الحرب وكل ما ذكرناه هو من العوامل الرئيسة في صمود أيران خلال هذه الفترة بالرغم من صعوبة الموقف من الناحية الاقتصادية. وجاء تفجير ناقلتي نفط عملاقتين في بحر عُمان وتوجيه الاتهام لإيران من جانب واشنطن ليصب الزيت على النار، ويزيد من التوتر الحاصل في المنطقة، ويجعلها برمتها على حافة حرب، فهل سيتكرر السيناريو العراقي، أي استمرار الحصار لعدّة سنوات، ثم شن حرب شاملة أو محدودة لتغيير النظام؟ أم ثمة خيارات أخرى قد تلجأ إليها واشنطن بحيث تدفع إيران إلى تخوم الحرب من دون إشعال حرب فعلية، ولكن بتحقيق أهدافها؟

وفي نهاية ما ذكرناه نرى من خلال المعطيات التي تطرقنا لها على الأفق القريب والبعيد أن كلا الطرفين في حالة استعراض القوة وإبراز العضلات مع رفع الخطاب السياسي بخطوات محسوبة من دون المساس بالخط الأحمر الذي هو الحرب التي تنتظر خطأ أحد الطرفين، ولأن أيران تدرك جيداً قوة الإمبراطورية العسكرية الأمريكية وقدراتها الهائلة الانتصار عليها عصياً وبشبه المستحيل، وتدرك أمريكا قوة الترسانة العسكرية الإيرانية وصواريخها البلاستية وآلاف رجال الضفادع وخمس غواصات ومساحة واسعة وشعب بتعداد 90 مليون نسمة أضافة إلى كل هذا (أذرع أيران) في الخارج القريب بالتحديد الإقليمي وكذلك الخوف من أرتفاع أسعار النفط، فأبرز تداعياتها المرّة هي حرب أقليمية واسعة وكبيرة، والذي يمكن قوله: ان الذي يفكر بالحرب من الطرفين فهو غير مدرك خطورة الامر على المنطقة برمتها، أما من يدعي الدخول بالوساطة بين البلدين فوساطته محتملة الفشل، فالحرب كذبة والمفاوضات كذبة كبيرة .

 

حميد ابولول جبجاب

ماجستير علاقات دولية

 

اياد الزهيريأثبتت الأحداث اننا شعب أنتظاري. أي شعب لا يسعوا للمبادره، بل ينتظر دائمآ من الآخر أن يبادر للتغير، وهذا يجرى على القضايا الكبيره التي تمس مصير بلد كما تمتد الى القضايا الصغيره التي تمس مصلحة محله أو حتى زقاق، فمثلآ لو حدثت مشكله في مجال العمل سواء كان حكوميآ أم أهليآ ترى العاملين فيه ينتظروا المبادره من الآخر في معالجة المشكله، وكذلك هو الأمر في العشيره، أو الأحتجاج على تقصير الدوله في مستواها المركزي او المحلي فترى الكل ينتظر من الكل حصول المبادره في معالجة المشكل . فكل واحد يحدث نفسه وأهله أن لا يكون هو رأس الحربه، وهو يضمر مبدأ (شعليه) . للحقيقه قد يكون هذا الهاجس له ما يبرره، حيث أفرزت الوقائع أن من أنبرى وتصدى لدرء مشكله ما أو الخطر بالنيابه عن الأخرين يكون كبش فداء، فتراه يندفع بدافع الأيثار والحميه، ولكن تكون النتيجه هو الخاسر الوحيد،وهو وحده من يتحمل نتائج مبادرته،خاصه أذا لم تحقق النجاح، أي أن الفشل والخساره يتحملها وحده ويكون وحده من يدفع الثمن، وهناك أمثله لا حصر لها في هذا المجال،لا مجال لذكرها هنا، ولكننا نستخلص نتيجه أن هكذا واقع يكشف عن شيوع  نوازع الميول الفرديه في المجتمع، وغياب روح التعاون والتكافل فيه، والذي يسميه أحد الباحثين وهو الدكتور العراقي عبد الجليل الطاهر ب (القوقعه) وهي أن الشخصيه العراقيه منكفئه على نفسها ومتقوقعه على ذاتها، ومن المفيد أن نمر على بعض أسبابها الرئيسيه ومن هذه الأسباب هو تنوع المجتمع بسبب الهجرات المتعدده عبر العصور المختلفه، هذا التنوع جلب معه قيم وثقافات وعادات مختلفه،لم يعاد برمجتها بل تركت بلا تهذيب مما ساهمت في بروز حاله من التناشز الأجتماعي الحاد . هذا التناشز هو من عمق الهوه بين هذه المجاميع البشريه، وتركت بدون تدخل من الدوله في نسج علاقه وديه بينهم، مما ساهم في غياب ثقافة التعاون والتكافل بينهم، ومن نافلة القول كانت هناك محاوله أراد الملك فيصل الشروع بها، حيث قال ليس في العراق شعب عراقي وأنما هناك مجاميع بشريه، ويجب بناء نسيج أجتماعي واحد لها، ولكن هذا المشروع مات بموته، كما أن القيادات التي تحيط به ذات توجهات طائفيه وقوميه مقيته لم تستسيغ هذه الفكره مما عملت على أهمالها . كما أن أحداث داعش كشفت درجة التناشز الحاده عندما سهلت قيادات طائفيه تنتمي لطائفه معينه بدخول داعش للعراق ومحاولة سحق الطوائف والأثنيات الأخرى بدواعي ودوافع عنصريه وطائفيه تقف على رأسها ميول شاذه تلبست بها نفوس البعض منهم،الا وهو الأدمان على السلطه، حتى أن هناك من يسمي المكون الكردي والشيعي بالفايروسات وهو المدعو (ناجح الميزان) الذي قال " أن الدوله العراقيه تحمل فيروسات نائمه زرعت عمدآ يمكن ايقاظها عندما يريد زرعها، وأخطر هذه الفيروسات هي الأكراد والشيعه" هذا النفس هو أحد أهم العوامل الذي مزق النسيج العراقي وقطع الجسور بين طوائف وأفراد الشعب العراق، وكلما أتسعت الفجوه، كلما أنكفأت هذه الطوائف على نفسها . كما أن القسوه والظلامات التي أمتدت لعهود طويله من قبل فئه ضد فئه ساهمت بالأنقسام ومن ثم التباعد النفسي والمزاجي بين الأفراد والتجمعات، كما ساهم التهميش من قبل السلطات لفئات معينه . كل هذا هو ما زاد من سلبيات الأفراد والجماعات، وساهمت بموت الأحساس الوطني وميل الأنحسار عن الأخر، كما شجع على ظهور الكراهيه والعداء بين الناس، وجعل كل يفكر بذاته ولا يرى غير مصلحته لأنه فقد الثقه بالجميع وسرى الشك بين الجميع. هذه العوامل خلقت أنسان مستعد للمساومه على الحاله الوطنيه، وما الفساد في بيع الذمم وعمل كأجنده للأجنبي الا صوره صارخه للأنا، وثقافة المصالح . عمومآ أجواء تختنق بزحمة هذه القيم الرديئه لا يترشح منها الا اللامبالاة، وغياب الشعور بالمسؤوليه، والأنزواء عن المجتمع والأنكفاء على المصالح الخاصه وألا كيف تفسر حرق البعض للمحصول الغذائي الذي يمثل الأمن الغذائي لبلده، وكيف يساهم البعض أن يكون ممر لداعش ويحتل بلده ويقطع رقاب أهله وناسه، كما كيف يسمح البعض بأن يوجه صواريخ بضرب منشآة البلد النفطيه لصالح أجندات أجنبيه، أنها الأنانيه المقيته.

نرجع الى عنوان المقال التي توصف مجتمع يتلمس ظهور بطل ينجز لهم ما عجزوا عن تحقيقه، أو يقدم لهم ما يطلبونه على طبق من ذهب وهم مستلقون على أسرتهم . أن العراقيين اليوم ينتظرون معجزه تقدم بطلآ يغير وضعهم بكل تفاصيله بغض النظر عن هويته وجنسيته أن كان باراك أو ترامب،أو أحد رموز النظام السابق . كل هذه الميول والرغبات الشاذه سببها حالة اليأس التي تلبست بها الشخصيه العراقيه بسبب العوامل التي ذكرناها أعلاه. أن العراقيين اليوم تجتاحهم هواجس انتظار بطل يقلب الأوضاع على عقب، وهذه السيكلوجيه سببها الشعور العميق بالعجز، والروح الفرديه الشديده . هذه الروح المصاحبه لغياب الوعي، والمتسمه بالتواكل هي نفسها الروح التي تجسدت بجمهور بغداد الذي سجن أمامهم الكاظم (ع) ويسم ويلقى على الجسر ببغداد وهم لا يحركون ساكن، هي نفسها الروح التي جاء بها البعث وأستسلم لها الشعب رغم كل جنون النظام وتخبطاته وتلاعبه بمقدرات الناس . كما اني أعزو الكثير ممن ينتظروا ظهور الأمام  المهدي (عج)  مرده الى روح التهاون والتكاسل وعدم الشعور بالمسؤوليه لدى الكثير، وهذا ليس له علاقه بعقيدة الظهور للأمام المهدي (عج) فهذه مسأله أيمانيه ولكن هناك من يتكأ عليها لأنها توفر عناء تقديم الحجه على تخليه عن المسؤوليه، فنسمع الكثير يقول (هسه يطلع أبو صالح ويصفيه) وكأنما أبو صالح يشتغل عنده ويوفر له خدمات الراحه من طعام والأمان وكل متطلبات الأستجمام . هذه الشخصيه اللأواعيه والكسوله هي من تسود بالشارع العراقي اليوم وهي سبب كل الأزمه الحاليه، وهي من تطول بقائها بلا حل، بل وسبب أنحدار الأوضاع نحو الأسوء .

يخامرني سؤال أعرضه على القارئ الكريم، لا شك أننا نعيش أزمه أجتماعيه ووطنيه وحضاريه، كما أن هناك أستكبار عالمي تقوده أمريكا وأسرائيل، ولا يردع هذا الأستكبار العالمي والمستبد والظالم الا بالقوه بكل أشكالها وألوانها . السؤال لمن ينتظر ظهور الأمام المهدي (ع)، وكيف يواجه الأمام هذه القوه الجباره العسكريه من قنابل نوويه، وصواريخ عابره للقارات، وكل الأسلحه الحديثه، وبما يمتلكونه من قدره علميه عظيمه ؟ هل يواجهها بشعوب عزلاء متقاتله متناحره كسوله، ضارب الجهل والتخلف أطنابه في نفوسها وعقولها، كيف يخرج ونحن في السلم الأخير بين الشعوب والأمم في كل المجالات، كيف يخرج والنفاق والدجل، والباطل يعشعش بيننا، كيف يخرج والحقد والحسد والأنانيه تملء أجواءنا، كيف يخرج وقد تقطعت حبال الود بيننا . أنا أؤوكد أنه نحن من نمنع ونؤخر خروجه،لأن الناس هي من يجب أن تمهد لخروجه، وتوفر أسباب نجاحه في أن يملئ الأرض قسطآ وعدلآ بعد أن مليئة ظلمآ وجورآ. لأن الأمام سوف لا يحارب ترامب وأمثاله بالسيف، بل يحتاج الى شعوب حيه تعينه على مهمته، ونحن لا تتوفر فينا هذه الخصائص والمؤهلات اليوم،مما سنساهم في طول أنتظار ظهوره، ومن يشتاق لظهوره أن يبني مجتمعآ عاملآ،نشيطآ، ينهض صباحآ، لا أن يلعب البوبجي ساهرآ الليل وينام نهارآ . شعب يقدس العمل والعلم . شعب يبني دولة القانون ويحترمه . الأمام يحتاج الى أتباع يفهموه ويستوعبوا مشروعه الحضاري، وينسجموا مع أفكاره، ويكونوا عونآ له لا عله عليه. هذه حقائق يجب النظر بها ونبتعد عن أفتراضات وهميه من قبيل أن ننتظر أن ينزل علينا من السماء رئيسآ كالسيسي، أو الله يهدي ! ترامي يدخل علينا بدباباته كما عمل جورج بوش الأبن ويخلصنا من حكامنا الذين سرقونا، فالله لا يستجيب دعاء الجبناء الكسالى، بل يجيب دعاء الأبطال العاملين، وهذا ما أشار اليه محمد (ص) بحديثه (أعقل وتوكل) لا أن نكون كما قيل عن حكاية تنابلة هارون الرشيد الذين أوعز بقتلهم بسبب كسلهم وتقاعسهم وعدم نفعهم للمجتمع،فأشار أحد المستشارين بأعطائهم الفرصه عن طريق رمي الخبز اليابس والزائد من فتات الموائد،فقبل الخليفه العباسي ولكن المفارقه أنهم تساءلوا عن من سوف يثرد لهم الخبز لكي يأكلوه!) . ان واقعنا يقترب من ذالك الحال، والأدله لا تحتاج الى بيان فعدم أنتاجية دوائرنا الحكوميه، وتكاسل الموظف الذي لا يفكر بما يقدمه من خدمه للمواطن، بل لا يحسب الا ليوم يقبض فيه راتبه الشهري، وميول شعبيه أن تقدم لها الحكومه موائد الطعام في الحصه التموينيه، وهذا ما لم يتوفر في كل أنحاء العالم، فقط في ظروف أستثنائيه في وقت الحصار والحروب والآن وقد تخلصنا من هذه الظروف ومادمنا لا نسمح بالغاءها أو ترشيدها، كما أن ظاهرة عدم دفع أجور الماء والكهرباء ومحاولات التجاوز على شبكات الماء والكهرباء من قبل المواطنين تؤكد وجود رغبة الفرهود في نفوسنا، كما أن الهوس للأثراء غير المشروع للكثير يكشف عن ظاهره خطيره أن أستمرت تعرض البلد للضياع والفوضى .

أن انتظارنا لظهور بطل يمسح عنا غبار الزمن، ويدفع عنا شر الأعداء، ويقلب حياتنا الى ما نتمنى هو محض خيال عاجز، وأماني لا يتمناها الا المفلسون. وأن لا خروج من ازمتنا الا أقامة مرتكز لثقافه واعيه و نهضويه تجدد للشعب حيويته وتستنهض به قيم حضاريه راقيه يستبطنها في شخصيته الحضاريه،فهو وريث حضارات تحمل من القيم والخصال ما تفجر به طاقات عظيمه قادره أن تحجز له مكان في قطار المدنيه الحديثه، لأن واقعنا الهزيل بما حمله لنا من قيم غريبه وشاذه  وبما ترشح من نفوسنا من سلبيا ت الماضي ستكون كفيله بقتل كل بطل يجود به الزمان علينا، وسيعاد قتل ألف علي (ع) على يد أبناء ملجم الجدد، وسيقتل ألف حسين على أيادي أبناء يزيد الجدد . أن هناك متسع من الوقت للملمت شعثنا وذلك بعدم السماح لخيارات الصدام أن تتكرر بيننا  بل وأغتنام فرص التفاهم والحوار بين الفرقاء السياسين، وعدم خلط الأوراق وتبديد الجهود الوطنيه في صراعات تستنزف القدرات والطاقات الوطنيه وتضيع في غمارها المصلحه الوطنيه، وبالتالي خسارة وطن.

 

أياد الزهيري

 

ابراهيم يوسفمن النصوص التي ركنتُها في إحدى زوايا الحاسوب، وفاتَني أن أنشره في موعده كردٍ على أيها الوالدان إنكما متهمان للصديقة هيام ضمرة - من الأردن المنشور في موقع السنابل

 http://assanabel.net/archives/2594

لكن نصا (غير مرغوب فيه) في السنابل أيضا

 http://assanabel.net/archives/3350

 للصديق الأستاذ عبد الجليل لعميري - من المغرب أيقظ ذاكرتي من جديد على النص المنسي

(بانتظار الهجوع الأخير)

لأنني.. أبتغي الموتَ خليَّ البالِ

 مطمئنَ الخاطر وعاقلاً

كما فعلَ "دون كي شوت" ذات حين

.

بعيداً من أسبابِ الجهلِ والحيرةِ

 ومن التعسّف والجنون

.

