 أقلام حرة

متى نعود إلينا؟

نجوى السودةعددوا لنا الأشياء فصار التيشرت والجينز عنوان رقينا ومدى تحضرنا مع أن حالنا لم يكن كذلك . كنا في الماضي  الذي صار يبعد ويبعد ونحن  نلهث ولا نلحق بشيء . ذلك الماضي الذي صار كحواديت "ألف ليلة وليلة" الناعمة الهادئة حلما نشتاق إليه .ألم تكن الحياة أفضل حالا مع مترين من "الدبلان" أو "التفتاه" بقروش قليلة مع طبق من المش بدوده ؛ ومع ذلك لم يجلب مرضا!

كانت النساء أرقى حالا بفستان يكشف عن أنوثة طبيعية غير مستوردة من بلاد الفرنجة الذين أغرونا وضحكوا على عقولنا بما يقيِّد حركتنا ويشلّ تفكيرنا . وسواء اقتربتَ أو أقترب فرائحة العرق تفوح تخنق الأنفاس،  لم تعد النظافة من الإيمان، بل صار الإيمان الذي يقنع به الكثيرون حجابا أو خمارا؛ يلبسه البعض  ليغطوا به الكثير من الفحش والقبح. صار الشكل أيا كان هو الغاية والهدف، وإلا فسكاكين الجهلاء ترمق  وتزدري وتستعجب وتتحرش وتغتصب!

كنا نعيش ذاتنا فمعظم الأشياء كانت معقولة ومستساغة، وكنا قانعين في قمة سعادتنا بلقمة عيش وجبن وبعض"السريس".. كان ساندويتس الفول والطعمية ألذ وأطعم من كنتاكي ومكادونالدذ والباربكيو والتيك أواي . فقدنا هويتنا حتى في لقمتنا وصار الأمر تفاخرا . صار واقعنا مسخا صرنا بين نارين.الواقع الذي فرض علينا سلب منا راحتنا واستمتاعنا بحياتنا الخاصة، وبطابعها الذي كان يميزها عن سائر البشر . صرنا نسلي أنفسنا بالرث والضئيل. أهملنا نقوشنا القديمة التي بها سر روحنا وعظمة  ورقي تاريخنا وباعثنا للحاضر وللمستقبل، لننصاع دون تفكير وراء أهواء وسياسات عمدت إلى تمزيق أحشائنا وتفتيت  كياننا حتى صرنا أشلاء . محونا التاريخ من ذاكرتنا بممحاة ومن أجسادنا لنلبس ثوب جيمس بوند ولنغني الفرانكو آراب .أو أن نزيد من سوءاتنا ، لنغني للحمار والواد سوسو وصارت حياتنا "توكتوكا" يزاحم ويدوس، فلا يحترم إشارة ولا يعمل حسابا لمريض لتنقلب حياتنا إلى زحمة، زحمة وحزن واكتئاب وفشل وعشوائية في كل شيء.

فلنعد إلى القطن المصري والكتان واللينو. صارت ألواننا باهتة ليس بها أي جمال. في جولة للفاترينات في أماكن كان معظم المصريين  من كافة المحافظات يقصدونها عمدا مثل طلعت حرب وقصر النيل لم تعد معروضاتها راقية تجذبك بل تضيق ذرعا من أول رمقة بصر "العينة بينة ". ما يجعلني أشك أحيانا، ومن فرط الهم أكاد أجزم "هل هناك علاقة بين السياسة وبين إفساد الذوق العام"؟

أعتقد أن هناك علاقة وثيقة ويمكننا الرجوع إلى التاريخ إلى ألوان الفراعنة  لنعرف مدى الفرق!

