 أقلام حرة

برهان العسل.. خطاطة سردية في كشف المسكوت عنه

نصير الشيخ- هل يمكن ان يكون البوح العاطفي مع جرعة زائدة من الجرأة يمكن ان نسميها عملية خلخلة لللذات كي تأخذ شكل (الاعتراف) يلخص لنا (المقوّل) شفاها الى (نص) ينكتب مفرغا دواخل صاحبه، ساحبا معه تلاطم امواج العواطف ودروس التاريخ والتجارب الشخصية الطافحة، مشكلة مادة اولية للاعتراف كدرس سايكولوجي، وخطاطة ل(نص) مكتوب آخذا صيغة التدوين كأثرابداعي يغادر مرجعياته (الشخصية) ليصبح فيما بعد نصا مشاعا يتبلور في تجنيسه على وفق ادبيات الكتابة (رواية)...

من هنا تأخذنا سلوى النعيمي الشاعرة والصحفية السورية والتي تعيش وتعمل في فرنسا، عبر كتابها (برهان العسل) تحت تجنيس (رواية)...!! الى جس مفاصل هامة وذات حساسية عالية الخطورة، كيف لا وهي تطأ التابو بأضلاعه الثلاثة (السياسة، الدين، الجنس) لتختار الجنس سرديتها الحياتية، وخطاطة كتابية ترتب على خرائطها اوراقها، ممازجة بين الشخصي حد الاعتراف، والموضوعي تفصيلات الماحول وبضمنها اثر الجنس في تدوير العلاقات الاجتماعية، وحضور كتب التراث كمتن بالغ الأثر في تدوين وتصنيف مايتعلق بموضوعة الجنس.عبر مزيج كتابي اختارت ان تسميه (رواية)...

من لوحة الغلاف التي تشي بآيروسيتها، مرورا بمدخل الرواية التي اخذت تسمية (ابواب) تشبيها بالمتن التراثي، دونا عن تسميتها (فصول)..احد عشر بابا شكل معمارية برهان العسل، بدأ من (باب ازواج المتعة وكتب الباه) وختاما ب (باب الحيل)، لتأخذنا سلوى النعيمي الى عوالمها في نصها الروائي هذا عبر مقدمات نصية تحمل توقيعات (أنسي الحاج، كافافي، سليم رزق الله) تحمل دلالاتها النصية والأشارية الى الجسد ورغباته علنا او ضمنا، كما في جملة سليم رزق الله (ستأتي اليها حاسر الرأس، حافي القدمين).هذه التوقيعات عملت موجها قرائيا، ناثرة خطواتها الدلالية تمهيدا للدخول الى متن الرواية، ومنذ بابها الأول عبر جملة (هناك من يستحضر الأرواح، انا استحضر الأجساد، لااعرف روحي ولا ارواح الآخرين، اعرف جسدي واجسادهم..هذا يكفيني) ص13.

برهان العسل كرواية ان صحت تسميتها بهذا اخذة شكل الرواية القصيرة (النوفلا)، فهي لاتنتمي للسرد الروائي واشتباكاته، وليس لها من شخصيات محورية تدورفي فلك النص الكتابي، انها تحضركجمل عابرة تكمل ديكورات الحوارات المقتضبة مع البطلة / الكاتبة. انها اشبه مااسميه (ريبورتاج) سردي يندغم فيه صوت البطلة مع فعل الكاتبة مشكلة مسارات سردية منسكبة فيها (تجارب شخصية) والتي هي بالتالي محصلة تجارب ووقائع واحداث وممارسات..!! والتي يصعب علينا نحن القراء من فض اشتباك هذه الخطاطة السردية التي قدمتها لنا سلوى النعيمي.

وبما ان هذا التماهي يفضح اسراروتجارب وممارسات حسية، لذا كان لابد من خلط للأوراق، لاسيما وان السرد على لسان البطلة والتي نكتفي بفعلها دون اسم لها على مسار الرواية.والتي تحضر بصيغة (الراوي العليم) الذي يقود الأحداث ويقص علينا تفاصيل يومية للبطلةوهي تعيش فضاؤها المفتوح والعابق ب(الجنس وعوالمه) تتلقى فيه ومن خلاله حكمتها في الحياة المعاشة. (أخرس اصواتي وانسى الصديقات وعلوم التاويل والتفسير والفلسفة النظرية امام كل هذا التفاهم في التطبيق العملي) ص14.