 قريباً من نفسي ومن الناسِ

وحِمَى الأصدقاء

 مؤمنا بالله والعقلِ والمعرفةِ والمنطق

.

 بناءً على هذا كلِّه

اتخذتُ قراري بالرد على "الوالدين المتّهمَيْن".

***

قرأتُ مقالتك بكثير من العناية والهدوء.. ومن التّحفظ الملحوظ أيضا. أمّا وقد تجاوزتُ بعض الدّواعي الطارئة والظروف المحيطة للرد وإبداء الرأي؟ فلن أكتفي فحسب بتعقيب سريع. لكِ خالص محبّتي وأمنياتي يا أم هيثم. عشتِ يا صديقتي ولْتَبْقَ أيامُنا مفتوحة على الغايات النبيلة وسلطة الفكر البَصير، وعلى الصدق والمحبة والصراحة والرأي العادل السديد.

حتى ولو لم أتابع بدقة ما الذي أقدمتْ عليه الفتاة، المعنيّة في مقالتك عن الوالدين "المتهمين بالتقصير"..؟ إلاَّ أنني من خلال ما تفضلتِ بقوله، والتأكيد على التصدي للتفلّت من قواعد السلوك الحسن والخلق الحميد، والحريات الخارجة على بعض المبادىء والأعراف، التي يخضع لها ويعمل بها من هم حولنا، ممن يسعون في مناكبها ويأكلون من رزقها.

لكن مضمون المقالة حَرَّضني على الرد وإبداء الرأي، والتوقف عند التفاوت والمقارنة، بين ما نفكر فيه كمجتمع ملتزم بقناعات، لا ينبغي أن تكون كتلة صلدة لا تتحرك، أو قِيَماً اجتماعية ودينية متطرفة، وكثيراً من الأمراض الفتّاكة في الاجتهاد، بفتاوى منافية للعقل والمنطق والدين، ما يثير الخشية والخوف والحنق.. حتى حدود الغضب الشديد.

كأن لا يجوز للزوجة في بعض الديار، تشغيل مكيف التبريد والطقس لهيب، عندما يكون زوجها غائبا عن المنزل، لئلا يتبادر إلى ذهن "مارقٍ" على الطريق أن في المنزل زوجة وحيدة!؟ وربما سولت له نفسه الأمارة بالسوء، أن يقتحم المنزل - ولسنا نعيش في غاب - وما قد تتعرض له الفريسة المُحتملة، من صحوات "التعنت والإرهاب الفكري الجديد"!؟.

وإذا خطر للزوجة أن تنعم بقليل من الحرية وتخرج لبعض الدواعي، كزيارة ذويها أو شراء الخضار؟ فمن حق الرجل عليها طلب الإذن المسبق لمغادرة "سجنها"، وربما مع حراسة مشددة في الطريق. وآخر ما تناهى إلى سَمَعي منذ أيام قليلة في نشرة إحدى القنوات؟ فتوى أتحفنا بها مرجع في مصر، يقضي بجواز ضرب الزوجة فلا يبلغ تكْسيرَ العظام.!

ناهيكِ عن فتوى الإرضاع الشهيرة ابتغاءً للحلال، ممن تباركتْ عمامتُه تاجا على رؤوسنا بلحيته وشاربيه الحليقين. لئن كان يريد تحريك الغرائز ففي البورنو ما يفيض - هذه المفردة أثارت ضحك الحضور لغبائي، وأنا أسأل مرة ما تعني- وربما أدهى ما قرأته على الإطلاق عن تفخيذ الصغيرات. ألا ينبغي أن نشعر بالخجل، ونلعن الشيطان.. على فتواه.؟

والعجب المقرون بشعور لا يوصف، من النفور والتقزز في فتوى مواطأة الزوجة المتوفاة..! "قوليلي" بربك يا هيام ما هذا الفكر المغرِق في القرف والعقل الساقط المريض..؟ وأين نحن مما هي عليه الفتاة من السلوك "الشائن"، ولو في أعلى مراتب التمرد والعصيان..! لئن بلغت حد البغاء..؟ سيكون البغاء مقدسا بالمقارنة مع مواطأة الوداع.

"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ". جلّ جلاله سبحانه وتعالى أن يرضى "بحماقة الزلل"، والتّرخيص (لفدَّانٍ) له شكل البشر بمواطأة الختام. تبلغوا وبلغوا أيها المُفْتون في جنبات الأرض أن الإنسان على صورة الله ومثاله، وأننا من صنف البشر كما تدل أشكالنا، ولسنا أبدا من الحيوان.

https://www.annahar.com/article/664300

وبعد؛ أين لا يقف هؤلاء إلى جانب الرجل، ويناصرونه على حساب التعسف في النيل من قيمة المرأة الحيَّة العائشة؟ حتى في الحقوق البديهية كالحضانة والميراث والشهادة وغير ذلك. صدقيني أن الدنيا عندنا ليست "بألف" خير يا هيام. حتى في بعض الجوانب البسيطة، مما يضيق ذكره في تعقيب لا أريده أن يورطني، أو يطول ويضيع في متاهة ليست في البال.

في الغرب نجحوا في استئصال الجدري والهواء الأصفر، وابتكار الأدوية والأمصال وأدوات الجراحة وتأصيل النبات، وطائرات تجاوزت سرعة الصوت. ناهيك عن وسائل الاتصال، ومنجزات علمية هائلة.. لا فرق سهَّلت أو عقَّدت الحياة.

فماذا فعلنا بالمقابل وفي حساباتنا أموال الدنيا..!؟ إلا ّ الإصرار على البراءة من خديعة التكفير وتغطية سيقان النساء. ولا زلنا لم نحسم بعد طريقة الوضوء: من.. أو إلى المرفقين. وكيف نُراكِمُ حسنات الدنيا في احتفال صاخب، بلغ أسماع أهل الحيّ للعبور إلى الفردوس، ونحن نسمع طبلاً وزمراً في المسكن المجاور، لأن سكانه تمكنوا من قتل "بُوْ بْرَيْصْ"..!

الغرب مليء بالخمرة والنساء ممن يكشفن عن سيقانهن - وهذه ليست دعوة فاجرة لتقليدهن على الإطلاق - ومعظمهن عفيفات ومنيعات على أصحاب الفحولة المتفذلكين من الرجال، وأنا أولا وأخيرا أدافع عنك وعن بناتك وبناتي يا هيام. ويبقى "جنوح" الفتاة عن "القيم" مرفوضا في العموم، ما دام بعض من في الغرب يرفض ما راحت إليه الفتاة.

ولي شهادة صادقة على ما رأيته إبان دورة دراسية، حينما اقترحتْ عليّ عاملةُ فندقٍ؛ أن أستفيد من موسم الأوكازيونات في (Pau) مدينة في تلك الديار. وانتظرتُها كما اتفقنا في بهو الفندق في اليوم التالي، فتأخرتْ طويلا عن الموعد المحدد، ثم أقبلت مسرعة لتعتذر إليّ بأنها لن تتمكن من مرافقتي للتسوق، فالبلدة صغيرة والناس يعرف بعضهم البعض.

 ثم صارحتني عن تحفظها، أن أحدا في البلدة لو رآها معي..؟ لعيَّرها برفقة رجلٍ غريب ما يؤثر على مستقبلها في الزواج. ثم من يضمن لها كما قالت بأن لا أضايقَها، أو أتحرش بها في رحلتنا إلى المدينة..؟ وذلك بحث مختلف آخر.

ألا تعتقدين معي أن الأمر سيختلف لو كانت الفتاة شابا..؟ وهو يقتحم المسرح مُزْبَطِرَّاً بفحولته فيحتضن المغنية أو الممثلة، ويغمرها ويشم رائحة عطرها، وربما تمادى أكثر وقبلها في فمها..؟ لينال نصيبا أعلى من الإعجاب والتصفيق.

التطرف يا صديقتي أو الاعتدال، لا يكون في جانب واحد بل في الجانبين على السواء. وأما نهج الإسلام فلا ينبغي بل لا يجوز أن يكون وحده "الإيديال". في اليابان يدينون بالبوذية وليس بالإسلام، ولا يشكون من الجنوح والتمرد والفلتان. ألا تعتقدين معي أنهم في اليابان، أحسن مما هي عليه أحوالنا في "لبنان"..!؟ وليس في سواه من سائر بلدان الجوار.

 ويبقى العدل في التوازن من وجهة نظري؟ لا يتعدى تحكيم العقل والمنطق في مختلف الأحوال. وجملة القول إن (رهف) المسكينة تعيش كما تراءى لي وسط مجتمع شديد الانغلاق، معروف بالتزمت والتضييق على حرية المرأة..؟ وهكذا فإن التشدد والكبت يقوِّي الواحد منهما الآخر، ويؤديان إلى الحرمان ثم الرفض "والانحراف" والضياع في نهاية الأمر.

"أما أولادكم في رأي جبران فليسوا لكم. بل أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها. بكم وليسوا منكم يأتون إلى العالم. يعيشون معكم وليسوا ملكاً لكم. تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم. لأن لهم أفكارهم الخاصةً بهم .في قدرتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادهم، ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم. لأنها تقطن في مساكن الآتي، ولن تتمكنوا أن تزوروا مستقبلهم ولو في أحلامكم، ولكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم؟ لكنكم عبثاً تحاولون".

 أن نؤمن ونعمل؟ إنِّه المثلُ الأعلى. أن نؤمن ولا نعمل؟ هزيمةٌ وعجزٌ وتقصير. أن نعمل ولا نؤمن؟ هوالعمى يصيبُ القلوبَ قبلَ العيون. أن لا نؤمن ولا نعمل؟ ذلك هو الضياعُ بعينِه وضرب من المستحيل. قلتُ بعضَ ما في خاطري، واستغفرتُ الله ربي لي ولكِ واستغفرتُه للمؤمنين والكافرين. وأنهيتُ كلامي إلى نوم مؤقت.. بانتظار الهجوع الأخير.

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

عماد عليمنذ سقوط الدكتاتورية وانتقال العراق الى مرحلة لم يشهدها في التاريخ الحديث، واصبح السقوط اعظم انعطافة في التاريخ العراقي وبداية ادراك الحقيقة التي اقبرت من قبل الجهات المعتدية طوال التاريخ واصبحت عملية انعاش لاحياء الحقيقة الساطعة.

ينطق احيانا الكثيرون هنا وهناك حول ما يسير اليه العراق ويدعون بانه لا يصح في النهاية الا الصحيح ومن يمتنع عن ذلك سوف تجرفه بحر الحقيقة التاريخية التي لا يمكن ان تعود مجراها الى ما كانت تسير عليه وتاثرت بفعل المصطنعات. العراق في تاريخه الغابر لم يكن ملكا لاحد مهما كانت قوته شرقا كان ام غربا ام جنوبا، ومن يدعي بانه صاحبه من الشرق او الجنوب او الغرب منه فهو مزيف للتاريخ ويعمل وفق ايديولويا وتعصب اعمى، فان التغييرات التي حدثت له جذرية بالشكل الذي لا يمكن ان نرى الحقيقة الا بالمجهر االكتروني الحقيقي لفحص مجريات التاريخ وثناياه وبعيون مستقلة محايدة صادقة غيير مصلحية.

قال احدهم ان العراق عاد الى محيطه الاصيل منذ لحظة سقوط الدكتاتورية، ومن الواجب على اصحابه المزيفيين ان يعترفوا بانهم معتدون وغازين وماحين لطبيعته الاصلية الاساسية، وعلى هؤلاء الظالمين المعتدين ان يغادروا الى ما كانوا فيه بعيدا عن العراق وتاريخه، ولا يمكن ان يستحوذوا بعد الان على من احتلوه وغزوه وهم ما اعتدوا عليه في وقت وبغفلة من التاريخ. وليس هنا كلامنا عن صحة هذه الادعاءات وان كانت صحيحة لمرحلة ما ولكن العراق بلد عريق مستقل اصيل بعيد عن كل امبراطورية وله تاريخ عميق وغابر وحدثت فيه تغييرات بحيث لا يمكن معرفتها الا بعد التمعن  التدقيق فيها وما قبلها ومقارنتها من كل الجوانب مع ما قبلها، اي لم تبق اصالتها الحقيقية بعد كل تلك الغزوات والاعتداءات والتغييرات الديموغرافية الهائلة في كافة انحاءه، ولا يمكن معرفة الاصلاء فيه  الا بعد اماطة اللثام عن كل تلك التغييرات التي احرقت الاخضر واليابس وفرضت الغرباء عن الاصلاء، وان سالنا اين هم الاكديون والسومريون والبابليون والاشوريون في كافة مناطق العراق اليوم يمكن ان نقف لوهلة وتتراءى لدينا الحقيقة التي طمست بعد التغييرات الجارفة المطلقة عليه ان يمكننا انه  نسميه انقلاب لارض الواقع.

ان الغزاوت الاسلامية في مرحلتها استاصلت المجتمعات الاصيلة في اية منطقة وصلت اليها ايدي الغزاة بكل الوسائل والطرق باسم الدين الجديد، فان كان العراق القديم لم يكن فيه الا من كانوا اصلاء من ارض وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) من الاصلاء وان كانت كوردستان منطقة  خاصة بنفسها ولها مميزاتها التي لم تكن متصلة او متواصلة مع العراق القديم شعبا وارضا وحغرافية وتاريخا، وان تغيرت المساحات بين الفترة واخرى لصالح هذا او ذاك، فان الحقيقة التاريخة تؤكد لنا بان العرب ليسوا باصلاء او شعب ولدوا في رحم التاريخ العراقي، ولم يكونوا في العراق الا بعد الغزوات الاسلامية التي اتت بما كانوا في الصحاري واصبحوا فيما بعد اصحاب البلد ومحوا اثار الاصلاء، فان من غزا العراق قبل مجيء الاسلام اجبروا الاصلاء على الانسحاب والرحيل بقوة السيف واستعرب العراق بقوة الايديولوجيا والدين والسيف كليا. ولم يبق من اصحاب العراق الاصليين الا من اجبر ان يتغير بصفاته بفعل المتغيرات وبالقوة الغاشمة، وانسحب الغازون الاقدم الذي اباحوا ارض العراق ايضا قبل الاسلام اثر ضربات السيف الاسلامي, وضاع العراق الاصيل بين الحانة وا لمانة اي بين الغزوات المتعددة المتتالية، ولم يبق منه الا الارض وما فيه  طبيعيا بعيدا عما كان عليه قبل الغزوات المتكررة.

ومن غزا العراق قبل مجيء الاسلام كان له التاثير المباشر ايضا على تغييره ولكنه بشكل مختلف عن الدين الصحراوي، فلم تبق الاديان الاخرى واضمحلت بشكل تدريجي ولم يصدق حتى العراقيين الاصلاء الذين استعربوا بانهم غير عرب صحراويين وليسو من مخرج الصحراء القاحلة، وهكذا ولحد اليوم لم يبق من يعتمد اصله او يعرف الحقيقة التاريخية له ولاصله، وبالطبع فهناك العوامل الكثيرة والمصالح المتغيرة والمؤثرات المعيشية والضغوطات الحداثوية للمعيشة تفرض على الفرد انكار حتى ما يعرفه من كينونته، فاصبح المال والمصالح عاملا فاصلا للادعاءات والانتماءات المختلفة.

فالاسلام ومعطياته وافرازاته المتنوعة قد يؤخر ادراك الحقيقة التاريخية كانت ام الجغرافية ومعرفة المتغيرات المطلقة والمفاصل القاطعة للتاريخ، ولكن الاصح سيحل كل شيء ويعود الى ما كان عليه بفعل مؤثرات ومواريث العمق الذي حُفر في الكيان الذي كان عليه بفعل التاريخ الطبيعي، ولا يمكن ان يبق العراق على ما حدث فيه وهو التغيير المطلق لكيانه المختلف الشكل والتركيب الى الابد.