تعدى الأمر ذلك ليشمل فساد الأخلاق وقلة الذوق في المعاملة بين البشر. فشعب يلقي قمامته بيديه في أي مكان يروق له، شعب فاسد الذوق غير راق .. ليحل محله الجينز والاستريتش والبادي من بهريز البوليستر ليلسع في البدن لسعا. ساء حال المرأة المصرية أظنه مع بداية الإعارات ونظام العبايات، من عمي وعمك وخالتي وخالتك. أعتقد أنها القشة التي  زاطت معها الدنيا ما بين حجاب وخمار ونقاب، وأنت كافرة وأنت سافرة،,هي القشة  نفسها التي بثت فروعها لتشمل كل حياتنا، لتقسمنا وتفتتنا ما بين معارض ومؤيد، ما بين كافر ومسلم، حتى تبرمجنا على قياس الإيمان وشدته بالحجاب مهما ارتكبت التي ترتديه من آثام .

إن قضية حجاب الرأس معقدة ومتفرعة ومتشابكة إلى حد كبير مع معظم  تفاصيل حياتنا وتحتاج إلى نظرة عميقة من خبراء في علم المجتمع والنفس. يجهلونه، فالإسلام واضح لا يقهر ولا يكبت ولا يذل ولا يهين، وكل حتى الطفولة البريئة أُقتلعت  بكارة جذور براءتها وسُرقت عروستها، إنه قتل للنفس ووأد للكيان والروح والعقل . لقد صيرتموها كائنا آخر لا علاقة له بالفطرة الإلهية ، الحب والحنان والعطف وسممتموه بالتعالي والتفرقة بينه وبين دمه، أخته وبقدر حجم حرمانها عاطفيا وشمول  رغباتها، بقدر  نجاحهم في  تنفيذ مخططهم الإرهابي  الذي لا يمت لا للدين ولا التربية  بأية صلة على الإطلاق  لتكبر وتعيش فيلم "الحرام" بمناسبة وبدون مناسبة،  ، لأننا بكل بلاهة وسذاجة دسسنا بين ضلوعهم الأنانية وحب السيطرة وجمود الفكر وعدم القدرة على الحوار . فكل شيء محسوم من قبل ولا نقاش فيه وتنقطع حِبال المودة والتواصل من قبل أن تبدأ. لنجني ثمار التعاسة في الدنيا والآخرة، فنتذوق طعاما لا نستسيغه. لتتوالى الأجيال التائهة الضائعة! لقد.صارت حياتنا فوضى داخل وخارج البيت حتى أصبحت  إمرأة جزر القمر هي الأولى والمرأة المصرية هي الثانية والعشرين. أعطني إعلاما قويا، ذكيا وطنيا، شعبيا حياديا، لا يدس السم المحشور في كيس الكاراتيه والشيبسي، وسماجة وتفاهة الست أطاطا، وفجاجة وعري هيفاء ، حينئذ أعدك إلي بهاء ورقي زينب الحكيم إلي" ربات البيوت وكلمتين وبس والإنجليزية من أجلك وفن الباليه , مزروعة بطين وماء النيل ..

أولاد حارتنا يجلسون في المقاهي التي صار عددها مبالغا فيه، ، ليستهلكوا الوقت فقط لا غير . يشربون ويشمون ويتحرشون ويتلفظون بأقذر الألفاظ لا يراعون فيها أحدا، فيخدشون الحياء. وأصبحت سمة عامة أن ترى حتى من يطلق عليهم المثقفون ، "حتى الجمال ذاته صار قبيحا ". من لم يتعود على الرقي والجمال في الصغر فلن ينقش على الحجر. تندهش. حارتناالمصرية التي تعزف عن صنع خبزها ونسيت الفطير بالذرة والكِماج وتكتفي والكرواسان !. حارة  زاد فيها سب الأعراض، يندر فيها الذوق والشهامة واشتهاء جسد المرأة ليجلسوا ليلعبوا الطاولة أو الكوتشينة أو يركزوا فيما وراء ثياب النساء المارة في حرمان واستباحة وعدم حياء .

 متى نزحف لتعود إلينا ذاتنا التي طُمست بفعلِ فاعل .

 

نجوى السودة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4582 المصادف: 2019-03-23 00:12:32