 أقلام حرة

الشعب بين قيم المواطنة ونفعية الحكومات

حسن عبدالهادي اللاميمن مفاهيم الدولة هو اختزالها لمعنى (الوطن والشعب والحكومة)، فما من دولة إلا وهي ترتكز على سلطة تدير وتدبر افراد الشعب في حدود رقعة جغرافية تسمى بالوطن،معلوم ان الوطن يحتضن ابنائه وتظلهم سمائه وأسمه عنوان انتمائهم اليه . علاقتهم به علاقة تجذر، توصف بالأصالة لا علاقة عابرة ومرحلية طارئة على كينونتهم، تشبه علاقة ألابوة وألامومة مع الابناء، يولدون على ترابه ويتنشقون هوائه، ويترعرعون في احضانه، وتتعمق الصلة وتتعشق المشاعر مع نخيله وانهاره وثرواته واثار الاجداد.. ويصل الفرد في علاقته مع وطنه الى درجة "التقديس" ليكون من ضمن مدونة مقدساته ونواميسه .. والوجدان ينطق قبل البرهان بإن الوطن حرمته في نفوس ابنائه مما لا تحتاج الى مؤيدات وشواهد .. كاد ان يكون الامر فطريا بمعنى من المعاني ... حتى قيل حُب الوطن من الايمان ولكن هل ذلك التقديس يشمل مكونات الدولة كالحكومة؟ بمعنى: هل ان علاقة المواطن بالحكومة كعلاقته بالوطن؟ ان سراية هذه العقيدة لتعُم الحكومات متوقفٌ على أثبات كون تلك الحكومة تُمثل الوطن بصدق، وتعمل على خدمة ابنائه، وتصون سيادته، وتحفظ كرامتهم، ولم تنحرف عن صراط الامانة قيد شعرة ! إذ ليس من الصحيح والمنطقي ان ينظر ابناء الوطن للحكومة على انها هي الوطن بلا ضوابط وشروط !، فيلتزمون بقيم المواطنة كالحب والخدمة والتضحية والغّيرة والبناء ... مالم تكن تلك الحكومة تتسم بالوطنية بصورة حقيقة شكلا ومضمونا لا مجرد شعارات جوفاء ! وتظهر عليها صفات ابويته، ويبرز دورها في خدمة ابنائه . الوطن غنيٌ بوفرة خيراته فهل الحكومة تقوم بإيصالها بكل امانة لأبنائه ؟!! هل تسعى بحرص على ان ينعم ابنائه براحة البال والهناء؟ أم إنها خائنة، لا توصل ثروات البلد لابنائه بصورة عادلة ؟ هل الحكومة التي يكون همها السلطة وحماية مراكزها وتعزيز ذاتها على حساب كرامة ابناء الوطن هي جديرة بتمثيل الوطن؟!! ان العلاقة بين الوطن والحكومة علاقة المُؤتمن على الامانة فمتى ما خان المُؤتمن نُزِع منه حق التسلط وصار وجود هؤلاء الحُكام في السلطة ضارا بالوطن وابنائه وليس من الصحيح بان يستمر ابناء الوطن بمساندة طاقم هذه الحكومة والاذعان لإدارتها، لأنه في هذا الحال سيكون عبدا ذليلا لمصالها وداعما " لبقاء مشروعيتها "! وليس منطقيا ان يلتزم افراد الشعب بقيم المواطنة بينما يستولي على مراكز سلطة الدولة "طاقم خائن للأمانة" ! وتُدار مؤسسات الدولة – والتي هي دوائر خدمة للمواطن- من قِبل المنتفعون والفاسدون والسراق فهذا ما يصب في مصلحة السلطة الحاكمة وتوظفه في تقوية جانبها، فتستنفر ابناء الوطن تحت ذريعة قيم المواطنة، وتشعل حماسة الذود عن ارضه ومقدساته، وتنشر ثقافة الحفاظ على ممتلكاته لانها ممتلكات الوطن وابنائه ! بينما يصطرخ ابنائه من الظلم والتهميش والإقصاء وسوء الخدمات والبطالة وروتين المعاملات الذي يحطم مشاعرهم ويورثهم الامراض والعقد النفسية، ويجعل طباعهم حادّة وامزجتهم "متعكرة " .... تجعلون منه جسرا في العبور الى مآربكم وغاياتكم الدنيئة تحت شعارات حماية الوطن والذود عنه واجب مقدس !! فتُثكل الأمهات وتُرَمّل الزوجات ويُيتم الاطفال ليدخلوا في ظلمات من المعاناة لفقدانهم ابائهم بينما ابنائكم يتمتعون بالسلامة والهناء !! اين العيش الكريم، وتريدون منه ان يلتزم بقيم المواطنة ؟ تُطالبونه بواجبات المواطن الصالح، وانتم تصيرونه بقوانينكم المتحيزة الى مجرم – في نظركم – ! تنهبون حقوقه وتسرقون خيراته واذا ما رفع صوته مطالبها بها او بجزء مما يؤمِّن له حياة انسانية تزجون به في السجون وتسفكون دمه بكل برود، وتعمل ماكنتكم الاعلامية على تشويه صورته بوصفه داعشي وارهابي ومخرب وغوغائي ... والقائمة تطول فيما يعضد مبرراتكم لقمع تظاهراته واخماد سورة انتفاضته ! ان إعانة هذه الحكومات ولو بجرة قلم هو إبقاء لعروش الطواغيت وتجذير لسلطتها والانخراط في خططها العسكرية والامنية هو دعم لديمومتها واستمرارها ولا قيمة لأي بطولة من افراد الوطن المغدور مهما كانت الدوافع طيبة، فما من حسنة تلتمع فإنها ستحسب لصالح فاسدٍ من افراد الحكومة الخائنة وبهذا سيعزز من بقائهم، وتدون كفضيله لأحزابهم ولا يصل خيرها للشعب بل تذهب تضحايتهم وجهودهم كأوسمة يفتخر بها السياسي الفاسد وعصابته، ويتحذلقون بها متى ما جاءت دورات انتخابية جديدة ! فَقيمُ المواطنةِ تتجه حيثما كان الصدق والعدل والمساواة وإلا فتتحول الى قيم التحرر والأنتفاضة والثورة بوجه الطغاة . فأفتح عينك يا " مواطن ولا تكن ساذجا وطُعما للمنتفعين " !!!

 

حسن عبد الهادي اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4552 المصادف: 2019-02-21 01:44:02