اذن وما يجب ان نقوله بكل صراحة دون خجل وبالاخص من يدرك وله باع في التاريخ يجب ان يقول الصراحة المؤلمة  ان العراق ليس عربيا في اساسه واصله، ومن كان صاحبه قد اضمحل او هو في طريقه الى الاستئصال الكامل بفعل الغدر والتغيير بالقوة لحين سقوط الدكتاتورية البعثية قريبا جدا، واصبح التغيير مفصلا تاريخيا كبيرا لتمحور الحقيقة  حول المرتكز الاصلي والاساس القوي والعودة اليه وبدء الخطوة الاولى نحو اعادة بناء العراق كما كان عليه كعراق لا شرقية كان او غربية قبل الغزاوت الشرقية والغربية والجنوبية هي التي طمست الحقائق. فالآثار والتاريخ والجغرافية العراقية تدلنا على الحقيقة وتبين لنا ماهو العراق قبل الغزاوت وكيف كانت كوردستان وشعبها في التاريخ، وعليه لا يمكن ان يعود العراق الى الوراء ابدا مهما فعل المعتدون واستمروا في غيهم التاريخي الطويل، فالحقيقة وان تاخرت فسو تظهر وها نرى افق شروقها من اخر النفق والتغييرات التي يمكن ان تفض غبار  الغدر والظلم عن الحقيقة التي الحق بها وغطتها نتيجة الغزوات والاحتلالات، ها قد بدات التغيير المعاكس منذ التغيير المفصلي في العراق وتدوم العملية وتنصع الحقيقة التاريخية وتبينها وتوضحها وتدلنا ما كان عليه العراق يوما بعد اخر، ويدرك الجميع تاريخ العراق الحقيقي وكيف غطت عليه الادعاءات الدينية الفكرية المزيفة التي لم تات الا من اجل مصالح حفنة حافية من اله  الصحراء كما جاءت اليه الغزاوت الامبراطورية الشرقية من قبل رغم الاختلافات الكبيرة قبلها، وانتهكوا كل ما موجود فيه ولم يرحموه، واستبدلت كل الاصلاء بالمزيفات المادية منها والروحية وتشوهت بفعل الزمن كل الصفات الاصيلة الحقيقية لسكان العراق بلد الرافدين العريق. وما يثبته لنا االمنطق والحق بان لا يصح في النهاية ابدا الا الصحيح الحقيقي غير القابل للتغطية بالزيف والادعاءات الباطلة مهما طال التاريخ والزمن عليه، وان اثبتت المتغيرات المزيفة نفسها على ارض الواقع. ومختصر النتيجة الصريحة، نقول ان العراق ليس بعربي ولا فارسي وانه بلاد الرافدين وارض الخيرات، وكوردستان جغرافيا وكيان تختلف عنه ومنفصلة عنه بكل ما تمتلكه من المقومات التاريخية الجغرافية. فهل تدرك الشعوب العراقية هذه الحقيقة ام التعصب الذي زرع في كيانهم من قبل المحتلين سوف يمنعهم من التمعن لمعرفة الحقيقة الاصيلة لبلدهم وتاريخه. ونعم القول ان قلنا انه سيعود الى محيطه التاريخي الطبيعي كبلد مستقل وله صاحبه الاصيل ولا يمكن ان يبقى فيه المزيف المدعي بصاحبيته والذي افتعل جراء الغزوات ما يمكن ان يضع السدود الصلبة امام معرفة الحقيقة، فسقوط الدكتاتورية العراقية سقوط لجدار الزيف الكبير الطويل العمر الذي الحق بالعراق لمئات السنين، وبدات مرحلة مغايرة بشكل مطلق وفضت ما كانت عليه من المقيدات والمغطات للحقيقة الساطعة التي بان بريقها في بداية المنعطف التاريخي الحديث.

 

عماد علي

 

جمعة عبد الله.. مثال النتائج الانتخابية لبلدية أسطنبول

في محاولة مزيفة لخداع وتضليل الجمهور، بهدف تمييع وافراغ الانتصار الكبير لمرشح المعارضة. (حزب الشعب الجمهوري) في بلدية اسطنبول، ومني مرشح اردوغان بالخسارة الساحقة. وهي تعود نتائجها الى اردوغان مباشرة، وسياسته الهوجاء، التي جلبت الانهيار الاقتصادي، وانهيار العملة التركية (ليرة). لقد حقق مرشح المعارضة (اكرم امام اغلو). حقق هذه المرة انتصاراً كبيراً. بالفارق الكبير حولي (800 ألف صوت)، سمي هذا الانتصار بالضربة القاسية الى اروغان نفسه، وان مصيره السياسي آلآن محفوف بالمخاطر، حتى داخل حزبه (حزب العدالة والتنمية) وحسب تصريحه سابقاً (من يخسر اسطنبول يخسر تركيا) هكذا انقلب السحر على الساحر، ليتجرع علقم الهزيمة النكرى. بخروج بلدية اسطنبول من عباءة اردوغان وحزبه بعد 25 عاماً من الهيمنة الكلية لحزب العدالة والتنمية، بأعتبار ان بلدية اسطنبول الحصين المتين الى اردوغان وحزبه. ولكن كيف تلقى اعلام قناة الجزيرة هذه الصدمة الكبيرة. وكيفية امتصاص الخسارة الساحقة، الى حليفهم المحبوب اردوغان (امام الاسلام والمسلمين / حسب فتوى القرضاوي). وذلك بتسويق الخداع في الانتصار. في رسالة خطاب النصر، التي وجهها الفائز في بلدية اسطنبول، التي خرجت من عرين اردوغان وحزبه. لقد وجه المنتصر لبلدية اسطنبول (اكرم امام اغلو) رسالة تحدي صارمة الى اردوعان. بأنه حاول خنق الديموقراطية، ومحذراً ان الديموقراطية ليس لعبة وفق ما يشاء. وان انتصاره يعني انتصاراً للديموقراطية، التي حبسها في قصره في انتهاكات صارخة وهوجاء في ليلة 31 مارت (اذار). تحول نص خطاب النصر بالتحدي الصارم. الى رسالة توسل ويطلب العطف والمساعدة من اروغان (سيدي الرئيس !!) اطلب مساعدتك بطلب مقابلتك. وهذا النص التحريفي، لذي سوقه اعلام الجزيرة :

بادر مرشح المعارضة الفائز بانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو إلى طلب لقاء عاجل مع الرئيس رجب طيب أردوغان، معربا عن تمنيه أن تحمل نتيجة الانتخابات الخير لإسطنبول.

وقال إمام أوغلو مخاطبا أردوغان "سيدي الرئيس، أنا مستعد للعمل معك في تنسيق تام، وأطلب من هنا مقابلتك في أقرب وقت".

وأضاف "سأعمل بجد دون تمييز ضد أي كان"، قبل أن يردد مجددا شعار حملته "كل شيء سيكون على ما يرام".

واعتبر أوغلو أن "هذه الانتخابات تعني فتح صفحة جديدة؛ إنها تشكل بداية جديدة". وفيما يبدو تلطيفا لخطابه السياسي تجاه خصومه؛ قال إن كل إسطنبول وتركيا فازت بهذه الانتخابات وليس مجموعة أو حزبا واحدا.

ومع فرز نحو 99% من الأصوات، حصل إمام أوغلو على 54%، مقابل منافسه بن علي يلدرم، الذي نال نسبة 45%.

وحقق أوغلو بذلك تقدما بأكثر من 775 ألف صوت، بزيادة كبيرة مقارنة مع انتخابات مارس/آذار الماضي عندما فاز بفارق 13 ألفا فقط

وهذا نص خطاب النصر :

بعد 25 عاماً يأتي الانتصار الكبير. رغم محاولات اردوغان المستبد اجهاضه، وخنق الديموقراطية. بحجج هوجاء لاتنتمي بتاتاً الى المفاهيم الديموقراطية. ولكن الديموقراطية عادت منتصرة اخيراً. بذلك اعبر عن شكري واعتزازي الى كل سكنة بلدية اسطنبول (16 مليون ساكن) اوجه لهم الشكر الكبير، مهما كانت اطيافهم واحزابهم السياسية واعراقهم. الى كل الذين أدلوا بأصواتهم، مهما كانت اختياراتهم. الشكر الى كل الشعب التركي. مهما كانت اعراقهم. حتى من سوريا. او من اليونان (دأب اردوغان على العزف على تأجيج المشاعر القومية والدينية. بأن اصول أكرم امام اغلو. القديمة يونانية. وحسب دعاية اردوغان، بأنه مدسوس من اليونان، بهدف ارجاع اسم اسطنبول القديم (القسطنطينية) يعني عودة الاحتلال اليوناني من جديد. في سبيل الحاق الهزيمة بخصمه السياسي، لكن هذه المحاولات منيت بالفشل الذريع). واضاف ان الديموقراطية انتصرت رغم محاولات اردوغان الهوجاء. واليوم تعود مجلجلة بالنصر. لذا اطلب من السيد الرئيس، لقاء لمناقشة مشاكل سكنة بلدية اسطنبول، وما يعانون منه في حياتهم اليومية. طالما يمتلك السلطة المركزية. واطلب الكف عن الخصام والتنابز في الصراع السياسي العقيم.

 

جمعة عبدالله

 

إنطلقت في مدينة جنيف السويسرية يوم الإثنين الرابع والعشرين من حزيران أعمال الدورة الحادية والأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة وتتواصل حتى الثاني عشر من شهر يوليو/ تموز المقبل. ومن المقرّر ان يستعرض المجلس أوضاع حقوق الإنسان في انحاء مختلفة من العالم مع توقع بان تستحوذ أوضاع حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وكما جرت العادة على المناقشات داخل المجلس، وخاصة مع تصاعد وتيرة الإنتهاكات في دول المنطقة وخاصة في اليمن والسودان ومصر والأراضي المحتلة.

كما وستلقي قضية تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي بظلالها على هذه الدورة بعد صدور تقرير المقرّرة الأممية المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء السيدة أنييس كالمارد والذي وجّهت فيه إتهاما لمسؤولين سعودييين بالتورط في قتل خاشقجي في قنصلية بلاد باسطنبول، معتبرة أن عملية قتله تعتبر إعداما خارج نطاق القضاء ارتكبته السعودية في مخالفة صريحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

كما وان الوضع في اليمن التي تعاني من حصار خانق تفرضه عليها قوات التحالف الذي تقوده السعودي منذ اكثر من أربع سنوات، سيحظى باهتمام المنظمات الحقوقية المحلية والدولية وباهتمام بعض الدول الأعضاء، بعد ان ادى هذا الحصار الظالم الى وضع اليمن على حافة المجاعة والى وقوع أكبر  كارثة إنسانية في تاريخ البلاد بحسب ما اعلنت الأمم المتحدة. لكن العالم لايبدو مهتما بهذه الكارثة بقدر إهتمامه بمبيعات الأسلحة التي تسقط حممها على اليمنيين غير مفرقة بين طفل أو شيخ أو امراة، ولا بين مشفى او مدرسة أو بيوت سكنية او ثكنة عسكرية.

وفيما يتعلق بالحصار الذي فرضته السعودية وحلفاؤها على دولة قطر منذ أكثر من عامين، فإن الآثار الإجتماعية التي خلفها هذا الحصار ستحظى باهتمام خلال الحوار التفاعلي الذي سيجري في المجلس خاصة وانها تتعارض مع العهود والمواثيق الدولية التي تؤكد على اهمية الأسرة وعدم تفريق شملها وكما حصل لعدد كبير من العوائل القطرية التي ترتبط بوشائج مع عائلات في الدول التي فرضت الحصار.

وستطغى الأحداث الجارية في السودان اليوم  وخاصة قتل المتظاهرين العزل المطالبين بالتحول الديمقراطي، على إهتمام المنظمات الحقوقية باعتبار أن ما جرى هو إنتهاك لأحد الحقوق الساسي الا وهو حق الرأي والتعبير والتجمع والسلمي، فيما ستلقى أوضاع المعتقلين في السجون المصرية باهتمام المشاركين وخاصة بعد وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي أثناء جلسة محاكمته.

وأما بالنسبة لفلسطين فقد جرت العادة على تخصيص البند السابع من أعمال المجلس لمناقشة حالة حقوق الإنسان في فلسطين وفي الأراضي العربية المحتلة الأخرى، واستعراض انتهاكات حقوق الإنسان وما يترتب على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وغيرها من الأراضي العربية المحتلة من آثار في حقوق الإنسان مع التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

قائمة طويلة من الإنتهاكات التي تحصل في المنطقة وفي أنحاء مختلفة من العالم لا تتناسب أعمال المجلس بوتيرته الحالية مع حجم تلك الإنتهاكات التي تستدعي تدخلا اكبر من المجلس لوقف هذا التدهور المتسارع في أوضاع حقوق الإنسان،  وهذا لن يتحقق إلا عبر توسيع الأمم المتحدة لصلاحيات هذه المجلس ونقلها من مستوى إصدار التوصيات الى إلزام الدول القمعية بتنفيذ تلك التوصيات ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان وتعويض ضحايا تلك الإنتهاكات، وبغير ذلك ستظل توصيات المجلس حبرا على ورق وسيواصل الجناة ارتكاب الإنتهاكات مع الإفلات من العقاب!

 

ساهر عريبي

 

مهدي الصافيمنذ القدم ارتبط الدين الاسطوري بالسياسة او الحكم، الاله (رجل وامراة) بمختلف مسمياتها وانواعها هي حاجة طبيعة لحياة المجتمعات البدائية، الارض والشمس والقمر والنجوم، والاشياء العظيمة في نظر الانسان، ثم جاءت مرحلة بعث الانبياء والرسل وورثتهم، كل تلك المراحل تركت اثرا سلبيا بتراث المجتمعات الانسانية، فالايجابيات يبدوا انها وقتية، تنتهي بنهاية الحاجة اليها ولهذا يرجع

 (او يرتد كما يأتي في تعريف الاديان) الانسان الى طبيعته الاولى، ومايورث للناس هي افكار واراء واجتهادات الاشخاص (مايسمى ورثة الانبياء والرسل من الكهنة والاحبار والفقهاء ومراجع الدين)، وطرق واساليب وعبادات شعبية جماعية، هذه الصور الكبيرة (الاساطيرالعظيمة) المتوارثة كما قلنا عن الاديان الشعبية هي عبارة عن سلسلة متواصلة من التضخيم الديني الاسطوري المستمر عبر قرون، وتلك ظاهرة عامة تخفت وتتوهج حسب الظروف والبيئة المحيطة بالمجتمع، الا انها لاتموت مطلقا لحاجة الانسان الروحية للافكار والاطروحات الدينية الدائمة، الازمات والمشاكل والاثار السلبية ليست في الاديان او الموروثات الاجتماعية، انما بجبال االتراث المقدس، التي كانت تحجب الرؤيا لفترات او لقرون طويلا عن الناس، رؤية حقيقة الاديان وماحصل لها من التدليس والكذب والتزوير والانحراف، حيث يصبح رجل الدين اوالفقيه او الحاكم المسلم الفاسد اله ارضي معصوم في كثير من الاحيان، تحت ابواب جاء في الروايات...او تذكر المرويات..او ورد حديث قدسي، تسرق الحقوق الشرعية على سبيل المثال (الزكاة والخمس وبقية الصدقات والهدايا) علنا وتوزع على الابناء والاصهار والحفدة، ويسكت الاسلام السياسي (الاسلام الحركي او المذاهب والطوائف المتحالفة والمتواطئة مع الانظمة السياسية) عن الفساد السياسي والمالي، بل تنقلب الفتاوى حسب الرغبات (والدفعات المالية) الى النقيض من الحقائق الشرعية والادلة القرانية (كم يفعل شيوخ الفتن الوهابية والسلفية هذه الايام بشيطنة ايران والشيعة على حساب القضية الفلسطينية)،

حيث يكون امبراطور الاديان (الاله الاسطوري) متواضعا فقيرا ظاهرا، لكنه ينام على ثروات طائلة وطاعة اجتماعية عمياء له ولما يقوله، تصل قوة هذه السيطرة الكاملة تقريبا (التي يتمتع بها بعض رجال الدين على عقول العامة )

من انها تستخدم الانسان المسلم كما تشاء، تسلبه عقله وروحه وماله، تحت عناوين وفتاوى وايات مقدسة، تدخله الجحيم في الارض ان رفضها، وتبعثه الى الجنة اذا مات في سبيلها (فتاوى الموت في الاديان السماوية والارضية كفتاوى الجهاد في الاسلام)، هذا الكلام بالطبع لايشمل الحالات الانسانية الاخلاقية الضرورية كالدفاع عن العرض والارض والمال، الذي يحتاج فيها الانسان الى كل الموروثات والشعارات والافتاءات والافكار الحماسية المطلوبة لتحقيق النصر، الا ان اكبر الحروب العالمية (كانت الحروب القديمة حروب من اجل الثروات، ثم اصبحت حروب دينية، وحديثا اصبحت لادينية تقريبا كالحرب العالمية الاولى والثانية)

لم يكن للاديان اي تأثير كبير فيها، انما كانت حروب من اجل اثبات الوجود والهيمنه ورد الاعتبارات الدولية، فمايدفع الناس الى القتال او خوض الحروب والدفاع عن الاوطان هي الضرورة، لاتخلوا من يكون جزء منها غريزة طبيعية كالدفاع عن النفس، واحيانا تشمل دوافع الاعراف والعادات القبلية او الاثنية او المادة او الخلاص من الاعداء بدفع الاذى والشر او حتى من اجل بسط التفوذ والسيطرة، ليس دائما يكون الدين هو العامل الحاسم فيها.....

