 أقلام حرة

أفكار المكان ومقتضيات الزمان!!

صادق السامرائيلكل مكان أفكاره، ولكل زمان موجباته، ولا يمكن للأمكنة والأزمنة أن تتطابق، ولا يجوز فرض حالة مكانية وزمانية على غيرها، فمثلما لا يمكن عبور النهر مرتين، لا يمكن التواجد في المكان والزمان مرتين، بمعنى أن يكون المكان ثابتا وكذلك الزمان.

وسبب ذلك أن الأرض تدور ولا تعرف التوقف عن الحركة ولو للحظة واحدة، مما يعني أن التغيير ديدن الوجود فوق التراب، وأنه منهج الحياة، فلا حالة تبقى على حالها، ولا يمكن الجزم بالثيات لأنه يتنافى وإرادة الدوران التي تتحكم بالموجودات الأرضية.

ووفقا لإرادة الأرض ونواميس الكون المحكومة بها فأن آليات الرؤى والتصورات والتقديرات والتقيمات تتبدل وتكتسب معاني متفقة وما أدركته أو توصلت إليه، فما نراه اليوم لا يتوافق تماما مع ما سنراه غدا أو بعد غد، وما كان فيما مضى غير كائن فيما حضر.

وهذا يعني أن النسبية فاعلة في الوجود على مستوياته المتنوعة، وأن الإطلاقية لا وجود لها ولا أساس، فلا مطلق إلا الذي لا ندركه ولا نراه، وهذا المطلق نعجز عن تصوره وتحسسه، فهو خارج المدارك الحسية للمخلوقات ومنها البشر.

وعليه فأن الإعتماد على رأي أو تصور متحقق في مكان وزمان ما، وإستحضاره لمواجهة ما هو حاصل في مكان وزمان آخر لا يتوافق ومنطق الدوران ومناهج الأكوان.

وهذا السلوك هو الذي أوقع البشرية في متاهات ومطبات خسرانية مروعة، فلو أخذنا مواقف الفقهاء في قرن ما إزاء حالة ما، وعملنا بها في زمننا المعاصر، فأننا نهينها وندمر ذاتنا وموضوعنا، وهذا ما يتأكد في الحركات التي تدعي الدينية وأنها تتبع هذا الفقيه أو غيره وتستهدي بآرائه وأفكاره، وتعزله عن مكانه وزمانه والضرورات التي حتمت عليه القول بما قاله ورآه.

فلو أخذنا منطلقات الفقهاء في القرن الثالث عشر، لتبين بأنها ذات قيمة عملية في مكانها وزمانها، وقد أدت دورها وحافظت على الوجود العربي والدين، وحمته من الإنقراض الأكيد والإبادة الحتمية التي عصفت به بعد سقوط بغداد على يد هولاكو وإندفاعه نحو بلاد الشام ومصر، ولو أنه تمكن منهما لما بقي للإسلام والعرب مقام ودور في الدنيا، لكن أولئك الفقهاء والأمناء على الأمة رفعوا رايات التحدي والجهاد وإنتصروا على الهولاكيين، وأدلوا بفتاواهم ورؤاهم التي حافظت على العرب والدين.

وما أطلقوه في مكانه وزمانه لا يصلح لأي مكان آخر وزمان غير زمانهم، وقد ينفع إستخلاص المعاني والعبر مما إجتهدوا به، لكن لا يمكن للتبعية الحرفية العمياء أن تكون دواء وإنما داء الأدواء.

وأكثر الفقهاء العرب الذين أثروا في مسيرة الأمة ومقامها هم من الجهابذة النبغاء، الذين وهبهم الله قدرات ذكائية ومعرفية متميزة، إستطاعوا توظيفها لخدمة الصالح العام والحفاظ على الدين، ولا يوجد تناقض بينهم وإنما رؤاهم ذات زوايا متعددة وإقتراباتهم محكومة بمكانهم وزمانهم، ولهذا الكثير منها أدت غرضها وإنتهت.

وعلينا أن نعرف مكاننا ونعي زماننا وننطلق في تقديراتنا من العناصر الفاعلة في المكان والزمان، أما الإقرار بنفي المكان والزمان، والعمل بآليات عمياء ذات شحنات عاطفية هوجاء ولصقها بفكرة أو عقيدة ودين، إنما يشير إلى جهل مرير وإندحار خطير.

فهل من وعي لمقتضيات المكان والزمان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4570 المصادف: 2019-03-11 01:05:11