 أقلام حرة

ذاكرة المقابر.. عتاب العباد وعقاب المعبود

رائد عبيسخيط فاصل بين الحياة والموت،شعرة بينها،طبقة من التربة الرخوة بين الفعلين، أساليب من الممارسات المختلفة ينظرها، رقيب اعلى ورقيب اعلى جدا، هو في اسفل القاع وينظر السماء، ينتظر يوم طويل، يغادر به من فعل لفعل، تنتظم عليه العقوبات، وتتفاوت عليه أساليب العتاب، ورب عقاب يُنسيه ما بين الفواصل، ويتمنى أنه كجزيئات الرمل التي تحتضنه، ربما يلتزم الصمت طويلاً وربما يتكلم بثرثرة قصيرة ومتقطعة كتقطع روحه، ربما يجد من يواسيه في سطح قبره، وربما يجد من ينزل به إلى اعماق الارض حيث قلب الارض المنصهر الذي يشبه الجحيم، وربما هو يسبح في أنهر الحمم البركانية لو تمنى أنه يغتسل غسل التوبة،ربما أنه يتمنى لو يعيش حياته الطبيعية تحت الارض، ربما يقبل أو لا يعترض لو تحول إلى جنة، كما يتذكر من الروايات الدينية، وربما يجد نفسه يستنشق دخان الانصهار، وهو يدرك فارق النقاء مع آخر نفس أستنشقه في عالم الارض، وربما يستأنس الوحدة ولا يتذكر شيء من عالم العشرة، وربما يبكي بدموع فارغة المعنى، وربما يعتاش على فتات اهل الأرض الذي دثره الزمن . وبعد هذا ربما يحسن المقارنة مع عالم الجنة الذي وعد به، أو قرأ عنه، وذهب باختياره ليستكشفه.

أنها تجربة الموت يا احياء، لنتذكر بها فعل اللا حياء، الذي تمادينا به بكل رخاء،يا لها من تجربة عمياء، يا له من صمت مفاجئ وانت تتذكر تلك اللحظة ولكن ليس بلحظتها بل بعد عالم جديد من اللحظات، وكأنها أمنيات غائبات تم تداركهن بكل رغبات .أنها رغبة الموت التي لا نفعلها الا عندما نشتهيها بكل عواقبها، ونتذكر هنا مقولة علي بن ابي طالب "لو كان في الموت راحة لكان أمنية كل حي" فهناك من يشتهي الموت بكل عذابه وسلب راحته، بل يتخذه براحته وقرار يديه، يا له قرار من فرار، ويا لها من عاقبة بلا انتظار، يا لها من صبرة نافذة، يا لها من حرية قاتلة يا لها من مصير راحله، يا له من استسلام بلا منازعة، يا له من خيرة صادقة، يا لها من إرادة ضعيفة، وصبرة نحيفة، ومقولة كثيفة،يا لها من عبارة مخيفة، يا لها من موتة عجيبة انها حرية الموت يا احياء.

حرية أن نموت كما نموت، ليس كحرية من يموت ليعيش، او حرية من يموت ليموت، او حرية من يموت كي يحيا.

للموت جزيئات متى ما نفدت طاقتها أعلنت حدادها قبل صاحبها وأهله. للموت كلمات متى ما قيلت صدقت، للموت افعال متى ما نفدت وقع، للموت صبرا متى ما نفد اغضبك . للموت غايات متى ما تمت مت يا من تريد أن تحيا، هل علمت بأن للموت آفات، وآيات، وروايات، وقصص، وحكايات، بل وتاريخ مليء بالذكريات يا له من آفة النسيان ! موتوا بلا عتاب لتعيشوا بلا عقاب.

 

دكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4569 المصادف: 2019-03-10 01:39:39