الاثار السلبية للاسلام السياسي (اي ليس فقط الحركي انما الذي سار ايضا مع السياسة منذ وفاة النبي محمد ص واصبح اداة سياسية مؤثرة) في الحكم تبدأ من اعتباره خطأ يمثل الحالة الاخلاقية او الحاجة الانسانية او الضرورة المثالية الاخيرة عند المجتمعات المسلمة، التي ان فشلت فشل معها الدين والمجتمع، ولهذا تجد انتشار ظاهرة الالحاد والانتحارواليأس والاحباط عند شريحة واسعة من الشباب، وفئات اجتماعية كثيرة، ظهرت بعد انتصار الثورة الاسلامية الايرانية١٩٧٩، وتصاعد قوة الاسلام السياسي، وماحصل بعد سقوط نظام صدام٢٠٠٣، وتجربة الاسلام السياسي في الحكم في بغداد، وانطلاق شرارة الربيع العربي، وكذلك تجربة حكم الاخوان في مصر الفاشلة،

هي بالتأكيد تمثل خلل اجتماعي واضح غالبا مايكون خلل عقائدي، وكذلك اضطراب او ارتباك وتشابك وتداخل في القناعات والاجتهادات والافكار (تتأثر بثقافة وطبيعة النظام السياسي، بالتراث البدوي او القبلي والعشائري او الطائفي والاثني، بالحضارات والافكار والايديولوجيات الحديثة، وبالاديان، الظروف الاجتماعية والازمات النفسية، الخ.)،

من هنا يقال ان اصلاح المجتمعات يبدأ بأصلاح العقائد او النظريات السياسية والثقافية او القناعات الاجتماعية، فنجاح الانظمة العلمانية في ادارة وتطوير المجتمعات المتحضرة، كانت عبر الاستيعاب الشامل (استيعاب الاديان والعقائد والافكار لكن داخل اطار منظومة القيم الاخلاقية الرسمية لدولة المؤسسات) المقنن، مع انها تراجعت حضاريا بعد نهاية الحرب الباردةبعودة اليمين المتطرف تدريجيا الى الواجهة السياسية، كما في امريكا (عهد بوش الاب والابن) واوربا، وهذا خرق كبير لمبادئ الدول الديمقراطية العلمانية، الا انها سمحت به لاسباب عديدة، بعد ان سيطر رجال المال والاعمال على السياسة والاعلام هناك،

فتحولت تلك الدول الى ماهو اشبه بنظام الديمقراطية الرأسمالية البشعة (حكم طبقة النبلاء الحديثة)، اضافة الى عودة النبرات والتوجهات العنصرية الاستعلائية الاستعمارية للسيطرة والهيمنة على مصادر الطاقة وحركة التجارة الدولية في العالم، فهناك كما يبدوا مدرستين بارزتين في العالم، الاولى هي من تدعوا الى الاندماج التجاري اولاقتصادي والثقافي الالكتروني العالمي (طريق الحرير الصيني، الاتحاد الاوربي، والحوار او الجدل الالماني حول اعتبار الاسلام جزء من الامة الالمانية، وملفات حقوق الانسان والحريات العامة، الخ.)، والاخرى لازالت

تؤمن بصراع او صدام الحضارات او الامبراطوريات والاقطاب وقوى الهيمنة العالمية، وتبحث عن شتى الوسائل والسبل الكفيلة بالحفاظ على كرسي العرش الدولي بأي ثمن (القرن الامريكي الجديد) ...

اين تبدأ حدود الاديان واين تنتهي؟

نعتقد ان الحضارة الالكترونية وعلوم الفضاء الخارجي اجابت على تلك الاسئلة، تنتهي عند حدود العقل والمنطق والعلم والمعرفة، اي تنتهي بعد نهاية الوحي في الاديان السماوية، ففي الاسلام خاتم الاديان والنبوة السماوية انتهى دور الدين المقدس وعاد الناس الى طبيعتهم الاجتماعية، فالقران الكريم كتاب معرفة وعلم سماوي ارضي، فتح طريق جديد للحياة الامنة المستقرة، طريق المدينة الفاضلة نسبيا، وليس طريق التطرف والتشدد والارهاب والتكفير والفتاوى، فماحصل بعد وفاة النبي محمد ص لايكاد يخرج عن اطار طبيعة وثقافة وتراث تلك المجتمعات القبلية المتخلفة، وبالتالي استخدم الدين للتبرير والتنفيذ والاستدلال والتشريع ومن ثم الحكم المطلق، ولكنه يبقى داخل منظومة الاراء والاجتهادات الشخصية، لايمكن ان تكون سنة او ثالوث مقدس

 (القران والسنة النبوية وسنة الصحابة او الخلفاء والائمة) ملزمة للمسلم، لكنها اصبحت بمرور الزمن سنة دمرت بلاد المسلمين، وعطلت حياتهم وشوهتها واخرجتها عن سياقها الفطري الطبيعي، فصارت الامم والشعوب تتقدم في جميع المجالات، وتلحق بالركب الحضاري الانساني العالمي، بينما يراوح المسلمون في دائرة الاختلافات المذهبية والطائفية وشريعة او قيود المستحدث من فتاوى الحلال والحرام وتكفير المخالف، تأخذهم الفتاوى شمالا وجنوبا وفي كل الاتجاهات، وهي تتلاعب بمستقبل الشعوب المسلمة، وتضر بمصالحهم ووحدتهم الوطنية (يستثنى بالطبع كما قلنا التوظيف الديني المطلوب في المعارك والحروب الدفاعية المصيرية ) .....

الحلول في مثل هكذا مجتمعات مغلقة دينيا او طائفيا وقبليا تكاد تكون مستحيلة او معقدة وصعبة جدا، وبالذات عندما يكون نظام الدولة السياسي قائم على تلك الاسس والتناقضات الاجتماعية والدينية او الاثنية (كما حصل في العراق اذ اعتمد نظام انتخابي نيابي فاشل رسخ حكم الطائفة عبر المحاصصة والتوافق، وكذلك سلطة القبيلة او العشيرة في الدولة بجعل المحافظات دائرة انتخابية واحد)،

الا اننا نؤكد على حقيقة ان تراث المذاهب والطوائف والاثنيات اصبح عبارة عن ثقافة ثقيلة اوعقيمة ميتة، لايمكنها ان تنتج او تتواصل مع متطلبات الحياة العصرية المدنية المتحضرة، وهي في طريقها للتأكل والانهيار الداخلي، كالانظمة الدكتاتورية التي انهارت كلعبة الدومينو واحد بعد الاخر،

بعد كل هذه التجارب السياسية الفاشلة المتوارثة من عهد مايسمى بالخلفاء الراشدين وحتى يومنا هذا، مما يعطي مؤشرا واحدا لاغير من ان الاديان اذا دخلت السياسة فسدت، وتصبح مصنعا للتخلف والفتن والحروب الازمات الطائفية، ولهذا لابد ان يقدم الاسلام الحديث على انه دين بلا مذاهب، انما فيه مدارس وفقهاء ورجال دين واجتهادات وفتاوى واراء وتفاسير قرانية متعددة، يمكن للمسلم ان يبحث الكترونيا عنها لايجاد الفتوى التي تلائمه ان عجز عقله عن الفهم والادراك، علما ان الحلال والحرام بين، الا ان الذي لايراه كذلك فهو اما جاهل بتعمد الجهل وهو مذنب بجميع الاديان والانظمة والقوانين والاعراف الاجتماعية (المغفل جاهل يبقى بلا حماية)، او منافق او انتهازي او فاسد يبحث عن فتاوى استثنائية خاصة به (كفتاوى سرقة المال العام الذي يسمى في عرف الفاسدين مجهول المالك، او الفحوى والحيل الشرعية، والطرق الملتوية الاخرى) ...

تبقى الاديان السماوية المعتدلة جزء مهم من المنظومة الاخلاقية الانسانية المتحضرة العامة، ليس لها سلطان على عقول او قلوب الناس الا من باب الموعظة الحسنة والتذكير والنصح العقلي المنطقي، فالايمان بالله عزوجل ايمان فطري عقلي علمي منطقي شخصي روحي لايورث، ليس بحاجة الى وكلاء في الارض يقومون بتلك المهمة نيابة الناس.....

 

مهدي الصافي

 

ضياء نافعولد نابوكوف (مؤلف رواية لوليتا الشهيرة) في روسيا عام (1899)، اي قبل (5) سنوات من وفاة تشيخوف (1904)، وترك روسيا عام 1919 (بعد رفضه لثورة اكتوبر1917)، ولم يرجع الى روسيا بعدئذ ابدا، اذ عاش في المانيا وفرنسا اولا، ثم سافر بعد ذلك الى امريكا واصبح مواطنا امريكيّا (انظر مقالتنا بعنوان نابوكوف بين روسيا وامريكا)، ثم عاش اواخر حياته في سويسرا وتوفي فيها عام (1977) ودفن هناك عن عمر يناهز الثامنة والسبعين، بعيدا عن وطنه الام روسيا.

نابوكوف متعدد المواهب والاختصاصات والمهن، ومن بينها (وليس ابرزها !)، انه كان استاذا متألقا في الجامعات الامريكية على مدى سنوات طويلة، و ألقى هناك محاضرات شيّقة جدا ومتميّزة وذات نظرة مبتكرة وابداعية وعميقة عن تاريخ الادب الروسي وتوقف فيها عند ابرز أعلامه، و قد تم نشر تلك المحاضرات بعد موته (انظر مقالتنا بعنوان – محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي)، ونجد في تلك المحاضرات آراء نابوكوف حول كبار الادباء الروس، ومنهم طبعا تشيخوف، ونود في مقالتنا هذه ان نتحدث للقراء قليلا عن بعض تلك الآراء التي كتبها نابوكوف بشأن وجهة نظره حول تشيخوف وابداعه، اذ ان تلك الكتابات كانت ولا تزال تمتلك قيمتها واهميتها في تاريخ الادب (والنقد الادبي) الروسي اولا، و ثانيا، لأن تشيخوف يعدّ بالنسبة للقارئ العربي واحدا من أقرب الادباء الروس اليه، وبالتالي،فان الاطلاع على رأي كاتب روسي كبير مثل نابوكوف حول تشيخوف سيكون – بلا شك - مفيدا وممتعا له في نفس الوقت. ولا يمكن طبعا لهذه السطور ان تتناول كل تلك الافكار الجميلة والعميقة عن تشيخوف، التي جاءت في كتابات نابوكوف حوله، ولكننا نحاول ان نتوقف عند بعض (وأؤكد هنا على كلمة بعض) تلك النقاط المتميّزة ليس الا، والتي نرى انها لازالت غير واضحة تماما للقارئ العربي بشكل عام لحد الان، وربما حتى لبعض الباحثين العرب ايضا، الذين يتحدثون عن تشيخوف حسب مفاهيم محددة سلفا، دون الاخذ بنظر الاعتبار كل الاحداث الهائلة التي حصلت ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

توقف نابوكوف في بداية محاضراته عن تشيخوف عند سيرة حياته بشكل وجيز جدا، واستطاع بموهبته ان يلتقط من تلك الحياة مواقف ولحظات (ان جاز التعبير) مثيرة للمتلقي الامريكي، اذ انه بدأ محاضرته – مثلا - بجملة (كان جده قنّا ...واشترى حريته وحرية عائلته من العبودية بمبلغ من الروبلات قدره 3500 ...)، وهذه الجملة بحد ذاتها تثير كثيرا من التساؤلات حول تاريخ روسيا ومسيرتها، اذ انها تعني ان (القنّ او العبد) فيها كان يمكن له ان (يشتري!) حريته وفق القانون الرسمي، الذي صدر في روسيا القيصرية آنذاك عام 1860، وكان يعني ايضا كيف يمكن لحفيد هذا العبد ان يصبح طبيبا بعد تخرجه في جامعة موسكو، ثم يصبح بعدئذ اديبا عالميا بمستوى تشيخوف واهميته بالنسبة لروسيا وبالنسبة للعالم، ويتوقف نابوكوف بعد تلك الجملة القصيرة و (الكبيرة المعنى!) عند والد تشيخوف، ويقول عنه ايضا بايجاز دقيق وحاسم – (انه صاحب دكان صغير، وافلس ..واضطر الى الرحيل مع عائلته الى موسكو)، ويعقبها رأسا بجملة – (.. ويبقى الصبي تشيخوف وحيدا في مدينة تاغنروغ كي ينهي المدرسة ... واضطر ان يكسب قوته بنفسه...). ان هذه الجملة المركبة عن الجد والابن والحفيد ومسيرتهم ومصيرهم في روسيا آنذاك قد رسمت للمتلقي الامريكي عندها (ولكل القراء الآن طبعا) صورة قلمية واقعية ودقيقة ومحددة - لا تقبل الشك ابدا – عن الوضع العام في روسيا، التي تركها نابوكوف بسبب الاحداث الهائلة التي وقعت فيها واضطرته ان يتحول الى لاجئ – ليس الا - يعيش و يعمل خارج وطنه ثم يموت بعيدا عن وطنه ايضا، رغم انه يحمل هذا الوطن في اعماق عقله وقلبه و روحه، مثل كل اللاجئين (وما أكثرهم مع الاسف، وكدت أقول وما أكثرنا) في كل زمان ومكان في عالمنا الصاخب المضطرب هذا...

يتناول نابوكوف بشكل وجيز ايضا مسألة مهمة جدا في مسيرة تشيخوف وهي قضية موقفه السياسي، وهذه مسألة أثارها الكثير من الباحثين حول تشيخوف، وانطلقوا من مفاهيم مختلفة بشأنها، ولا مجال هنا طبعا للتوقف عند تلك الآراء . لقد حدد نابوكوف بجملة بسيطة موقف تشيخوف السياسي، وكتب يقول – (...لم يمارس تشيخوف النشاط السياسي ابدا...ولم ينتم الى اي حزب سياسي...). ويوضح نابوكوف موقف تشيخوف هذا - (... لكنه كان يعتبر العدالة اهم شئ، ولهذا رفع صوته ضد اللاعدالة.. باعتباره فنّانا).

يعرض نابوكوف في محاضراته تلك وقائع تفصيلية شبه مجهولة من حياة تشيخوف، وكيف انه بنى اربع مدارس، وكيف ساهم في بناء مستشفى ومكتبات عامة وقاعات ومسرح، وكيف كان يعالج الفلاحين المرضى مجانا ويوفر لهم الدواء وحتى السكن ...

وتناول نابوكوف في محاضراته طبعا نتاجات تشيخوف الادبية من قصص ومسرحيات، ولا مجال هنا للحديث عن ذلك، ولكننا – ختاما – نود ان نشير فقط الى اعجاب نابوكوف المتناهي والشديد والكبير بقصة (السيدة ذات الكلب الصغير)، والتي اعتبرها واحدة من أروع القصص ليس في الادب الروسي وحسب، وانما في الادب العالمي ايضا...  

محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي – بشكل عام - تنتظر مترجمها العربي، وتنتظر طبعا دراسات وبحوث العرب حولها.

 

أ.د. ضياء نافع

 

كاظم الموسويمر يوم اللاجئين في العشرين من الشهر الجاري من كل عام كاي يوم اخر، حتى بالنسبة للاجئين والنازحين والمهاجرين ومن عاش حياتهم، في وطننا وفي العالم ايضا. الأمم المتحدة التي خصصت هذا اليوم سنويا للاحتفال أو للتذكير بمحنة النزوح واللجوء والهجرة القسرية، اينما كانت وعند من ابتلوا بها كعادتها أصدرت تقريرا نشر بمختلف اللغات والوكالات. ولكن المحنة هي المحنة لم تبحث أي مؤسسة في إيجاد حل لها، وايقاف اسبابها وتداعياتها، أو في التخفيف من المعاناة والخروج بما ينهي الكارثة. ورغم ضغوط الاعداد والارقام وتحدياتها الإنسانية والأخلاقية التي تدفع إلى عقد مؤتمرات واجتماعات تبحث في الشؤون العامة لمحنة اللجوء والنزوح والهجرة فإنها تنتهي في الأغلب الى لجان وتوصيات دون تنفيذ وآليات. وتتسابق معها اللوبيات والمجمعات العسكرية والنفطية في تاجيج الحروب والغزو والاحتلال والصراعات الأهلية وسياسات أخرى لتكون مادة قابلة للهجرة والنزوح واللجوء.

في تقريرها الاخير (وكالات 2019/6/19) اعلنت الأمم المتحدة، إن عدد اللاجئين والنازحين المسجلين في العام 2018 وصل أكثر من 70 مليونا، وهو يعتبر رقما قياسيا، مع التأكيد على أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك. ووصفت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في تقرير سنوي حول اللاجئين عدد 70.8 مليون بأنه "متحفظ"، وخصوصا لأن الأشخاص الذين اضطروا إلى الهجرة من فنزويلا لم يتم إحصاؤهم بالكامل.

وللمقارنة، في نهاية العام 2017، بلغ عدد الذين أجبروا على النزوح من ديارهم بسبب الحروب أو العنف أو الاضطهاد 68.5 مليون شخص. ونسبت المفوضية تزايد العدد لاستمرار النزوح في إثيوبيا بسبب النزاعات العرقية، وفي فنزويلا بسبب الحصار الاقتصادي الذي تسبب في نقص المواد الغذائية والدواء. (طبعا تعرف الأسباب دون ذكرها أو تشخيصها فتهرب الى النتائج، ولسان حالها يقول: العين بصيرة واليد قصيرة، واحيانا اكثر..) وتقدر الامم المتحدة عدد الأشخاص الذين فروا من فنزويلا منذ مطلع 2016 بنحو 3.3 مليون شخص.

ازداد عدد النازحين في العالم بمقدار الضعف في السنوات العشرين الماضية، والاختلاف في/ أو التعريف لمن هو نازح أو لاجيء موزع بين الآراء او تحديد القانون الدولي ولا يعتمد في أغلب الأحيان، ولاسيما في الاعلام لأسباب أو غايات أو اهداف. وبحسب تعريف منظمة العفو الدولية فإن اللاجئ هو الشخص الذي يهجر بلده الأم، ولا يستطيع العودة إليه أو لا يعود بسبب النزاع أو خشية تعرضه للاضطهاد. بينما يعرف النازح من نزح من دياره الى اماكن داخل حدود بلده، وهو ما يثير الالتباس أو خلط الأوراق.

ذكر التقرير ان 41.3 مليون شخص نزحوا داخل بلدانهم و25.9 مليون لاجئ و3.5 مليون طالب لجوء، ينتظرون البت في طلب حصولهم رسميا على وضع لاجئ بحاجة للحماية. والدولتان اللتان لديهما أكبر عدد من النازحين، هما سورية منذ 2011، وكولومبيا التي تعصف بها أعمال عنف منذ عقود، وفق مفوضية اللاجئين. ولم يوضح التقرير وغيره محنة الاعداد الكبيرة من النازحين في البلدان العربية الاخرى، ولاسيما العراق واليمن والصومال وليبيا، والتأكيد عليهم ومعالجة أوضاعهم.

تشمل مجموعة اللاجئين، بحسب التقرير، 5.5 مليون فلسطيني يقيمون في عدد من الدول وخصوصا لبنان والأردن. وحسب ما قال المفوض السامي، الحل الأفضل للاجئ هو العودة إلى دياره عندما يهدأ الوضع في بلده، علما بأن 20 بالمئة منهم يقيمون في المنفى منذ أكثر من عقدين. واضاف "نكاد نصبح غير قادرين على صنع السلام". وأشار "صحيح أن هناك نزاعات جديدة وأوضاعا جديدة تنتج لاجئين، لكن النزاعات القديمة لم يتم حلها" وتابع "متى كان النزاع الأخير الذي تذكرون أنه تمت تسويته؟!".

في تساؤل المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الاخير صرخة غضب فردي معبرة عن عجز المنظمة الدولية وعن مشاركة قواها الفاعلة أو المؤثرة فيها في صناعة ما يشكو منه المسؤول الاممي. وتلك هي المحنة التي تعيشها الملايين من البشر منذ بدء الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المعمورة وإلى يومنا هذا والاجابة معروفة، ولكن غير مسموح بذكرها أو مغلف عليها لحد الان. وبالتأكيد لم يجرؤ رسميا على انتقاد خطط تصفية القضية الفلسطينية بكل أبعادها.

على صعيد الوطن العربي طرحت قضية  اللجوء والنزوح في أكثر من قمة واجتماع وصدرت قرارات وتوصيات وخصصت أموال وافكار للمعالجة ولكن الأغلب فيها ظل مركونا على رفوف مكاتب الداعين لها أو مقر جامعة الحكومات العربية، من جانب أو نوقشت في ما يخص بلد أو اخر لأسباب لا تتعلق بالمحنة ومعالجتها بالقدر الذي خرجت به البيانات والاجتماعات، وربما الضغوط الخارجية والتوجيهات التي لا تصب في حل القضية ابدا. هذا فضلا عن الاستفراد بالعمل والتهرب من المشاركة الجماعية والحلول الجذرية. ومعروف وللاسف الشديد أن بعض الحكومات تسهم في صناعة المحنة في بلدان اخرى، فضلا عن مشاركتها في إبطاء اي معالجة أو حل سياسي أو قانوني وحتى إنساني عام. وهناك دراسات استراتيجية لهذه القضية، ولاسيما ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين وما يحاك لهم ومستقبلهم من خطط وبرامج ومؤتمرات وورش، كما أن هناك بيانات قمة، كبيان نواكشوط، مثلا وغيره، لم يجر التعامل معها جديا وتحويلها إلى خطط عملية واليات تنفيذها بما يخدم القضية والتضامن العربي والإنساني.

محنة اللاجئين والنازحين في الوطن العربي كبيرة ومعقدة وتضحيات البشر فيها غير قليلة ويلعب التواطؤ الرسمي والفساد والتخادم مع المشاريع والمخططات الأجنبية المعادية دورا في استمراريتها، والأمثلة كثيرة، في أكثر من بلد عربي.

وللتذكير ايضا أو للاعتبار الانصات لما قاله المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي: "ما نراه في هذه الأرقام، هو تأكيد إضافي على الاتجاه المتزايد وعلى المدى الطويل من حيث عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى الأمان جراء الحروب والصراعات والاضطهاد". وأضاف غراندي: "مع كل وضع للجوء، أينما كان ومهما طال أمده، يجب أن يكون هناك تركيز دائم على الحلول وإزالة العقبات التي تحول دون تمكن الأشخاص من العودة إلى ديارهم، ويعتبر ذلك عملاً معقداً تشارك فيه المفوضية على نحو مستمر ولكنه يتطلب أيضاً من جميع البلدان أن تتضافر من أجل الصالح العام.. إن ذلك من أحد التحديات الكبرى في عصرنا الحالي".

 

كاظم الموسوي

 

صادق السامرائييبدو أن إقحام العقل بالإعتقاد (تصديق قاطع بشيء يؤمن به مجموعة من الأشخاص) وكأنه إنحراف إدراكي وإضطراب سلوكي تترتب عليه نتائج ذات تداعيات وخيمة وأليمة.

فهل أن الإعتقاد يتصل بالعقل؟!

لو تأملنا الإعتقادات بأنواعها لتبين لنا أنها تشترك بكونها ذات صلة متنوعة بالغيب، وفقا لما تستحضره من وعي لذلك الغيب، وما ينجم عنه من آليات طقوسية تساهم في تحقيق الطمأنينة والشعور بالأمان.

ولهذا فأنها لا تعد ولا تحصى وهي في تزايد مع تنامي أعداد البشر، وأيضا تشترك في أنها لا يمكن إخضاعها لسلطة العقل، بل العكس، أي على العقل أن يكون مملوكا لها ومجتهدا في إبتكار التبريرات لترسيخها، وتأمين قوتها ودورها الفاعل في حياة المعتقدين بها.

فلو أخضعنا أي معتقد لبرهان وسلطان العقل لإتضح بهتانه وإمعانه بما هو غيبي وبعيد عن المنال، لكنه راسخ في الأعماق على أنه كائن وموجود.

فعلى سبيل المثال لا يمكن الإقناع العقلي لشخص يعتقد بالبقرة والفأرة والثعلب، أو يرى أن هذا الكائن ربه وهو الذي سيأخذه في عالم الغيوب إلى حيث يريد ويرغب، بل يستحيل هذا التفاعل والإقناع، لأنه رسوخ وهمي فاعل في إدراكه ومهيمن على رؤاه وتصوراته.

ذات مرة سألت صديقي الياباني ونحن نتجول في مدينة كايتو اليابانية عن كثرة المعابد وتوافد الناس إليها، وكل معبد يعتقد برؤية ما، فأجابني : إنها جزء من الفلكلور والسلوك اليومي الياباني، إنها مجرد وسائل للأمان الروحي وتمنحنا طاقة تواصل الحياة.

وفي كل بيت من بيوت اليابان هناك معبد صغير يتم التبارك به والصلاة أمامه عند الصباح.

في حينها أخذت أتأمل كيف يتحقق الفصل بين العقل والإعتقاد.

وبدى وكأن الإعتقاد إنتماء عاطفي نفسي سلوكي منقطع عن الإرادة العقلية، وأي تدخل للعقل بالإعتقاد يتسبب بإنهيارات سلوكية تفاعلية مريرة ما بين الناس.

وعدت إلى أمم وشعوب كالهند والصين ودول آسيا الشرقية، أقلب صفحات إعتقاداتها وسلوكياتها، فإتضح ان السلوك الإعتقادي منقطع تماما عن العقل، فالعقل منهجه علمي سببي برهاني، وهو جاد ومجتهد في سبيله الإختراعي والإبتكاري، والإعتقاد حالة عاطفية جامدة متوارثة وكأنها مغروزة بالفطرة البشرية، وربما هناك مراكز إعتقادية في أدمغتنا، وأن الإعتقاد متوارث وراسخ جينيا في حوامضنا الأمينية.

 ويبدو أن المجتمعات القوية قد أدركت هذه الحالة القائمة فيها، فحررت العقل وحررت الإعتقاد في ذات الوقت، فالإعتقاد بسلوكياته يمضي فيها، والعقل بقدراته فاعل فيها، ولا تقترب من الإعتقاد ولا تخضعه لسلطة العقل، وهذا يأخذنا إلى واقع المسلمين الذين إستنزفوا طاقاتهم العقلية في الدين.

وقد كتبوا وألفوا وإجتهدوا وتفاعلوا وتفرقوا وتمزقوا وتمذهبوا، وأصبحوا فرقا وجماعات وطوائف لأنهم قد حشروا العقل في المعتقد والدين.

أي أن المسلمين قد خسروا حضاريا بإعمالهم العقل بما هو ديني، وأضاعوا جهود الأجيال بما لا ينفعها، ولا يزال المسلمون لا يتعلمون ولا يستطيعون إخراج العقل من الدين.

فالمشكلة التي تواجه المسلمين هي عدم القدرة على فصل العقل عن الدين، وليس غير ذلك من الإقترابات والتوجهات والإدعاءات.

المسلمون مطالبون بترك الإعتقاد لمن يعتقده، وأن يُعِملوا عقولهم بما يصلح لوجودهم المعاصر.

وعليهم أن يوظفوا التفكير العلمي والبحث الجاد للوصول إلى حلول ذات قيمة نافعة لحاضرهم ومستقبلهم.

ولن يكون العرب والمسلمون إذا تواصلوا في الإمعان بحشر العقل بالدين وهدر الطاقات والقدرات بالتأويلات والتحليلات والتفسيرات، ومن الواضح لا توجد أمة أمعنت بهذا السلوك أكثر من أمة المسلمين.

فلن تجد عند أصحاب الديانات الأخرى مؤلفات وإجتهادات مثلما هو حاصل عند المسلمين.

وعليه فمن الأصوب أن يدرك المسلمون أن الإعتقاد إنتماء بالعاطفة والقلب، وهو إيمان راسخ مسبق لا يحتاج إلى إعمال عقل.

وإن حشر العقل في الدين لا يساهم بتعزيز الإيمان، بل يؤدي إلى تشظي الرؤى والتأويلات لأن العقول لا تتطابق في إقتراباتها وآليات تفاعلها مع الموضوعات التي تتصدى لها.

وإنما لا بد من إتباع المنطوق الواضح الصريح الذي تنص عليه الآيات الكريمة التالية:

" ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين .

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون" البقرة 1،2،3

 

د. صادق السامرائي

 

محمد توفيق علاوي

تكشف الكثير من سياسات ترامب المعاصرة

(لماذا تراجع ترامب عن توجيه ضربة لإيران إن كان حقاً يريد ضربها؟)

انقل هذه الواقعة التي حدثت في بيتنا في بغداد عام 1967 حيث لم يتجاوز عمري الاربعة عشر ربيعاً عندما جاء الى بيتنا صاحب معامل الكوكاكولا في العراق صديق والدي بعد رجوعه من اميركا وكنت حاضراً في تلك الجلسة فقال: التقيت بإدارة شركة الكوكاكولا في امريكا وقلت لهم اني استغرب من قراركم بفتح معمل للكوكاكولا في اسرائيل التي لا يبلغ عدد سكانها الثلاث ملايين انسان وفي المقابل ستضطرون الى اغلاق كافة معاملكم في كافة بلدان العالم العربي بسبب قرار الدول العربية بمقاطعة الكوكاكولا ان انشأتم معملكم في اسرائيل، وعدد سكان العالم العربي يتجاوز ال 120 مليون انسان (في ذلك الوقت)، وهذه الخطوة ستكلفكم خسائر كبيرة جداً، فأجابوني: كل ما تقوله صحيح؛ ولكن جاءنا الاسرائيليون وطلبوا منا ان نفتح معملاً للكوكاكولا في اسرائيل فناقشناهم بنفس منطقك؛ فهددونا إن لم نوافق على فتح المعمل في اسرائيل فسيشنوها علينا حرباً اقتصادية في اميركا، ولهم القدرة على افلاس شركة الكوكاكولا في اميركا خلال 24 ساعة !!! هذه الحادثة لا تبين اثر العنصر المالي فحسب، بل تبين القوة الجبارة (للعنصر المالي) من قبل اللوبي المؤيد لإسرائيل في السيطرة على العملية السياسية وانتخاب رئيس الجمهورية في اميركا.

