 أقلام حرة

من المركز إلى الهامش.. المدن أنموذجا

رحيم زاير الغانمان أكثر ما نعانيه وتعانيه شعوب العالم الثالث من سطوة المركز على الهامش وما يجر من ويلات وتكريس للسيطرة والاستحواذ، حتى أننا نشهد عصر الدفاع عن حقوق المهمش، وقد نرى دخانا في الأفق، لكننا لم نتحقق فائدة الدفاع المحمومة للان، وأن نثني على هكذا دور في رفع الحيف، شرط إلا يودي بسلطة من شأنها حفظ التوازنات المدنية والموروث المجتمعي.

قد يرى البعض ارتقاء الهامش على أكتاف المتون دليل عافية، مستندا لما فسح للهامش من حرية التعبير والتنقل والمتاجرة، وهذا قطعا لا يتحقق إلا بعد عملية تغيير أنظمة يصاحبها تغيير ديموغرافي كبير، تفضي إلى إعادة تشكيل للبنيات المجتمعية العميقة، بعدما يتم استهدافها من الداخل، لكن هذه الإرادة الجديدة قد تسهم في فرض إرادة القبول بالواقع، وقد يأتي هذا على تغيير ملامح المدن، من خلال إضفاء صبغة الهامش على وجهها الحضاري ممثلا بالمدنية، محاولا تبني ممارسة فوضوية  مضطربة، تسهم في سلخ المدينة عن موروثوها الثقافي والعمراني والممارسة المدنية، وبالمقابل بث ثقافة دخيلة، تخدش الذوق العام الذي لا يقف عند حدود السلوك الذوقي بل يتعداه إلى تبني عمارة الهامش التي لا تمت بصلة لا من قريب أو بعيد إلى عمارة المدن، ويتعدى كذلك إلى إحلال ثقافة الاحتكام للعرف العشائري بدلا من الركون إلى الحكم المدني.

ان ضعف المركز/ المدن، يؤدى إلى تنامي سلطة الهامش/ الأطراف، قلب ضعيف أطراف قوية، حتى إننا شهد في الأعوام الأخيرة خرقا حقيقيا لأجواء المدن، وبالأخص حينما توطن الهامش على ارض المركز، مما جعله يعي خارطتها التجارية والصناعية والاقتصادية والعلمية، فلم يجاري أبنائها على أشياء إلا وهو مدرك ان خلفه من يسدد رميته، سواء بتوفير غطاء سياسي أو قوة ردع  تلاءم هشاشة المركز حاليا، حتى أننا وجدنا تهميشا حقيقيا لدور المدن في إدارة مفاصلها البسيطة أو المعقدة، فكيف للهامش تحقيق ذلك، مع التنبه ان المركز/ المدن، لا تمثل سلطة تهميش هنا، بقدر سلطة إدارة حكيمة تسير وفق ضوابط مدنية وبحكم القانون مرعي فيه خصوصيتها.

ان خصوصية المدن مستباحة، وبشكل قسري يحمل في طياته انتهاك صارم لطبيعتها الميالة للهدوء والسكون والمنعة من الدخلاء، إننا نشهد على استباحتها وبكل المجالات الحيوية وغيرها، لكننا نؤشر على خرق لقدسيتها الامنة من الضوضاء، من قبل الباعة الجوالة، التي تجوب شوارعها بمكبرات صوت، أننا نشهد استباحة مساحاتها الخضراء، وتجريف بساتينها، فلا حزام اخضر لها حاليا، ان المدن تعيش فترة انحطاط لا تحسد عليها، وهذا كله لا يأتي إلا بما وقع على الهامش من حيف وإهمال شديدين سوغا له اختراق ما كان يقدسه، والإهمال جر إلى خرق مقدس ثان وثالث والى ما نهاية، حتى انتهى به الأمر إلى خرق أسطورة مقدسه، نحن عندما نثير هكذا مواجع، نعلم علم اليقين ان المدن صارت أنموذجا لخروقات الهامش، الهامش الذي ضاقت به السبل حتى جعجعت به إلى اعتلاء مركزه، ليعيش فترة تيه من نوع خاص، فالمدن لها نواميسها التي لا تصرح بها، كونها موروث وعادات وتقاليد وأعراف تسيرها من النشأة وللان، وهذا ما انسحب بتأثيره السلبي على المركز الذي لم يعتد دور المهمش، لينغلق على ذاته، ليعيش تجربة لم يعيها من قبل، فهي خلاف توجهاته التي من أولوياتها الانفتاح على الآخر والعيش في أجواء السلم وتقبل الآخر مهما كان نوعه أو جنسه.

لقد قبل المركز الانكفاء على ذاته بملء إرادته، عندما لم يتمكن من ممارسة  مدنيته التي سلبت منه بأعراف وتقاليد طارئة عليه، لم تراعِ الألفة والبساطة في التعامل، لتقاطع الثقافتين.

 

رحيم زاير الغانم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4575 المصادف: 2019-03-16 01:48:50