 أقلام حرة

صحيح البخاري

راغب الركابيأثارت السيدة موزه غباش فكرة تستحق الرعاية و المتابعة والنظر والتحقيق، وتبعها في ذلك إمام مسجد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، والحق إن فكرة إعادة النظر في كتب التاريخ والتراث ليست بالفكرة الجديدة، إنما كَتبَ فيها غير واحد من المفكرين والعلماء والكُتاب .

 والأصل الأولي لهذه الفكرة ينطلق من مقولة تدعوا إلى عدم الدمج بين كتاب الله والأخبار المنسوبة لرسول الله، أي إن الفكرة في أصلها إصلاحي هدفه تنظيم قواعد التفكير والدلالة، لكي تنسجم وتستقيم مع الإيمان والعلم، بعيداً عن التقديس الزائف والذي يتلحف به أتباع المذاهب ويتعاضدون، ولقد كانت لي مساهمة متواضعة في هذا الجهد، لإيمان مني سابق بأن تصحيح قواعد التشريع والقانون بين القرآن والسُنة، لا تصح فيهما المساواة وكذا لايصح التأسيس من خلال الأخبار في جعل السُنة بقوة الكتاب أو رديفا له، ومن هنا أيدنا من غير تردد ما جاء على لسان السيدة موزه غباش، وفي نظرتها التجديدية نحو التراث ومحاولة إعادة النظر بقضايا التاريخ والماضي بروح أكثر واقعية وعلمية .

 وفي سبيل ذلك سنحاول تحرير محل النزاع حول - ما يسمى بصحيح البخاري -، فالكتاب كما هو معلوم للعامة يتضمن موضوعات شتى، وقد وردت بألسن رواة متعددين، والغريب فيه إننا لم نشاهد أخباراً وأقوالاً للنبي بإعتباره كذلك، وجُلَ مافيه عبارة عن روايات وأخبار منسوبة إلى رسول الله، ولا يخفى عليكم إن هناك فرقاً في الدلالة والمعنى بين النبوة والرسالة، ولهذا أقتضى التنبيه لذلك للأهمية من وجهة نظر معرفية خالصة، وبنفس السياق تدعونا الأمانة العلمية للقول: بأن ما يسمى بصحيح البخاري، ليس على ما ينبغي ولا يجب النظر إليه كوحدة واحدة، من جهة موضوعاته وفصوله فالكتاب فيه من الخرافة والهرطقة الكثير، كما إن فيه من التدليس والكذب الكثير، وفي جانب أخر نقرأ فيه أشياء يجب التوقف عندها وتدبر معانيها، وفي الكتاب أيضاً نجد (أدلة السُنن) والتي هي عبارة عن قيم وأخلاق ونواميس وشمائل، وفي هذه بالذات جاءت الإباحة والتسامح للأخذ بها لأنها تدعونا إلى الخير والعمل الصالح، وفي الكتاب أيضاً مجموعة الحكم (الحكمة) والتي هي ضآلة، أومرنا أن نأخذ بها من غير مؤثرات ولا نظر ثانوي .

نعم موضوع الرد على الكتاب لا يتعلق بشخص الكاتب من حيث هو فهذا لا يهمنا بشيء، ولكن بنوعية الأخبار التي تضمنها وتحدث عنها في مجال العلم والكون والطبيعة، وكذا في قضايا التشريع والقانون، لقد كان خطأً فادحاً ذاك الذي أعتمده مؤوسسي ما يسمى باصول الفقه العتيقة، والتي أعتمدت و ساوت عن عمد في القوة والدلالة بين هذه الأخبار والقرآن المجيد، وقد شذ البعض من فقهاء العصر الوسيط لجهة جعل هذه الأخبار حاكمة على الكتاب بل وناسخة لأحكامه، وهذه المغالطة أدت إلى هذا البحث المفتوح عن كتب الأخبار عن أهميتها، وعن دورها وعن صحتها وصدقها وثباتها وقوتها .

فالكتاب موضع البحث هو مجموعة أخبار منسوبة إلى الرسول محمد، وهذه النسبة من الأخبار مهما علت ينقصها الكثير لكي تتساوي مع الكتاب، فهي من جهة التدوين وزمنه أتت لا حقاً ومن بعد وفاة النبي بمئة وخمسين من السنيين، ومن جهة صُناع الخبر ورواته الذين كانوا يتحركون وفقاً لرغبات وأهواء بعيدة عن طبيعة النص، ولهذا جاءت مادة الخبر مشوهة وعقيمة وغير ذات جدوى .