اما العنصر الثاني فهو عنصر (البرنامج الانتخابي الامريكي) الفريد من نوعه والذي يعتمد على اصوات كل ولاية على حدة وليس على كامل اصوات المنتخبين في كامل الولايات المتحدة ، ويسمى بنظام (المجمع الانتخابي) حيث الفوز لا ينطلق من التصويت الحقيقي،  فنجد في انتخابات عام 2016 ان عدد المصوتين لهيلاري كلنتون اكثر من عدد المصوتين لترامب كمجموع لكافة الولايات المتحدة بحوالي ثلاثة ملايين ناخب ولكن ترامب فاز على هيلاري ك(أصوات انتخابية) ، والسبب في هذا هو احتساب كامل الاصوات الانتخابية في اي ولاية للمرشح الفائز الاول في تلك الولاية اما الفائز الثاني فلا يحصل على اي صوت،  ولذلك خسرت هيلاري كلنتون استناداً لهذا البرنامج الانتخابي الامريكي الفريد، وهذا النظام الانتخابي وفر الفرصة للوبي المؤيد لإسرائيل للاستفادة من الجالية المؤيدة لإسرائيل حتى وإن كانت نسبتهم ضئيلة، ولكن في كثير من الولايات عندما تكون الاصوات بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي متقاربة يكون للأقلية المؤيدة لإسرائيل دور بيضة القبان. 

آيباك (اللجنة العامة للشؤون الامريكية الاسرائيلية)

 حيث تتولى هذه اللجنة توفير الاسناد المالي للمرشح فضلاً عن توجيه الجالية المؤيدة لإسرائيل للتصويت لمن يقدم اكبر الخدمات إلى اسرائيل؛ لقد قام ترامب خلال حملته الانتخابية بألقاء عدة خطب انتخابية في تجمعات (الآيباك) اعطاهم وعوداً في اسناده الكامل لإسرائيل ومن ضمنها التأكيد على القدس كعاصمة شرعية لإسرائيل ونقل السفارة الامريكية إلى هناك، فضلاً عن تغيير الاتفاق النووي مع ايران الذي تم الاتفاق عليه في زمن اوباما، وقد حصل ترامب على اثر ذلك تأييداً من قبل الآيباك مع تمويل كبير وتوجيه الجالية المؤيدة لإسرائيل لانتخاب دونالد ترامب في انتخابات 2016.

كيف نفهم ترامب؟

ترامب كأغلب السياسيين المكيافليين، مبادئه السياسية هي موازين الربح والخسارة؛ فلا يريد من سعيه لتغيير الاتفاق النووي مع ايران وسعيه لتحشيد القوات الامريكية في المنطقة وتهديده بتوجيه ضربة قاصمة الى ايران اكثر من تأييد اللوبي المؤيد لإسرائيل من اسناده مالياً والتصويت له في الانتخابات السابقة واللاحقة، ومن يعرف ترامب وتأريخه يعرف انه لم يفعل ذلك انطلاقاً من حبه لهذا اللوبي، ولا انطلاقاً من حبه لإسرائيل، ولا انطلاقا من بغضه لإيران، بل انطلاقاً من أجل مصلحة ذاتية بحتة وهي رغبته بالنجاح والفوز في الانتخابات السابقة ومن ثم الانتخابات اللاحقة للرئاسة الامريكية لعام 2020؛ لذلك فانه لا يرغب بالحرب الشاملة ضد ايران من دون مبرر حقيقي، لإن ذلك سيؤدي إلى مقتل البعض او العديد من الجنود الأمريكان وهذا سيفقده عنصر النجاح في الانتخابات القادمة؛ إن القوات الامريكية قادرة على تدمير ايران تدميراً كاملاً، وهذا سيصب لمصلحة اسرائيل، ولكنه لن يصب لمصلحة دونالد ترامب للنجاح؛ حالة واحدة تمكنه من اعلان حرب شاملة، وهي إن قتل عدد كبير من الامريكان واتهمت ايران بذلك حتى وإن لم تكن مسؤولة في الواقع. 

ترامب كان ولا زال متفرجاً ولا نية له لضرب ايران ضمن هذا الواقع

 في سبتمبر 2018 سقطت بعض القنابل في محيط السفارة الامريكية في بغداد فتحرك جون بولتن وبومبيو لضرب ايران، ولكن البنتاغون رفض ذلك لعدة اسباب وإحدى هذه الاسباب عدم وجود قوات امريكية كافية في المنطقة، فقام ترامب بإرسال هذه القوات الضخمة إلى المنطقة في شهر ايار 2019 والقادرة على شن الحرب وليس لتهديد ايران فحسب؛ لقد ادى ترامب الواجب الملقى على عاتقه، فقام بالإضافة الى ارسال القوات بتوجيه الاتهام بشأن تفجير السفن في الفجيرة و ضرب الناقلات وكذلك ضرب المنشآت الامريكية والسفارة ومعسكرات امريكية في العراق إلى ايران من دون تحقيق علمي وواقعي؛ لقد كانت  توقعاتهم ان يقوم ترامب بضرب ايران بسبب ما وفروه له من متطلبات، ولكنه في هذا المجال ليس مسيراً كما اعتقدوا حينما تعامل سابقاً مع القدس والجولان ولكن لديه حساباته الخاصة في الربح والخسارة؛ فهو غير مستعد لضرب ايران لأنه غير مستعد للمجازفة بمستقبله السياسي وفوزه بالانتخابات من اجل اسرائيل؛ اما بالنسبة لضرب الطائرة فلعل لديهم ايادٍ خفية لإدخال الطائرة في المجال الجوي الايراني، وعندما اعلنت إيران عن مسؤوليتها توقعوا هذه المرة انه سيوجه الضربة لإيران؛ فأتخذ موقفاً في ظاهره اشد زاعماً انه كان ينوي ضرب ايران ولكنه تراجع في النهاية، لم تكن له اي نية بسبب حساباته للربح والخسارة، لقد اصبح واضحاً ان ترامب مستعد ان يتهم ايران بأي تهمة ويهددها بأشد التهديدات من اجل اسرائيل في الظاهر ومن اجل الفوز بالانتخابات في حقيقة الامر  ولكن ليس اكثر من ذلك.

الكرة الآن في ملعب الفريق المستفيد من ضرب ايران  

لا يعني ما ذكرنا من وقائع ان خطر الحرب قد انتهى، فمع جميع المعطيات اعلاه فلا زال الوضع خطير، ولا زالت امكانية توجيه ضربة موجعة للأمريكان من قبل الفريق المستفيد من ضرب ايران وتٌتهم فيها ايران موجودة. لأنه فقط في هذه الحالة يمكن تعبئة وشحن الشارع الامريكي ضد ايران وسيكون ترامب مجبراً على اعلان الحرب الشاملة ضد ايران، وستحترق المنطقة باسرها من العراق الى ايران إلى دول الخليج الى لبنان بل حتى اسرائيل كما تطرقت اليه جريدة هآرتس الاسرائيلية قبل بضعة ايام.

الكثير من الرافضين للتدخل الايراني في العراق، ولهم الحق في ذلك، كل تفكيرهم منصب على دمار ايران لإخراجها من العراق، ولا يفكروا بما سينال العراق من دمار بسبب هذه الحرب المدمرة؛ نسأل الله ان يحفظ العراق ودول المنطقة ويبعد خطر استشراء الطائفية وخطر التمزق والانهيار والدمار عن بلداننا، انه سميع مجيب.

إن ايران الآن في وضع لا تحسد عليه، فإن خرجت من هذه الازمة من دون حرب فإنها تتعرض الآن وستتعرض في المستقبل الى حصار خانق وشديد، اشد بكثير من حصار العراق في تسعينات القرن الماضي، قد يستطيعوا الانتظار لسنة ونصف بأمل ان لا يعاد انتخاب ترامب، ولكن ان اعيد انتخابه فستكون في وضع اشد بكثير، وستتغير المعطيات في ذلك الوقت ولا يمكن التنبؤ الآن بما سيحدث في ذلك الحين !!!

 

محمد توفيق علاوي

 

بكر السباتينواشتعال المواجهات الإلكترونية

أمريكا ليست ربهم الأعلى حتى يركعوا أمام أرجلها في كل المواقف التي تختبر فيها كرامة العرب.. على الأقل ليتعلموا من خصمهم اللدود "إيران" كيف يكون التحدي الذي فرض على الآخرين الاحترام. لماذا تنجح إيران في كبح جماح الغطرسة الصهيونية والأمريكية وتتحدى المقامر الأشقر ترامب فتربكه رافعة في وجهه الأربد "لاءاتها" القائمة على الثقة بالنفس، والجاهزية الكاملة، وانتهاج لغة الواقعية المعززة بأنفاس التحدي في خطابها السياسي والإعلامي، تعبيراً عن عدم الرضوخ لسياسة عض الأصابع، ولرغبات وعنجهية العم سام الذي تعربد في رأسه لغة أفلام الكاوبوي وثقافة رعاة البقر الذين اعتادوا حلب الأبقار في الزرائب. فقد هدد ترامب أخيراً وتوعد إيران في أتون أزمة الخليج الأخيرة، وقال الكثير! ولكن دون جدوى.. ثم إمعاناً في الترهيب ذهب إلى تطبيق استراتيجية الحصار على إيران وطالب دول العالم بعد الاستيراد من البترول الإيراني؛ لكن الأخيرة أجبرته على النكوص وأشعلت الانتباه في عقله المظلم كي يدرك بأن العالم الحر يتسع لغيره.. لا بل قامت بتفجير السفن في الفجيرة وخليج عمان دون أن تترك أثراً يدينها كما تقول أمريكا رغم أن الخبراء الموضوعيين أخذوا يكيلون الاتهامات ل"إسرائيل" صاحبة المصلحة في ذلك.. وفي أخطر مراحل التصعيد تسقط إيران، طائرة التجسس الأمريكية بلاك هوك التي تعتبر درة التكنلوجيا العسكرية الأمريكية وكانت تدرك مخاطر ذلك لكنها أيضاً تعلم بأنها تمتلك السلاح الرادع اللازم للتصدي والثبات، والمتمثل بالجاهزية العسكرية والإرادة الحرة.. وانتظرت أن يرد ترامب عسكرياً وفق بياناته التي كان يطلقها عبر تغريداته في تويتر، فلم يفعل ذلك، لأسباب كثيرة لعل أهمها أن إيران ذهبت إلى منطقة الغموض بعد حادثة إسقاط طائرة بلاك هوك.. فلم تعد في نظره مكتشفة من قبل أجهزة الرصد التي في حوزة البنتاغون. فكيف إذن تتورط بلاده معها في حرب ضروس عمياء لا تقوم على بيانات واضحة!؟ في الخاتمة قرر ترامب أن يحول الهجوم على إيران إلكترونياً.. فأوعز للبنتاغن بتنفيذ الأمر.

وفي سياق ذلك قالت صحيفة "واشنطن بوست" وموقع "ياهو نيوز"، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي عدل في اللحظة الأخيرة مساء الخميس الماضي عن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران رداً على إسقاطها الطائرة الأميركية المسيرة أثناء تحليقها فوق مضيق هرمز، أذن وطلب سرا من القيادة الإلكترونية الأميركية بشن هجمات إلكترونية انتقامية ضد طهران.

وذكرت الصحيفة أن الهجوم الإلكتروني عطل أنظمة إطلاق الصواريخ الإيرانية، بينما لم تعلق متحدثة باسم وزارة الدفاع على هذه العمليات إلكترونية، إلا أن ترامب أكد عليها في تصريحاته الأخيراً رداً على منتقديه الذي اتهموه بالتقاعس في الرد..

وبحسب "ياهو نيوز" فإن هجوما إلكترونيا آخر استهدف شبكة تجسس إيرانية مكلفة بمراقبة السفن التي تعبر مضيق هرمز.

وإذا كان النتيجة فاعلة كما يقولون، فكيف تمكنت إيران من رصد طائرة بلاك هوك منذ خروجها من مطار الظفرة الإماراتي حتى وقوعها في مرمى الصواريخ الإيرانية المتطورة.. ومن ثم مشاغلتها وإسقاطها. ما يعني أن أنظمة التحكم الإيرانية الإلكترونية لم تتأذى.. وهذا يؤكد أيضاً ما قاله في هذا الشأن وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، الاثنين الماضي، في أن الهجمات الإلكترونية الأميركية على أهداف إيرانية لم تكن ناجحة.

وبكل روح رياضية، دعونا نصفق لإيران طويلاً وإن اختلف عرب الخليج معها؛ حتى ندرك حقيقة لا بد منها وهي أن الكرامة فوق كل شيء.. وإن العالم يبتز العرب لأنهم لا يثقون بقدراتهم، حتى"إسرائيل" ومن ورائها أمريكا تعيشان في مأزق كبير مبعثة الصمود الإيراني وحلفائه الإقليميين الذين يتلقون الدعم منه، مثل: حزب الله وحركتي الجهاد الإسلامي وحماس.. إن الصمود الإيراني يقدم لدول الخليج العربي درساً في الإيمان بأن الدول العربية ستكون مثل إيران لو تصرفت بحنكة وثقة.. من خلال الإدراك بأن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه ضمان الأمن القومي الخليجي.. وإن صفقة القرن التي شرع القائمون عليها في تنفيذ أولى مراحلها الاقتصادية في البحرين بمشاركة السعودية والإمارات وقطر والأردن ومصر ستفشل لأن المقاومة الفلسطينية في غزة والمدعومة من إيران تقف لها بالمرصاد.. تلك الصفقة التي ترمي إلى تصفية القضية الفلسطينية طمعاً في دمج الكيان الإسرائيلي ضمن التحالف الموجه ضد إيران.

وأخيراً ينبغي أن تؤمن الدول العربية بضرورة فتح حوار جاد مع إيران وردم كل الخلافات بينهما على أرضية التفاهم البيني بعيداً عن الأجندات الإقليمية.. فتوفر بذلك كلٌّ من السعودية والإمارات مئات المليارات مما يدفعانه لترامب مقابل تقديم الحماية لهما. وبدلاً من الظهور في دور البقرة الحلوب بالنسبة لأمريكا، بوسع دول الخليج العربي أن تكون كالهزبر الذي يلجم الأعداء بزئيره المهيب من خلال الجاهزية للتوافق السلمي مع إيران لصالح التنمية وعدم السماح لأي قوة عظمى بأن تتجاوز حدودها معها حتى لو كانت أمريكا بكل ما لديها من هالة وجبروت.

 

بقلم بكر السباتين

 

شاكر فريد حسنالمرحلة الراهنة موبوءة وتعج بالأقلام المرتزقة، والسابحين في فلك أصحاب النعيم النفطي، والمروجين للفكر الانهزامي الاستسلامي الانبطاحي، منهم فلسطينيون، ومنهم عرب أقحاح من بني قحطان من خريجي مدرسة التعاقد والتصالح مع المرحلة .

لقد بدأ مشروع التخريب والانتكاس والانتكاب الثقافي، وولادة تيار الانحراف على الساحة الثقافية الفلسطينية مع توقيع اتفاق اوسلو المشؤوم، كأحد أدوات المشروع التصفوي الشامل للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني . وعمل أصحاب هذا المشروع على زرع الاوهام والبلبلة على ساحة الالتزام الفكري والثقافة الوطنية الفلسطينية، المُؤَسَسْ على عفوية المشهد التاريخي والحضاري الفلسطيني .

وقد نجم عن هذا الواقع الموبوء سقوط الكثير من رموز الثقافة والأدب، من شعراء وأدباء " المقاومة "، في براثن التدجين، وتحولوا إلى أبواق ومدّاحين ومروجين في جوقة المؤسسة الفلسطينية أو ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية .

لقد كثر المتسلقون والانتهازيون والمنتفعون وأمراء " ثقافة الاعتدال الفلسطيني "، الذين اشهروا سيوفهم وسكاكينهم في جسد شرفاء الموقف الوطني الملتزم، بغية التصفية الجسدية لمثقفي العفوية المشتبكين ولمؤسسي الجرح والألم الفلسطيني، المناهضين للمشروع التكاملي الوظيفي التسووي الثقافي والسياسي، واخراجهم من الذاكرة الوطنية، في محاولة لتغييبهم عن المشهد كي يبقوا يصولون ويجولون في الميدان لوحدهم .

ولعل افرازات ذلك اقصاء الشاعر الفلسطيني مراد السوداني عن موقعه كرئيس لاتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين في المناطق المحتلة العام 1967، الذي يتمتع بفكر وطني نيّر ومواقف جذرية راسخة، وذلك كجزء من حالة التناحر الثقافي بين أصحاب المواقف الوطنية المبدئية والاستقامة وبين المروجين لفكر الهزيمة  والمتصالحين مع المرحلة .

