 أقلام حرة

مؤسس الدولة العميقة: محاربة الفساد تعني الإطاحة بالعملية السياسية ورموزها

رفع الدكتور عادل عبدالمهدي، رئيس الوزراء العراقي شعار محاكمة الفساد منذ توليه لمنصبه قبل بضعة شهور، واتخذ ومنذ ترشيحه سلسلة من الإجراءات التي تصب في طريق مكافحة الفساد، ومنها النافذة الألكترونية التي فتحها لإنتخاب أعضاء الحكومة، كما بادر الى نقل مكتبه من المنطقة الخضراء وتريّث كثيرا في اختيار العاملين معه في مكتبه، وتوّج خطواته باعلانه تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الذي استبشر به العراقيون خيرا، لكن سرعان ما ضعفت ثقة العراقيين بالمجلس الذي لم يفتح أي ملف من ملفات الفساد الكبرى التي ضاعت بين طياتها 360 مليار دولار فقط خلال الأعوام 2006-2014 فقط بحسب تقديرات اللجنة المالية في البرلمان العراقي.

ودارت شكوك حول مدى جدّية رئيس الوزراء في مكافحة الفساد، لكن تلك الشكوك سرعان ماتبدّدت لأن سيرة الرجل في الحكم كانت بعيدة عن التمسك بالمناصب التي تدر مالا وفيرا لشاغليها فقد استقال مرتين طيلة السنوات الماضية، مرّة من رئاسة الجمهورية ومرّة من وزارة سيادية هي النفط. مما طرح تساؤلات عن سبب تلكؤه في محاسبة الفاسدين مع إن آلاف ملفات الفساد تعج بها ادراج هيئة النزاهة ولجنة النزاهة البرلمانية ومكاتب المفتشين العموميين. وكان الكثيرون يعتقدون بأن عادل عبدالمهدي لن يستطيع مواجهة حيتان الفساد كما فشل سلفه حيدر العبادي الذي أعلن من كربلاء بعد تسنمه لمنصب رائسة الوزراء عام 2014، بأنه سيحارب حيتان الفساد ولو كلفه ذلك حياته، لكن تلك الحيتان ابتلعته لاحقا حتى مكث في بطنها والى اليوم!

ووفقا للمثل القائل اذا عرف السبب بطل العجب! فقد حُلّ ذلك اللغز على لسان مؤسس الدولة العميقة وراعيها،واحد أعرق قيادات حزب الدعوة الذي حكم البلاد لاربع دورات متتالية، والذي كان ولا يزال ركنا أساسيا في العملية السياسية التي وضع العم سام بصماته عليها منذ العام 2003، إنه القيادي علي الأديب. فالأديب يعتبر أحد القيادات التاريخية للحزب وانتخب عضوا عن الحزب في اول مجلس وطني إنتخب بعد اسقاط النظام، ثم انتخب عضوا في الجمعية الوطنية التي تولّت كتابة الدستور العراقي وكان عضوا في لجنة كتابة الدستور ورئيسا للجنة التربية والتعليم في الجمعية. وانتخب عضوا في مجلس النواب في العام 2005 ثم أنتخل عضوا ببفترو بين 2006 و 2010. ورشح مرات عدة لمنصب رئاسة الوزراء قبل أن يتولى حقيبة التعليم العالي في حكومة المالكي الثانية.

لعب الأديب دورا كبيرا في تعيين عدد كبير من المسؤولين العراقيين سواء كوزراء او ووكلاء وزارات او مداراء عامين أو سفراء أو رؤساء جامعات وغير ذلك، وذلك من خلال تأسيسه للمركز العراقي للتنمية والتطوير في العام 2005 الذي كان يعقد إجتماعاته الأسبوعية داخل مقر الحزب في مطار المثنى. كان المركز يستقطب لعضويته الكوادر الحزبية وتلك المقربة من الحزب ليزج بها في مؤسسات الدولة في اول مسعى لبناء دولة عميقة لحزب الدعوة داخل الدولة العراقية. ولذا فهو يعتبر المؤسس والراعي الرسمي للدولة العميقة.

