 أقلام حرة

الصورة والسؤال العنيد

صائب خليلكلما شاهدت هذه الصورة، يبرز في ذهني سؤال عنيد: كيف حدث هذا؟ ما هو السيناريو الذي يمكن أن ينتج هذا الدمار الكامل والتام لمدينة هائلة؟ كيف تحرك الدواعش في تلك المعركة لكي لا يمكن القضاء عليهم إلا بتدمير المدينة تماما؟ وكم كان عددهم؟ ولماذا لم نجد جثثاً بعدد مقنع بعد هذه "المذبحة"؟

صحيح ان الأمريكان يقومون بإخلاء من يهمهم أمرهم من دواعشهم، لكن أين جثث الباقين منهم والذين يفترض انهم قاوموا في هذه البنايات كلها؟ فلكي نصدق بحسن نية فيجب أن يكون عدد الدواعش كافياً ليشغلوا كل بناية ومسجد ومنزل في هذا المكان وبعدد يكفي للدفاع عنه بوجه تقدم الجيش، وأن الجيش كان مضطراً لتحطيم كل البنايات لقتلهم والتخلص منهم. أنظروا مثلا البناية الكبيرة على اليسار، والتي تم تدميرها عن آخرها. كم داعشي تحتاج للدفاع عنها لكي يتوجب قصف كل طابق وكل شقة فيها؟ وهكذا الحساب لكل المدينة.

وطبعا يخطر على البال، المقارنة مع تكريت التي حررها الحشد من داعش دون خسائر تذكر في المباني، فأين يكمن الفرق؟ في تكريت، كانت المعارك مفهومة: الدواعش انسحبوا تاركين الحمقى الذين تم تجنيدهم من اهل المدينة ليموتوا وحدهم، وانسحب القادة ليتم اخلاؤهم بواسطة الطائرات الأمريكية. لكن لماذا لم يستبسل الدواعش في تكريت كما فعلوا في الموصل؟ لماذا هزموا بسرعة امام الحشد وبدون دمار للمدينة؟ ما الذي يملكه الحشد ليتمكن من تحرير المدينة دون تدميرها، ولا يملكه الجيش مضافاً اليه الدعم الجوي واللوجستي الأمريكي؟

يخطر ببالي أيضا بشكل مستمر كاريكاتير اعتبره الأروع في التعبير عن حقيقة داعش وعلاقة اميركا بهم. الكاريكاتير يتكون من ثلاث صور. الأولى يحمل الأمريكي فيها لعبة بشكل رجل إرهابي ليضعها في وسط المدينة. الصورة الثانية الأمريكي يخرج من المدينة ويقوم بضربها برشاشه. والصورة الثالثة الأمريكي يأخذ لعبته ويذهب (ربما لمدينة أخرى) تاركاً المدينة بشكل حطام تام. كما في الصورة تماما.

745 صائب

لكن الأمريكي لا يستطيع ان ينقذ من دواعشه سوى القياديين. فأين جثث ما يفترض ان يكون عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من الحمقى الذين تركوا للمقاومة في مثل هذه المدينة؟ فهؤلاء لا يستطيع الأمريكان انقاذهم، وهذا العدد ضروري لتفسير كل هذا الدمار، اليس كذلك؟

التفسير الذي يخطر في البال مباشرة، ان القوات الامريكية التي كانت مسؤولة عن القصف الجوي في عملية تحرير الموصل، كانت من اجل تنفيذ هدفها في التدمير التام، تقصف كل شيء حتى البنايات الخالية من الدواعش. لكن هذا التفسير، وإن كان منطقياً في سياق الأحداث، إلا أنه ليس سهل التصديق بوجود الجيش العراقي في المعركة. صحيح أن القيادات العسكرية ترتبط بالأمريكان اكثر مما ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة وانهم يقررون المناصب أكثر منه، كما كشف لنا احتلال داعش للموصل والانبار وغيرها والبيشمركة لكركوك، لكن هناك الضباط الأدنى والجنود، والذين سيلاحظون الأمر ويكشفونه.

إضافة الى ذلك، وصلني من مصدر استطيع ان اثق به، نقلا عن ضابط في الجيش العراقي أن الجيش كان يقف عاجزاً امام المقاومة الشرسة والدقيقة في البنايات، حتى نطلب من الأمريكان قصفها بالطائرات، وعندها نتمكن من التقدم والاستيلاء على البناية.

هذا السيناريو يفسر قبول الجنود لهذا التدمير دون ان تراودهم الشكوك بتآمر الأمريكان لتحطيم المدينة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسي: من أين جاء الدواعش بمئات الآلاف من المقاتلين حتى الموت، وأين هي جثثهم؟

السيناريو الوحيد الذي يمكن ان يفسر هذه الاحجية هو، أن الأمريكان على اتصال مستمر مع الدواعش، وهم موجودون على الأرض مع الجيش ويعرفون كل حركة من حركاته ونواياه. ويقومون بإبلاغ الدواعش بتلك التحركات ليتمكنوا من تغيير مكانهم ضمن البناية التي تتعرض للهجوم. وبالتالي يعجز الجيش عن اصطيادهم، ويطلب من الامريكان قصف البناية. وهنا يتصل الأمريكان بدواعشهم ليبلغوهم بالقصف القادم وضرورة ترك البناية والانتقال الى البناية المجاورة. وهكذا يتمكن الأمريكان من تهديم اكبر قدر ممكن من مباني المدينة دون اثارة الشكوك، وبدون ان يكلف الأمريكان أي دواعش تقريبا. وهذا ما يفسر تمكن عدد محدود من الدواعش من الدفاع عن المدينة بوجه الجيش، ويفسر اختفاء الجثث أو قلتها الشديدة مثل كل المعارك الأخرى ضد داعش، ورغم الشكل المختلف لهذه المعركة.

هذه الحقائق وراءها آلام لا يصلها الوصف... شاهدوا مثلا هذا الفيديو.. من يخفيها أو يتجاوزها، مجرم مشارك في تلك الجريمة المهولة(1). ومن لا يستطيع تقبل مثل هذا التفسير، ممن مازالوا حتى اليوم يرفضون "نظرية المؤامرة"، مدعو لتقديم تفسير أفضل.

 

صائب خليل

...................

(1) فيديو لبعض مشاهد معارك الموصل

https://www.facebook.com/100008243850676/videos/2239008196383954/

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4569 المصادف: 2019-03-10 01:29:30