 أقلام حرة

الحريم في أعين الغرب (2)

محمد الدعمينظرا لأن الاهتمام الأميركي بالشرق كان خاليا من الطموحات الكولونيالية، يمكن للمرء مباشرة هذا الاهتمام عبر القرن التاسع عشر باعتباره مرآة لرؤيا رومانسية ليبرالية خالصة. لذا، فقد لاحظت الباحثة دوروثي م. فنكلشتاين Finkelstein (مستعيرة اصطلاح مود بودكن Bodkin) بأن الاهتمام الأميركي بالشرق كان جزءا من “توق جماعي أسطوري” archetypal pattern لبلوغ “حياة الحياة”. وعليه، يمكن للمرء أن يرصد ذلك في فكرة “الخصوبة” التي يربطها الأميركيون مرارا وتكرارا بالشرق على نحو خاص. لقد بدا الشرق، بالنسبة للشاعر “وتمان” Whitman، “بيتا للأمومة”، و”رحما للتاريخ وللأناشيد”. وبينما تمكن قراءة تشوق وتمان للأمومة عبر الشرق، اعتمادا على أبعاد من دلالات “عقدة أوديب”، وعلى التوق للخصب وللدفء، نلاحظ أن اهتمام “لافكاندو هيرن” Hearn بالشرق، مؤنثا، متجليا في تشوقاته لمصدر الحكمة والضياء. هو يرى ذكورية الغرب متجسدة في اندفاعه المتعامي باتجاه العلمي والتقني، الأمر الذي جعله يعد الشرق والغرب “نصفين من كينونة واحدة” لا بد من دمجهما بــ”زيجة” من نوع كوني، لاستيلاد “نوع من الإنسانية التي تسمو فوق إنسانيتنا”. كما وتجد هذه الرؤيا التواقة إلى إنسانية أسمى تعبيرا واضحا لها من قبل الشاعر إرنست فينولوسا Fenolosa عبر تأمله ولادة “الإنسان الألفي” الذي كان منتظرا آنذاك في قصيدته الشهيرة، “الشرق والغرب”. هنا، يمجد فينولوسا مُثل الشرق التي تعد مؤنثة (التناغم الاجتماعي والإيمان بالحب ونكران الذات والتكريس الروحي والحكمة)، سوية مع مثل الغرب الذكورية (الصناعة والاعتماد الذاتي والعسكريتارية والتحليل العلمي)، على سبيل تحقق رؤيا مستقبل واعد. لذا، يرى فينولوسا أن رؤيا هذا الاتحاد بين الشرق والغرب لا ينقصها جذر تاريخي، ما دام الإسكندر العظيم هو أول من حاول فعلا دمج الشرق بالغرب في إمبراطوريته، إلا أن محاولته بدت له إخفاقا مبكرا لهذه الرؤيا. وعلى نحو ينأى بنفسه عن الكتاب الأوروبيين الذين تأملوا في التوسع الكولونيالي نمطا من الانتداب الهادف لمعاونه الأمم الشرقية، رسم فينولوسا رؤيا لدور أميركي رائد لتحقيق ذلك “الزواج” المستقبلي، الذي قدر له أن يحدث على أرض “العالم الجديد”. بالنسبة إليه، حقق كولومبس (الأميركي الأول) حلم الإسكندر من خلال محاولته ولوج الشرق (الهند) من جهة الغرب (أي عبر المحيط الأطلسي). لذا، صار الاندماج بين نصفي الأرض هدفا ممكنا، وذلك عبر إكمال هذا المستكشف العظيم لدائرية الأرض. ولكن برغم توقه لعالم مثالي يواشج فضائل الشرق المؤنثة مع ميزات الغرب المذكرة، تراه يقول: “ليس كولومبس واكتشافه سوى عتبة طولها الزمني أربعة قرون على طريق بلوغ ذلك الحلم، نظرا لأننا كنا عقبات في طريق مسيرته الغربية، تلك المسيرة التي كان لا بد أن تكتمل. أما اليوم، فنحن ندشن، حرفيا، حلمه، حاملين راية مسيرته إلى حيث أراد غرسها ـ على مرتفعات شرق متيقظ

 

أ.د. محمد الدعمي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4605 المصادف: 2019-04-15 03:59:40