الساحة الثقافية الفلسطينية في الداخل والخارج ما زال فيها شرفاء وأقلام نظيفة تملك شرف الكلمة والموقف، وتؤمن بفكر وثقافة المقاومة وهدف التحرير، ومهمتها الآن في هذه المرحلة العاصفة الحبلى بالمخاطر، والزاخرة بالسقوط والانهزامية، التحرك الفاعل والتصدي للتيار الانحرافي الثقافي وتعرية رموزه وفضحها، والمبادرة نحو تأسيس تيار ممنهج  للثقافة الوطنية غير المساومة، وقيادة سفينة الثقافة الكنعانية وانقاذها من الغرق في بحر الامواج المتلاطمة .

لقد انتهينا سياسيًا، وسقطت رموز ووجوه قديمة وعتيقة خلف سقوط المرحلة، كرّست هزائمنا وعجزت عن المواجهة، وفَشِلَ اوسلو وتركَ اسقاطات عديدة اشدها واكثرها ضراوة وشراسة الانقسام البائس الذي لا نرى له نهاية، ولا أي ضوء في آخر النفق الفلسطيني المعتم الحالك .

وعلى ضوء ذلك نحتاج الآن إلى تطوير أدواتنا الثقافية ورفد مشروع التحويل الثقافي في الساحتين الفلسطينية والعربية، والمهمة الحاسمة صياغة مشروع ثقافي اعتراضي فلسطيني مزود بما يتيسر من معدات ولوازم الفعل الثقافي لمواجهة فكر الهزيمة ورموزه .

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

ميلاد عمر المزوغيالمتتبع للأحداث الجارية في ليبيا يلحظ تدخل المجتمع الدولي في الشأن الداخلي الليبي بعد ان تحصل على تفويضا عربيا، الحجة كانت حقوق الانسان، رمى الغرب بكل ثقله، أسقط النظام، أصبحت البلاد مقرا وممرا للتكفيريين وشذاذ الافاق، من كافة اصقاع العالم، رفع الغرب أيديهم عن البلاد، فقد تركوا فيها من قاموا بإعدادهم على مدى عقود من الزمن، أصبح هؤلاء لا يحتاجون الى توصية بل ينفذون ما يدور في خلد اسيادهم وأكثر.

لم ينعم الشعب بالديمقراطية التي وعد بها الغرب،بل أصبحت البلاد تحتل المركز الأول دونما منازع في مجال الجريمة المنظمة وغير المنظمة، قتل وخطف كل من تسول له نفسه الحديث عما يجري بالبلد، تم افراغ الخزينة العامة مما بها من أموال نقدية وعينية، من قبل من تولوا السلطة للصرف على ميليشياتهم التي يحتمون بها، والإقامة في الفنادق الفاخرة في عديد الدول التي قاموا بزيارتها ،ما لبث ان تحول توافقهم الى انقسام أدى الى تدمير ما لم يقم الناتو بتدميره من ممتلكات عامة وخاصة، مزيدا من القتلى والجرحى والمشردين والنازحين، الغرب لم يحرك ساكنا لأنه كان منشغلا بموضوع سوريا.

طفى على السطح تنظيم داعش الإرهابي وكشف عما يمتلكه من عتاد وبشر، وقد كانت الميليشيات التي تحكم السيطرة على طرابلس تنكر وجوده، انهما (الدواعش، فجر ليبيا) وجهان لعملة واحدة، انسحب الثاني من سرت ليحكم عليها الأول قبضته، ينكل بسكانها، نزح منها من له القدرة على ذلك اما من تبقى منهم، فانهم يعانون سوء العذاب، ليكون مصير "سرت" كـ "تاورغاء" التي أصبحت اثرا بعد عين، لم يتحرك الغرب الا بعد ان أيقن ان من قدموا البلاد بعد تدخله الميمون، قد أصبحوا يشكلون خطرا عليه، فقام ببعض الضربات التحذيرية ضد تنظيم الدولة ليقوم بإعادة تمركزه.

لقد أصبحت البلاد بسبب تخلي الغرب عنها والتغاضي عمن نزح اليها من تكفيريين، مأوى للإرهابيين الذين اخذوا ينتشرون في دول الجوار ما حدا بالرئيس التونسي، اتهام ليبيا بانها تصدر الإرهاب الى بلده، وهو يدرك باننا نعلم جيدا ما قدمته تونس ابان توليه السلطة عقب سقوط نظام بن علي، لقد قال السيد الرئيس في حديث تلفزي بانه ساعد الثوار في ليبيا على الإطاحة بالحكم القائم بشتى أنواع الدعم بما فيها الدعم العسكري من الشقيقة قطر وغيرها! "ما يعد تدخلا في الشؤون الداخلية لبلد مستقل"، ناهيك عن تدفق الاف الشباب من تونس على ليبيا ابان حكم الترويكا للتدريب ومن ثم الانتقال عبر الشقيقة تركيا الى سوريا، فما كان من تركيا الا ان قدمت 500 مليون دولار لتونس مكافأة لها على تصدير ابنائها العاطلين عن العمل ليقوموا بشتى انواع الجرائم في بلاد الشام.

 ان تونس تستقبل قادة الميليشيات المسلحة التي تستولي على طرابلس وتفرش لهم البسط الحمر ابتهاجا بمقدمهم ويقيمون بأفخم الفنادق  ويحظون بالحراسة المشددة  نظير ما يقدمونه من اموال الشعب الليبي لعديد رجالات الدولة التونسية، ويتناسى السيد الرئيس ان من قاموا بالأعمال الاجرامية في عدة مناطق تونسية، انما هم تونسيون اصيلون وقد عادوا الى بلدهم عندما ضاقت عليهم الارض بما رحبت، خاصة بعد التدخل الروسي في سوريا وهجمات امريكا على تنظيم الدولة في صبراتة القريبة جدا من الحدود التونسية، اقول لا تلقوا باللائمة على ليبيا التي سعيتم عن قصد او بدونه في تفكيكها وايصالها الى هذا الوضع، بل لوموا انفسكم وحاولوا ان تجدوا فرص عمل للشباب والتعامل مع الشرعية الشعبية وليست "شرعية" الامر الواقع، لقد ذكر اكثر من تقرير صادر عن الامم المتحدة بان الارهاب في ليبيا يغذى من عدة اطراف اهمها، قطر، تركيا، تونس ،السودان، فما عساكم سيادة الرئيس قائلون؟ دول الجوار لا ترغب في التدخل العسكري الغربي في ليبيا، لأنها تخشى من دخول الارهابيون الى اراضيها ومن ثم سقوط عروشهم كما سقط اخرون. 

أعلن الغرب اعترافه بمجلس النواب، لكن عينه كانت على مؤتمر الريكسوس الذي يقبع به المعاقون فكريا، وأصحاب الأيديولوجيات التكفيرية التي لا تؤمن بالراي الاخر، انقسم البلد سياسيا الى شطرين، ما لبث ان رعى الغرب "حوارا وطنيا" بين مجلس النواب وأطراف أخرى ليس لها تمثيل شعبي او ثقل جهوي، ليعيد بل ليكافئ (الغرب) من اسقطتهم صناديق الاقتراع الى السلطة من باب المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، وبالتالي يتحصلون على الحصانة التي تمنع او تحول دون مساءلتهم عما اقترفوه بحق الشعب، الغريب في الامر ان الغرب يقول بانه مجرد راع للحوار، لكنه يضغط على مجلس النواب وبشدة لأجل تمرير "حكومة التوافق الدولي" التي تم تعيينها من قبل البعثة الأممية، ان الأمم المتحدة تلوح "تهدد" بمعاقبة كل من لم يمرر الحكومة واعتباره معوقا للحياة الديمقراطية؟ فهل يعقل ان يعاقب النائب المنتخب شعبيا، وقد يصل الامر بمعاقبة رئيس البرلمان، بينما لم يعاقب أي من المجرمين على مدى الخمس أعوام السابقة، بل وصل الامر بالمجلس الرئاسي الذي يستقوى بالأمم المتحدة الى اعتبار الحكومة التي شكلها دستورية ولا حاجة لإضفاء الشرعية عليها من قبل البرلمان، فأي نوع من الديمقراطية يريدون اقامتها في ليبيا؟، فإما ان يمارس النواب حقهم واما ان تعلن الأمم المتحدة صراحة حل البرلمان وتشكيل حكومة وصاية، وليفعلوا بالليبيين ما يشاؤون، فالبلد يشهد ترد اقتصادي وفساد مالي ونقص في كافة الخدمات وارتفاع فاحش في أسعار السلع الضرورية، ونقص في السيولة بالمصارف التي أصبحت شبه مقفلة ،حقا البلد تحت الفصل السابع.

لقد تصرف الغرب خارج إطار القرار الصادر عن مجلس الامن الداعي لحماية المدنيين، اوباما يلقي باللائمة على كل من بريطانيا وفرنسا بشأن اسقاط النظام لمصالح شخصية، لا يهم، عالمنا العربي منتهك السيادة بواسطة الذين مكنهم الغرب من التسلط علينا من بني جلدتنا،فما يسمى بالجامعة العربية هي من استدعت الغرب للتدخل في انتهاك صارخ لميثاقها الداعي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة، انها الشرعية الدولية او ما اسموها (الفوضى الخلاقة) فهل كانت الفوضى الا تدمير كل شيء ليعيدوننا الى العصور الوسطى، كأني بهم قد استكثروا علينا ما حققناه من تقدم وبناء (على الاقل بمقياسنا المتواضع) بعد ان رحلوا (أُجلوا عن ديارنا) عنا.

حتما سيبزغ فجرا بعد الليل مهما طال، وسينهض الشرفاء من ابناء الامة ليعيدوا لها اعتبارها وعلى البغاة ستدور الدوائر.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

عمار حميدصفق الجميع ابتهاجا بأبن مدينتهم الفقيرة بعد ان احرز اكبر عدد من الاصوات في الانتخابات البرلمانية وكان هو في غاية السعادة والفرح لأنه كان محل ثقة اهله وسكان مدينته فقد اصبح قادرا على الايفاء بوعوده التي قطعها لهم من اجل تحسين واقعهم المتردي، ثم أتت ثلاث سيارات دفع رباعي تويوتا من نوع (جكسارة) مظللة مع الحمايات اصحاب البدلات الرسمية واربطة العنق، يرتدون نظارات معتمة ويضعون سماعات مع اللاقطات في آذانهم وقاموا بوضعه في سيارة وزوجته في سيارة واولاده في سيارة اخرى وتفرقت السيارات الثلاث.

الى اين تأخذون زوجتي وأولادي؟

سيدي المسؤول الجديد مرحبا بك وأما زوجتك فستذهب الى القصر الكبير الذي تم تهيأته لكم في أرقى مناطق العاصمة واكثرها تحصينا في المنطقة الـ....

وأما اولادك وبناتك فتم ارسالهم لأصدار جوازات سفر دبلوماسية لهم استعدادا لبدء العام الدراسي الجديد في ارقى مدارس أوربا وأمريكا.

شعر بسعادة غامرة فهو لايكاد يصدق ماتسمع أذناه بينما الـ(الجكسارة) مستمرة في طريقها حتى وصلت الى منطقة ...... وتوقفت عند بناء ذي شكل خاص تحيطه الحدائق الخضراء والزهور العطرة من كل زاوية.

ترجل من السيارة ورافقه الحرس نحو الباب ثم اُدخِل الى قاعة فسيحة وكانت الأضاءة قليلة فيها ووسط هذه القاعة كان هناك كرسي ومنضدة وضعت عليها ورقة تحمل أسطراً وقلم ويقف بجانبها رجل عجوز صامت مرتديا بدلة فاخرة وفي وسط القاعة عُلِّقت شاشة كبيرة برز منها ظل لهيأة رجل ولاشيء غيره.

أشاروا له بالجلوس الى الكرسي ثم سمع صوتا عميقا يصدر من الشاشة الكبيرة يقول له : أقرأ!

نظر الى الأوراق ثم قرأ:

1- المتنفذون في الدولة العميقة هم المدراء العامون ومن بدرجتهم... اصحاب معارض السيارات المختصين ببيع موديل تويوتا المعروف بـ(جكسارة).. اصحاب المولات..اصحاب المولدات... حفّاري القبور... مصوري الأعراس ...

ثم يليهم الوزراء واخيرا رئيس الحكومة اي ان الامر بالمقلوب فالقاعدة ان اصغر موظف في الدولة بأمكانه ان يصبح أهم موظف في الدولة العميقة وهذا مايسمى بالهرم المقلوب.

2- المبدأ الاساسي لعمل مسؤولي ورجالات الدولة العميقة هو العرقلة وأدامة الروتين وحراسته وعدم المساس بثوابت مايسبب الخناق.

3- أهم مايطلب من عنصر الدولة العميقة هو الولاء المطلق وعدم الخيانة.

4- الدولة العميقة ترفض النظام بل هي عدوة له.

5- الدولة العميقة شرسة في ردود فعلها عند محاولة محاربتها والوقوف بوجهها.

6- التكنلوجيا من اهم اعداء الدولة العميقة لانه يقيدها ويشل حركتها.

7- اهم حليف تكسبه الدولة العميقة الى جانبها هو الاعلام لانه قد يكون قاتلا لها ان لم يكن تحت سلطتها.

8- كل ماتوفره الدولة العميقة لرعاياها يسير تحت شعار... أشششش اكل ووصوص.

9- تفضل الدولة العميقة مناخ العزلة وعدم دخول الاجانب القادمين من دول يسود فيها تطبيق القانون.

- انت ملزم بأتباع هذه النقاط التي تشكل أساس الدولة العميقة ....ايها المسؤول الجديد.. قال الصوت الصادر من الشاشة الكبيرة.

-  وماذا ان لم أفعل؟.. قالها بحزن مشوبٍ بالغضب موجها سؤالة الى المحيطين به

- اقرأ الفقرة رقم (5) ....سيدي المسؤول الجديد وبكل بساطة فأن رئيس كتلتك من الموالين لنا وأحد الذين وضعوا هذه النقاط التي أمامك.

شعر بالضيق وتصبب عرقاً وتردد لأنه للتو تذكر انهماك زوجته لتحضير منزلهم او قصرهم الجديد واولاده المتوجهين الى الخارج لغرض الدراسة في أرقى المدارس العالمية، ثم أمسك بالقلم وقال بمرارة ... أين أوقّع؟

تكلّم الرجل العجوز اخيرا وقال ... لاتقلق ... ستعتاد على الأمر.

 

عمار حميد مهدي.

 

نايف عبوشلا ريب أن فضاء الإنترنت الرقمي بمضامين ما يتداول فيه من دردشات، ونصوص، وصور، ومقاطع فيديوية، سيف  ذو حدين. ويقينًا فإنه ليس كل ما يتداول فيه سيئاً. بل إن هناك الكثير من المتداولات فيه إيجابية، ونافعة.

وتجدر الإشارة إلى أن أساليب التواصل الاجتماعي في الواقع الحقيقي، كانت محدودة، ومعروفة، ومنظبطة، قبل ظهور مجتمع الواقع الافتراضي الجديد، المفتوح في كل الاتجاهات، كمجالس الدواوين.. والمساجد، والمدارس. وكان التواصل فيها يخضع إلى ضوابط اعتبارية، حددتها الاعراف والتقاليد،ويتم الالتزام بها من قبل مرتاديها بطواعية، حيث يحرص الجميع على الالتزام بها، وعدم تجاوزها، فقد من السهل يوم ذاك تصويب الخطأ في حينه، مباشرة، بموجب تلك المعايير العرفية، التي ترسخت في الوجدان الجمعي للناس.

اما في مجتمع مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي، ونظرا لتعددها، وتنوع أنشطتها، وسعة حجم المرتادين، وتباعدهم بالانفصال المكاني عن بعضهم البعض، ولتفاوت المقاصد، وتنوع الثقافات، ولعدم وجود تقاليد ملزمة للمرتادين، لظبط سلوكهم عند تعاطيهم مع المتداول من المنشورات، فإنه يصعب إلزام الجميع بمعايير تعاطي واحدة. كما يتعذر التصويب لما قد يحصل من أخطاء، وتجاوزات، عفوية كانت، ام متعمدة، وبنفس الطريقة التي كانت تتم في أماكن التواصل في مجتمع الواقع الحقيقي.

