 أقلام حرة

المواطن الأليف والأحزاب المتوحشة

رائد عبيسلا يقارن حجم الألفة مع حجم التوحش في مجتمع واحد، أما أن تكون هناك ألفة جامعة أو توحش عام. والألفة الايجابية يجب أن تكون لها عواملها ومبرراتها ومسوغاتها، بحيث نستطيع أن يميز بينها، وبين الخضوع، والذل والانصياع الاعمى، والاعتياد الباهت، والألفة بالخير لا بالشر.

في مجتمعنا هناك أنماط من الألفة، منها ما يتعلق بأساليب العيش والعوامل الاقتصادية، كألفة الفلاح بالتبعية للملاك مثل عهد الاقطاعية ومن لزم الأمر إلى اليوم، أو ألفة المتحزب بالتبعية لرئيس حزبه والارتهان لإملاءاته.

فالمواطن الأليف على ضوء ما تقدم وما نقصده، هو المواطن الفاقد لكل إرادة، وخيار، ورغبة بالتحرر اي أنه يألف الوضع الذي يحل به، والنظام الذي يطبق عليه، والحياة التي تختار له، دون أيما اعتراض أو إبداء رأي، أو مشاكسة، وهو المواطن الذي يألف ما يرتضيه لنفسه من نتائج هذه الاضافة، بحجة أن الوضع العام يشجع على ذلك، أو يألف سكوت العامة على وضع ما. كألفة نظام سياسي قامع، وألفة التبعية الاقتصادية، وألفة وضع تعليمي بائس، أو ألفة ذل اجتماعي عام، بمجال من المجالات، مثل ألفة الموظف ببخس حقه خوفا من مسؤوله، أو ظلم عشيرته أو ألفة الفوضى، والفقر، والعوز والحرمان، وكبت الحريات وغيرها.

فالمواطن الأليف، هو المواطن الذي توضعه الأنظمة لصالح كسب ولاءه لها، فالمواطن العربي بشكل عام والمواطن العراقي بشكل خاص، لديهم تجربة مشتركة تقريباً؛ لان المواطن ببلداننا العربية صاحبت حياته تحولات مفاجئة، نتيجة لظروف مرت به، منها الهجرة من الريف إلى المدينة، عندما تسوء حالة المعيشة في الريف لأسباب القحط أو الفيضان وغيرها، كما حدث في العراق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أو هجرة أبناء المدينة للريف، كما حدث في تسعينيات القرن الماضي بسبب الحصار الذي اضطر الناس إلى البحث عن أرض زراعية ليعيشوا بزراعتها، فالمواطن الذي تنتابه مثل هذه الظروف ويأتي إلى المدينة، ويجد سلطة ونظام لا يعرف عنه ولا عن إيديولوجيته شيء ولا عن قوانينه، فنجده ينصاع بالطاعة وتحسن السلطة ترويضه، فضلا عن القوانين المدنية الخاصة بالحياة العامة التي تدفع إلى ترويض نفسه، وتذويب العصبيات القبلية والريفية ازاء هذه القوانين، حتى توفر له الامان والاستقرار في هذه المدن، فنجده يألف الحياة وقوانينها ويعتاد عليها، دون أن يعرف كيف له أن يتفاعل مع تلك القوانين، حتى لا تتحول الألفة الى انصياع اعمى، لكل ما يصدر من السلطة.

أما دور الأحزاب المتوحشة التي لا يوجد من يروضها ويجعلها أليفة. تتخذ من تلك السذاجة والبساطة والاستعداد للألفة إلى برامج تسيطر بها على المواطن، وتتحكم به وبخيراته، فتبدأ تكشر عن انيابها وتفترس مواطنيها وتأكل حقهم، وتهدر طاقتهم، وتبدد خيراتهم، دون هوادة أو رجعة ضمير اتجاه هذا الشعب، فنهجها نهج الوحش الكاسر أو الذئب الذي يظهر وداعته ليترك الامان على وجوه مواطنيهم، وهو يسلب خيرهم، دون علمهم أو بسكوتهم، لأنهم ألفوا وضعهم ونهجهم، ولا يتمكنوا من صدهم، وكبح جماح وعنفوان شراستهم، فعادة ما يختصر نشاط هذه الاحزاب على السلطة والحكم، والمنافع والاغتيالات، والتصفيات، والخصومات، والعمولات، والتنافس الانتخابي وغيرها، هذا اكبر نشاط يخرج عن الأحزاب، اما الأنشطة الإنسانية أو ألانشطة الوطنية التي تعكس برامجها في خدمة الوطن ومواطنيه كما تدي فلا توجد. فكل الأحزاب العراقية منشغلة بالسرقات والصفقات، فضيعت الوطن والمواطن، بسبب جهلها في إدارة البلد وشراستها، فهي أحزاب غير مروضة للحكم، ولا تألف الى ألفة مواطنيها، بل تتخذ منها فريسة أمامها تغتنمهم كيفما شاءت ومتى ما تريد، فاستغلال المواطن البشع الذي تمارسه بحقه هذه الأحزاب، وملاحقة مصادر رزقه وتنغيص حياته، واحداث خلل في الفضاء العام، بات نهج ثابت عند كل الأحزاب العراقية التي أظهرت توحشها الحقيقي، في صراعها وحربها مع بعضها، والذي عادة ما يكون المواطن ضحية ذلك، كمشكلة الموصل مثلا التي سُكت عن الإرهاب فيها، بسبب تقاطعات، وتفاهمات سياسية، حاولت أن تحافظ على السلطة، فضيعت الوطن بيد الإرهاب وداعش، هذا نموذج، أو كنموذج جرف الصخر، والتقاطعات التي تحول دون رجوع الناس النازحة إليه، أو مشكلة عودة النازحين في المحافظات الغربية، والموصل التي أضحت مسألة مزايدات سياسية وحزبية، فلم يعد يهم هذه الأحزاب حتى وضع الناس الحساس والخطير،كتفرج أحزاب السلطة على الآفات الاجتماعية التي يتسببون بها و يستنكرونها في الوقت نفسه !!

كل قطاع ومجال ومصدر للثروة في هذا البلد، صار محط سيطرة الأحزاب المتوحشة، وبرهان هذا التوحش هو ملئ ترسانتها بكافة الوان الأسلحة والتجهيزات العسكرية، وتجنيدها المستمر للشباب في هذا المجتمع، وتأهب ميليشياتها الدائم لكل اقتتال فئوي أو نفعي أو ايديولوجي، لا سيما بين الأحزاب المتقاطعة في الصالح والمنافع المستحوذة عليها من هذا البلد وشعبه.

وللكلام تتمة....

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4613 المصادف: 2019-04-23 06:13:33