 أقلام حرة

أولاد السلطة (3): صاحب الحل والعقد

سليم الحسنيفي غرفة صغيرة، كان صاحب الحل والعقد يقضي وقته في تقليب الأمور بصمت، بسط سلطته بهدوء، مستغلاً مكانة والده البارزة فهو السيد الكبير الذي لا ينازعه الزعامة أحد.

شهد ابن السيد التحول الكبير، ففي زمن النظام الدكتاتوري، كان الخوف يسيطر على البلاد، وكانت أفواه السجون مفتوحة تلتهم الناس بلا حساب، وصار رصاص الاغتيال هاجساً يومياً، بعد مقتل ثاني الصدرين.

وبعد سقوط النظام، تغير الحال، لقد اختفت السجون وزال الخطر، وراح أصحاب السلطة يقصدون بيت السيد الكبير يطلبون المشورة ويأخذون الرأي، وقد أحاطهم السيد بروحه ومنحهم بركته، وسهّل لهم الطريق.

لكن السيد الكبير وجد فيهم جشعاً، فصار ميّالا الى العزلة بعض الشيء.

هنا وجدها ابنه فرصة العمر، لقد تحرك الطموح بداخله، فرئاسة الدين لا تكفي، فراح يضم اليها رئاسة البلد. وقد شجّعه على ذلك أن الناس لا يميزون بين الآباء والابناء، لقد توارثوا حب زعماء الدين، لا يعصون لهم أمراً، يرمون أنفسهم على الموت إن أرادوا. فوجد ابن السيد أن هذه الجيوش الفقيرة يجب أن تخضع له، وبها يستطيع أن يفرض على رجال الدولة الخضوع، فيكون هو صاحب الحل والعقد، وقد صار.

باب خشبي قديم بين غرفة والده السيد الكبير وبين الشارع، فحرص أن يقف عنده، لا يدخل عليه إلا من ارتضاه. وحين يضج أهل السياسة بأمر، يدخل على والده ويخرج، يحمل كلمة واحدة، تكون هي الفيصل القاطع، ولا أحد يعرف هل منه أم من أبيه، وليس لمعرفة ذلك سبيل.

عينه على باب الدار، لا يدخل أحد إلا برضاه. وعيونه على المدينة ترصد وترقب. سخطه يعني زوال الملك والموقع حتى لو كان صاحبه يملك أصوات الثقلين، ورضاه يعني الملك والموقع حتى لو كان صاحبه مجرباً بالفشل مشهوراً بالضعف، كما فعل ذلك وأسهم مع الآخرين في مجيء عادل الى السلطة.

يميل الى الضعفاء، حيث يسهل التحكم بهم، يحركهم باشارة خافتة، ويبقيهم على حافة الخوف، وذلك نهج اكتشفه في وجوه من حوله وفي وجوه السياسيين، فحرص على انتقائهم من بين الآخرين، فهم ضمانة قوته وسرّ سلطته.

جاءته بسمعه والده السيد الكبير، فمسكها بقبضة لا يفلت منها خيط، وزاد من قوة قبضته أن عززها بعين متسلط خبير، فجعل أصحاب السياسة يطلبون منه عين الرضا.

يقول أقرانه أنه حاد الذكاء مع نزعة تحكّم، وأنه إذا عزم على أمر، يصبر عليه طويلاً ولا ينساه، وأن أكثر ما يزعجه وعي الخمسينات الذي انطلق في النجف.

في شؤون الدولة، وكل أربع سنوات، يكون قد أعد للأمر عدته، فقد اعتاد أن ينسج خيوطها بحرفية عالية، لا يترك بصماته على عقدها، لكنه هذه المرة أخطأ، فلاحت أصابعه وهي تشير على عادل.

ضجّ الناس من ضعف الحكومة، ارتبكت البلاد، تم التزوير تحت قبة الأعيان، ظهر العجز واضحاً، وبدا الضعف مُخلاً، لكنه لزم الصمت. فهو يعرف إنها فورة أشهر ثم تهدأ، وحتى إن بقيت تفور فلديه خطيب يخطب، ولكل حادثة حديث.

عاد الى غرفته الصغيرة بقلب الأمور، لا أحد يدري أين يريد الوصول، لكن بعض الجيران رأوا خلطة تشبه خلطة الفاتيكان، ورأوا وعائين اثنين، أحدهما ينبعث منه دخان أبيض، والأخر دخانه أسود. لا أحد يعرف لمن سيشعل هذا ولمن سيشعل الآخر، فهو يفكر بخليفة والده السيد الكبير، ليتحكم به من الآن. وقد يريده مرحلة انتقالية بسيطة.

 

سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4520 المصادف: 2019-01-20 04:08:07