لقد كان الخليفة عمر بن الخطاب محقاً حينما منع تدوين أخبار النبي وأحاديثه، والسبب معلوم حتى لا يكون لها أثرا وقوة كتلك الموجودة لدى أهل الديانات الأخرى، مما فسح المجال لغلبة الخبر على النص السماوي، ومن هنا نصوب الرأي الذي أعتمده الإمام أبي حنيفة في عدم الإعتماد على هذه الأخبار في إنتاج وإستنباط فقهه، مقتصراً في ذلك على سبعة عشر منها قد صحت لديه، والظن الغالب إن مفهوم الصحة هنا تعني الموافقة لكتاب الله ولذلك أعتمدها أبي حنيفة الإمام .

نعم تصحيح الموقف العلمي يتطلب نوعا من المواجهة وعدم التخفي أو الإختباء خلف مقولات فات أوآنها، فكتب الأخبار عموماً في مجال الأحكام والتشريع لا تعدو أن تكون مجرد أدوات للأستئناس ليس إلاَّ، ومن يظن غير ذلك فهو واهم، وعلينا إعادة التركيز على تحليل نصوص الكتاب المجيد طمعاً في زيادة المعلومة والتعرف على ما يجب وما لا يجب، فثمة تداخل وعدم ضبط أدى من حيث لا نشعر لسيادة النزعة الإكراهية والعنفية حين نحينا كتاب الله جانباً، وأعتمدنا من غير هدي مضطرين على كتب الأخبار، لتؤوسس لنا حياتنا ومستقبلنا، وتلك مخاطرة كبيرة لا نجد جدوى من السكوت عنها أو التنبيه إليها، ولعل الخطوة التي بدأت هناك في أبوظبي قادرة على وضع الأمور في نصابها، لكي يستقيم الشيء بعد مضي كل هذه السنيين، التي أربكت فينا الجهد والمثابرة والفكر، وجعلتنا مشوشين تحوطنا أفكار قد عفا عليها الزمن .

إن إعادة قراءة الموروث لاتعني الإنفصال بقدر ما تعني لنا جميعاً، وضع الأشياء في موضعها والنظر بعين الرعاية للمستقبل لكي نكون شركاء في صنعه وبنائه ..

 

راغب الركابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

دعوةٌ ممتازة. و ذات. أهميّة. قصوى ان. تدعو.

المسلمين. السنة. الى. . قراءة. الكُتُب. الحديثيّة

الستة. ( صحاح. و سُنَنِ ) قراءة. نقديّة. جادّة

بعيداً عن. القداسة. والتقديس .

كم. هو. جميلٌ. ان. تجهرَ. بدعوةٍ. أُخرى.

للمسلمين. الشيعة. لقراءة. الكُتُب. الحديثيّة.

الأربعة. قراءة. نقديّة. جادّة. بعيداً. عن. منطق.

القداسة و التقديس مع. تبرئة. جعفر. الصادق

من كثير. من الروايات. المشبوهة. .


هكذا. يعتدلُ. الميزان و تكتسي. الدعوة

بُردة. المصداقيّة. والنُبْل .

This comment was minimized by the moderator on the site

قدم الأستاذ راغب الركابي مفهوماً ، بدى ليَّ واضحاً بأنه إنما يستهدف عموم معنى السُنة ( الأخبار والأحاديث والروايات ) ، ولم يفرق بحدود فهمي لما كتبه الركابي المفكر بين طائفة وأخرى وبين كتاب وأخر ، لكنه ركز فيما يبدو على تنحية كتب الأخبار وهيمنتها على العقل والذهن والمسلم ، الركابي ركز على تأصيل دور القرآن في التشريع وفي الحجية ، معتمداً على مقولته في عدم المساواة بين القرآن وكتب الأحاديث لا في الدرجة ولا في القياس ولا في الأهمية ، وهو ينحو في ذلك منحى رجال دين ومفكرين وكتاب كُثر ، لكنه أكثر جرأة في التعاطي مع هذه الأشياء ، ولم يعتبر الخبر النبوي مقدساً بل إنه في أفضل حالاته يفيد الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ، من غير إيغال في مسميات طائفية ومذهبية ، ما يهمه موافقة الحديث لكتاب الله ليكون حاضراً في باب الأستئناس لا غير ، فالحديث لا يشرع ولا يحلل ولا يحرم ، تلك هي قاعدة الركابي في تعامله مع الموروث القديم

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4575 المصادف: 2019-03-16 02:08:35