 لذلك كله.. يتطلب الأمر من الرواد، والمتصفحين، التحلي باللياقة العالية، والتعامل بالحسنى، والعمل على إشاعة الفضيلة، ونشر القيم  النبيلة، والحرص على تعميم قيم  التعايش المشترك، ورفض التطرف والغلو والإرهاب. واعتماد الصمت كأفضل خيار، إذا اختلطت المتداولات،على قاعدة (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فليقل خيراً.. او ليصمت).

وبذلك نساهم جميعاً في خلق مجتمع تواصل حقيقي متماسك، وتسوده المحبة،والود،حتى وان كان مستولدا من ضجيج واقع التواصل الاجتماعي الافتراضي، الذي صنعته ثورة الاتصال الرقمية، والذي يعج في فضائه بالغث، والسمين.

 

نايف عبوش

 

علجية عيشفكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ وتؤسس حضارات

هجرة الأفكار لا تعني هجرة العقول إلى الخارج، ولو أنها واحدة من أهم المشكلات الخطيرة التي تواجه المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي في كل أقطاره، وإنما هي الاستثمار في الأفكار وتبنيها لخدمة الصالح العام، وقد تحدث الكثير من الباحثين عن هجرة الأفكار، ومنهم "جلبرت هايت" في كتابه تحت عنوان: هجرة الأفكار، وضع فيه فلسفة التاريخ، قدم أمثلة عن تطور الأفكار في جانبها الإيجابي وكيف استثمرت الشعوب في أفكار شعوب أخرى، ويكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ وتؤسس حضارات، لقد تحدث جلبرت هايت عن التاريخ بإسهاب شديد، وقال أن التاريخ من الدراسات ألأكثر تعقيدا باعتباره الحقل الذي يحفز أحداث الماضي، والجزء الأكبر من التاريخ لا يدور حول الأشخاص والأفراد أو رجال عظماء، أو سجل للمعارك والحروب، وكيف انتزعت إحدى الطبقات الثروة والمجد من طبقة أخرى، وإنما يدور حول جماعات: وطنية، دينية، أو جماعات أخرى (الماسون).. والأفكار تنتقل من جماعة إلى أخرى.

رغم أن الإسلام تابع سيره مخترقا الحدود الطبيعية والجغرافية حتى وصل شرقا إلى إيران والهند والصين وغربا إلى إسبانيا، وشمالا إلى جزر البحر الأبيض المتوسط وبلاد الأناضول وأرض روسيا، وجنوبا إلى قل أفريقيا وسواحلها الشرقية والغربية، غير أن العالمين العربي والإسلامي لم يعيشا عيشة الجسد الواحد، ولم يعملوا بدستور الإسلام، وهذا ما تؤكده العديد من الكتابات، فلم يعرف التاريخ مجتمعا نشأ سليما، أبيا مثل المجتمع العربي، ذلك أن المجتمع العربي اقبل في حماسة لكل ما يجلب له الخير والنفع، لقد كان العرب منذ أن ظهروا على مسرح الأحداث العالمية أصحاب رسالة سامية يدعون فيها إلى المحبة والإخاء، غير أنهم لم يستثمروا في أفكار غيرهم وحتى أفكارهم، وتخبط البعض منهم من أصحاب النفوس المريضة في فهم هذه الرسالة السامية، حيث اتخذ عداء هذه الفئة طابعا خاصا في التاريخ، ومن هنا بدأت الحضارة العربية تعرف نوعا من التراجع،الصراعات والخلافات بين المسلمين تحت ستار تيارات مختلفة فظهر الانشقاق في الأمة العربية والإسلامية التي كانت خير أمة أخرجت للناس، فعرفت بالشلل والجمود.

وها هو إمبراطور اليابان عام 1868 وهو يؤدي مرسوم القسم أمام الشعب، حيث قال: "سنبحث عن المعرفة في جميع أنحاء العالم" ومن هنا بدأت سياسة اليابانيين تنحصر في تعلم كل ما يمكن تعلمه من الشعوب الأخرى، وطبقوا هذا الشعار في حياتهم اليومية، فاقتبسوا من الصين ذات الحضارة العظيمة، دون أن يصبحوا أسرى لها، فكانوا قوما أقوياء الإرادة، وقد سارت تركيا على نهج اليابانيين وكذلك الرومان الذين حولوا منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط من أحراش وصحاري إلى بلاد كلها حدائق وكروم وحقول يانعة، ولولا الإغريق لما كانت للرومان حضارة، إن الفكرة الواحدة يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، وقد تناول الفيلسوف مالك بن نبي رحمه الله مشكلة الأفكار، إذ يقول وهو يتحدث عن جهل المسلمين بهذه الاعتبارات : "إنّ المجتمع الإسلامي يُعاني من السخط الإلهي الصادر من النماذج الكُلِّية في محيطه الثقافي بالذات، كما يعاني من الانتقام الشديد على يد الأفكار التي استعارها من أوروبا دون نظر في الشروط التي من شأنها أن تُحافظ لها على قيمتها الاجتماعية، وينجم عن ذلك فقدان الحيوية في الأفكار الموروثة وفي الأفكار المُكْتَسَبَةِ، وهو الأمر الذي يُخِلُّ إخلالاً خطيرا بالتطور المعنوي والمادي في العالم الإسلامي، ودون تعميم طبعا، إن الاحتكار الفكري في مجتمعنا العربي وبالخصوص المجتمع الجزائري وراء الكساد الذي تعيشه "النخبة" في الجزائر،  فهل حان الوقت بأن تستفد الأمة العربية من التغيرات التي حدثت في اليابان وتركيا وماليزيا، وكيف تصنع تاريخها العربي والإسلامي بواسطة حركة الأفكار؟ تلك هي المشكلة؟

 

علجية عيش

 

كاظم لفتة جبروقفتُ امام المرآة نظرت فيها فلم أجد سواي، اجتاحني الذهول عندما لم أر المرآة، ورأيت ملاح وجهي،تراجعت بعيداً عنها لمستها فوجدتها موجودة، توغل الخيال عقلي،لمحت وجه المرآة فتبسمت فيبدو ان صورتي قد تبسمت أمامي، داهمني عقلي بفكرة ان المعتم لا يعي وجوده إلا بوجود كائن آخر له صورة، وانعكاس تلك الصورة يحي العتمة،فلا يمكن أن نعرف صورنا دون وجود العتمة، ولا يمكن للعتمة ان تعبر عن وجودها دون صورة،فوجود الصورة مهم كوجود العتمة، وكذلك الأمر يكون مع الروح والجسد فكلاهما يشكلان عظمة الانسان .

رجعتُ انظر إلى المرآة لترتيب نفسي، طَفت في ذهني  فكرة  ان ترتيب الانسان لنفسه لا يكون إلا عبر شيء آخر عاكساً اليه في كل ما يفعله، فخُلق الانسان لا يتجلى إلا عبر انسان آخر، فالأخر هو المرآة التي نرى صورنا فيها وسلوكنا، فكانت تلك حكاية بداية فن المحاكاة بين الانا والاخر نقلها الفن إلى الواقع ليرسم لنا وجودنا، فالفن رسالة إنسانية تعبر عن الماهية وتخرج بمحاكاة وجودية ترسم في لوحة فنية تعبر عن اذواقنا المادية بنفحة روحية تجلت في خطوط لوحة مرئية،

كذلك الاخلاق فنون عملية يتخلى فيها الانسان عن الأنانية ليترجم لوحة وجودية تجمع شمل الانسان في قانون الوضعية، ولا يمكن أن تكون الاخلاق لولا وجود البشرية، واختراع فن التعامل وفق الإنسانية، ليس وفق قانون بقاء الأقوى، فذلك بعيداً عن قانون القوة الالهية لذلك خلقت الإنسانية في كون محدود تراعىَ النسبية وفقِ الفوارق الجوهرية بين بني البشرية، وتحدهُ الجاذبية لترتيب اللوحة الإنسانية بخطوط إلهية وألوان طبيعية ترقى لكتابة فن الوجودية في مأساة الانسان في تكوين هوية فردية بعيداً عن الأنانية، واختزال وجود الاخر في تلك اللوحة الوجودية، لنعبر عن اذواقنا وفق مفاهيم ذاتية تحررها من انعكاسات الآخر القمعية، لتظهر الأنا بحلة قيمية ذات أبعاد جوهرية تستكمل الوان البهجة الفنية لتحول اللوحة لصراعات نفسية عبر ظهور الكبت نتيجة وجود الآخر التسلطية،فظهور الوجودية كان يعبر عن نظرة تشأومية للحياة الفوقية، فكان المطلوب إيجاد مختبر لتحليل الدوافع النفسية لما تظمره النفس الإنسانية من كبت اتجاه الآخر، نتيجة الفوارق الطبقية و المجتمعية بين دعاة الرأسمالية والاشتراكية،فعبرت عن التضاد بين الآلات  والذات الإنسانية فكانت الماركسية انتصاراً لليد البروليتارية،

فكل ما جرى على مرور تاريخ البشرية صراع بين المعتم (المادة) والصورة الأحادية، فتلك الصورة أقدمت على صنع البندقية لتجرب شرور المادية،ويبدأ الشر بتشريعات روحية حتى أن البعض توهم انه بالقتل ينفذ أوامر إلهية ليمحي شرور المادية،لتبقى الصورة الأحادية تصر على سرقة نفحة إلهية  لتجلس حول العرش تفسر حوادث تاريخ الانسانية بخطوط مائلة تسمى شيطانية، لتخلط الوان اللوحة الوجودية بأقلام يقال عنها ربانية، فتذهب الإنسانية ذات الألوان الأحادية وتسيطر على اللوحة وتضيف الوان وهمية تجعل الانسان يرى الالوان كلها حمراء دموية،حتى أصبحت كل صورة انظر إليها في الشارع هي لشهيد سالت الدماء في ذهني  جراء بشاعة الرمزية،جعلت من عقول الناس مسيرة باحاديثهم الحربية التي تنص على قتل جمال المادية، إلا أن الوهم أصابهم فجعلوا الجماهير مطيعة غير ابية لما يحدث من قتل وسرق لجمال الطبيعة الإنسانية، وهي بالاحرى  من صنع  فن الخداعية، أما البعض يرى التخلص من الاخر لتوابع ملكية، فصورة القتل عقد بين الصورة الانسانية والآلات  المادية، فتنتفض المادة بعد قتل الضحية لتقول لصورة الانسان أمُرت فاديت ما عليه،

فالإنسان هو المذنب الذي جمع المادة والتكنولوجيا وجعل كل شيء في الوجود خاضع لتسلط الأنانية ،ولم يترك المادة حرة لتقدم أسلوبها وفق ما صنعت لأجل تعديل الخطوط المائلة في لوحة الفن التشكيلية لتوازن الوان الطبيعة البهية وتقدم خدمة جليلة سمية، الله ترك الانسان عندما خلقه ليعمل وفق حرية إنسانية بحدود إلهية، لذلك استخدم المادة لأغراض نفعية ونبذ المادية، إلا أنه هو المسبب بتخريب لوحة الوجود واضفاء الوان درامية  تضادية تتحدث عن الخير والشر، والحب والكرة،والربح والخسارة، والانا والاخر، كل ذلك مفاهيم رجعية أحيت من خلالها الصورة الوهمية  .

كما أن الديانات أسهمت في توضيح وتفسير وشرح تلك المفاهيم لإزالة  الصورة الوهمية وجهل التضاد بين الصورية والمادية،فالدين انعكاس لضوء الهي يُظهر اللوحة الكونية بألوانها الزهية، نقلاً تلك العتمة نحو الشفافية، ليظهر الانسان فيها خليفة معرفية مستخدم مهاراته المادية لتحويل الطبيعة لما بعدها لتكون فلسفة أرسطية بخطوط دينية، اوحت تلك اللوحة لنا ان المعرفة هي انعكاس صور أخرى تجسدت في صورة الانسان فأصبحت الخليقة غير خيرية وأوحى لها الشر طريقاً بقيه وسبيل لبقاء الانسان بصور وهمية،وتلك الصور ليست حقيقة الانسان التي خلقها الله بصورة نقية بعيدة عن التعالي عن المادية،حقيقة الخلق أجاب عنها الله في رسالته،ان الانسان في أصل خلقه مادة وصورة، تجسدت في لوحة الإنسانية.

 

كاظم لفتة جبر

 

محمد الدعميإذا كنت قد تابعت افتتان العقل العربي بالماضي (في مراحله المبكرة) إلى ميله إلى للتسلية عبر استرجاع “حكايات” القدماء التي ثابر “الإخباريون”، ثم “الحكاياتيون” على الحفاظ عليها، والمثابرة على بقائها، فإنه يكون من الضروري رصد النقطة التاريخية التي شهدت “تحول” هذا الميل للتسلية إلى دراسة “التاريخ”، أي باعتماد الشكل العلمي لأخبار القدماء.

في هذه النقطة المفصلية تمكن العقل العربي من تحرير التاريخ من الحكاية على سبيل منحه سجية علمية تسمو به من وسيلة تسلية إلى نظام علمي تراكمي يضاف إلى مصاف الأنظمة العلمية التي لا يمكن متابعتها والإفادة منها بلا مناهج علمية دقيقة وأدوات تحقق وتيقن على سبيل الانتقال من الافتراضات الفضفاضة إلى مراحل التأصيل والتوثيق العلمي، إذ كان هذا المفصل المهم من تاريخ التأريخ العربي الإسلامي قد برز بقوة بعد ظهور الإسلام، بسبب الصراعات والجدالات السياسية والفقهية المتأخرة بعد الابتعاد أطوالا زمنية كبيرة عن لحظة ظهور الإسلام وعمّن شهد أوائل أحداثه الجسام.

وإذا كانت هذه النقطة المهمة قد أذنت بولادة الشيوخ من أمثال الطبري والمسعودي وابن مخنف واليعقوبي، من بين آخرين، فإن تعقّد الحياة الإسلامية بعد مرحلة الأمويين ومجيء العباسيين قد قاد إلى ما هو أعقد وأكثر تخصصا في تواريخ التاريخ عبر العالم أجمعين، دلائل إضافية على الافتتان العربي بالماضي، حتى تحويله إلى زنزانة فيما بعد من الحقب، قد يمتد مكوثه بداخلها حتى اللحظة.

وأهم أدلة تعقد التاريخ وتحوله إلى نظام علمي رصين، بدلا من كونه مجرد أداة “تسلية” وقضاء وقت، إنما يتمثل في ظهور أول تواريخ الأفراد والسيرة عبر العالم على مرحلة العصر العباسي.

وإذا ما تتبع البعض أصول هذه الظاهرة إلى السيرة النبوية الشريفة، إلا أن تعقّد الحياة والنظام في العصر العباسي قد أدى إلى ظهور أول معاجم الـــWho is who في العالم، وقد كان كتاب (طبقات الشعراء) لابن المعتز العباسي أول الغيث، ثم ما لبث هذا المصنف، الأول من نوعه في تاريخ ثقافات العالم، أن تبعه مؤرخون عباسيون في تواريخ وسير أصحاب الحرف وأولي الأمر والسلطة، ثم تواريخ حياة الخلفاء وأصحاب الإمارة، ناهيك عن التواريخ الكبرى الخاصة بالحواضر العظمى إذ تمت التورخة للمدن الرئيسة من أمثال الكوفة والأبلة، ثم مكة المكرمة ودمشق والموصل وبغداد والقاهرة، من بين سواها من حواضر العالم الإسلامي الزاهرة على سنوات العصر الوسيط. وهذه، لعمري، ظاهرة متفردة لأن مؤرخ المدينة لا يكتفي بحكايات تأسيسها وبنائها ونموها فقط، بل هو يتجاوز ذلك إلى العبقريات التي استولدتها ورعتها تلك المدن العظيمة من بنائين ومهندسين وأطباء وصيادلة وأعمدة ثقافة وشعر وأدب!

 

أ.د. محمد الدعمي