حضور المرأة/الكاتبة/ البطلة على طول مساحة الرواية (الريبورتاج) والمؤلفة من مائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط ، يستحضر معادلا موضوعيا ووجوديا اي (رجل)..والذي يحضر هذه المرة باسم (المفكر) كاكتمال لدورة حياة البطلة / الكاتبة، حوار حياتي خاتمته تجربة حسية تتجدد لللذات لاتعد.

(قال لي المفكر يوما بعد غياب: هل تفكرين فيّ؟ قلت: نعم. قال: انه الحب اذن.سكتُ ولم أجب) ص34.تتصاعد مسارات الرواية كخطوط كتابية تحمل اعترافاتها في كل مقطع، وتستمد فلسفتها من اليوميات المعاشة. يتجدد حضور المفكر كشارح لحياة يريدها هو، يشكل (الجنس) نقطة الصفر لديه وتحضر البطلة هنا جهاز استماع لأفكاره ووعاءا لرغباته المستمرة والعابرة ربما.

المتن السردي للرواية لابد له من تبئيرلاعلى مستوى الشخوص وانما على مستوى استلهام احداث جديدة تعمق رؤية الكاتبة/ البطلة في الاشتغال على ثيمتها الرئيسة، لتذهب الى المتون عبر تنقيبها في كتب التراث، واستلهام اللقى والتنصيصات بما يدعم موضوعتها تحت عنوان بحثي تقترحه البطلة (كتاب عن الحب).

(مسكونة بالبحث الذي اكتبه وسعيدة بعلنيته، اتحدث عنه بإسهاب امام الجميع بكثير من المتعة، حالة من الفرح البدائي تغلفني. طلبت إجازة من عملي في المكتبة. حملت كتبي وهربت من باريس الى تونس، يجب ان اكون في هذا العالم كي أبدأ العمل) ص51. هذا المقطع يفضح مااردنا القول فيه عن التماهي بين الشخصية/ البطلة...وبين الكاتبة/ الناصة. مساحة اشتغال الرواية هي من سمحت بهذا التداخل النصي. وصول البطلة الى تونس (الشرق) في حسابات الاخروحساباتها، انها وصلت الى منجم الحكايات وما يضمه من اسرارفي حاضره وماضيه.

(كان ذلك في بداية عملي في مكتبة الجامعة عندما عثرت على قائمة طويلة من عناوين كتب الجنس العربية) ص41.

وفي تونس تبدأ الحكايات على لسان البطلة / الكاتبة، وهي الحكايات الشفاهية للصديقات القديمات وسيدات الحارات، والتي ستتحول الى تدوينات كتابية، تدفعنا لمعرفة المزيد (حكايات، حكايات، حكايات نساء سمعت بعضها من قبل ونسيتها، من تحب ومن تغار، ومن لبست ومن خلعت، ومن نامت ومن صحت، ومن طلقت ومن تزوجت ومن عشقت ومن خانت.. حكايات تتشابه في كل مدينة عربية). ص57.

ولكي نلملم خيوط الرواية (هذا الريبورتاج الشخصي المراوغ والذي يحمل دمغة (الاعتراف) على لسان بطلة ذابت شخصيتها مع سيول كلام الكاتبة.

رواية (برهان العسل) سردية كتابية نطقت بتجارب حسية تمتد مرجعياتها لبطون الكتب التراثية العربية، والتي لا تطلق صرختها لوجود (التابو)، لتستكمل المرأة البطلة الكاتبة مشوارها الحياتي تحت ظل (المفكر) كشخصية تضخ افكارها الحائمة حول الجسد واستنطاق خباياه تحت مسميات (فلسفة) تمد حبال دلوها الى بئر غائرة من المحرمات تحت عنوان (برهان العسل).

 

نصير الشيخ

....................

- سلوى النعيمي/ برهان العسل/ رواية،  دار رياض الريس للكتب والنشر/ ط1 2007.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4581 المصادف: 2019-03-22 00:38:17