لقد أدلى الأديب بشهادة تاريخية خلال لقاء تلفزيوني حول مجريات العملية السياسية ومنذ السقوط، لكن الجزء الأكثر إثارة فيها هو ربطه مكافحة الفساد بانهيار العملية السياسية وسقوط رموزها! وفي ذلك اتهام بتورط جميع المشتركين في العملية السياسية بنهب أموال العراق إضافة الى استماتتهم في الدفاع عن أنفسهم والى حد تخريب العملية السياسية وإدخال البلاد في حالة من الفوضى في حال فتح ملفات الفساد. فقد قال الأديب وبشكل واضح وصريح“ إن محاربة الفساد قد تؤدي الى إنهيار العملية السياسية وسقوط رموزها“! فهل يجرؤ عبدالمهدي على ذلك؟ بالتأكيد لا! لا لتقصير منه بل لأنه قاصر بحسب البعض!

فأركان العملية السياسية اليوم يهيمنون على مقدرات البلاد العسكرية والإقتصادية والإعلامية والسياسية ويرتبطون بعلاقات وثيقة بالخارج، ولذا فإن أي فتح لملفاتهم سيعني فتح أبواب جهنم على عبدالمهدي! واولها إتهامه باحداث الفتنة والفوضى في البلاد وسيتم العزف على اسطوانة جرائم النظام السابق بهدف تبييض صفحة النظام الحالي ورموزه وإجراء مقارنة بائسة بأن السرقة اهون من القتل! فعليكم ايها العراقيون أن تشكروا الله لأنكم تعيشون في ظل سارقين يبنون لكم بأموالكم ”مولات“ يعتاش منها العديد من المواطنين، كما وان تلك الأموال هي مصدر قوة لأحزابكم الحاكمة ولسياسييكم الذين سيستخدموها لمنع العودة المزعومة لحزب البعث وغير ذلك من الأعذار الواهية.كما ولا يستبعد أن يجتمع حزب الفساد العابر للقوميات والمذاهب ويقرر وبأغلبية كبيرة الإطاحة بعادل عبدالمهدي وحكومته في البرلمان!

إلا أن هناك عاملين مهمين ينبغي أخذهما بالحسبان وهما قادران على ارباك هذه المعادلة الظالمة ألا وهما عاملي الشعب والمرجعية. فاما بالنسبة للثاني فإن أي خطوة جادة من عبدالمهدي لمكافحة الفساد ستحظى بدعم منقطع النظير من المرجعية ولن يجرؤ أحد من الفاسدين على الوقوف بوجهها وتكفي كلمة واحدة في خطبة الجمعة لحسم الأمر. وأما العامل الأول وهو الشعب فإنه القوة الضاربة التي ستقف خلف عبدالمهدي خاصة اذا ماصادر أموال الفاسدين وممتلكاتهم وسخرها لخدمة المواطنين.

وفوق كليهما فإن الله سيبارك اي خطوة لمكافحة الفساد وإحلال الإصلاح وسيكتب لها النجاح، فياسيادة رئيس الوزراء توكل على الله وأضرب بيد من حديد أركان العملية السياسية الفاسدين ولا تخف دركا ولا تخشى، فإن نجحت ولا شك في ذلك فقد أديت الأمانة الى أهلها وإن فشلت وانهارت هذه العملية فلا أسف عليها لأنها أصبحت وبالا على البلاد، ومخطيء من يظن أن إنهيار هذه العملية السياسية ورموزها الفاسدين فيه شر على العراق، لأن الإطاحة بالفساد وبهذه الرموز البائسة خير مابعده من خير!

 

ساهر عريبي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4640 المصادف: 2019-05-20 01:55:40