 أقلام حرة

بيدلامائية العقل العراقي.. إشكالية اللعب المفرط في التكوين

رائد عبيسالعقل هو المعنى المعياري لمكون مادي، يتصف بالتفكير، والحركة، والقرار.وهو ما يقابل الغريزة التي لا اختيار لها، اي هو ما يعزز الإرادة، ويميز الخير عن الشر، والحق من الباطل، والحسن من القبح. والعقل هو ما ينتج القناعات ليحقق الاستجابات، بعد التحليل، والتدبر، والنقد، والتفكيك، والتركيب، وتوفير الاستنتاجات، وامتلاك البديهيات والمسلمات. وبدايات التكوين العقلي وقدراته، هي بالأساس مكونات بايولوجية، تعزز بقدرات سايكولوجية، وروحية، ترصن من قدرة العقل على الإنتاج.هذا ما يتعلق بالتكوين الطبيعي للعقل، الذي ممكن أن يكون خارق للعادة الطبيعية، وبشكل مذهل ومستقل وهو ما يكون العبقرية، أو العقبرية الفذة، والعقل بهذا المستوى ممكن أن يعد لغزاً، ولغزا محيراً، كعقل إينشتاين مثلاً الذي بقي مثار جدلاً وتحليلاً من قبل الخبراء، لمحاولة الوصول إلى سر هذا اللغز العقلي الطبيعي، ونؤكد على طبيعيته هنا، لضرورة تحليل فكرتنا حول إشكالية التلاعب بالعقول، اللغز الطبيعي للعقل ربما تتحكم به عوامل بايولوجية طبيعية، وربما تتحكم به عوامل ميتافيزيقة ألهية، وبكلا الأمرين ربما يعجز البشر في تفسير لغز انسان عبقري الى الابد، بينما التكوين التعليمي، أو الكسبي، أو محاولة انتاج عقل بطريقة لغزية، هو ما يحتاج إلى سياسة، أو تلجئ إليه السياسية، وهنا تبرز اللعبة، وتظهر ستراتيجياتها. وتكمن بها القصديات العبثية وغير العبثية. كثيرة هي الالغاز التي ينتجها العقل، ولكن أن يكون للعقل لغزا هذا ما يدفعنا إلى البحث والسؤال والتقصي. كيف يكون العقل لغزاً؟ ومن ذا الذي يحاول أن يجد حلاً له؟ وما هي المحاولات التي تسعى لذلك؟ وكم محاولة ومحاولة لفك سر هذا اللغز ؟ نرى أن هذا اللغز لم يُحل لحد الأن على الرغم من كثرة المحاولات، وتنوع مصادرها المختلفة، اي لغز ؟ واي محاولات؟ لغز العقل العراقي، الذي شبهناه ببيدلامائية اللغز المشهور الذي تجاوزت محاولات حله ما يقارب عشرون ألف محاولة، والذي يتكون من مجموعة قطع، يراد من كل قطعة أن تكون مع قطع أخرى مكعب يختزل الارقام المتبقية من المجموع. العقل العراقي، نرى أنه حاله حال قطعة لغز بيدلام الذي وصل إلى هذا الرقم من المحاولات دون جدوى التوصل إلى حل، فمكونات العقل العراقي، هي مكونات لغزية لحد الان لم يصل أحد الى تركيبها بشكل صحيح، تناسب تكوينها المعقد، فالعقل المعقد وهي الصفة التي يتمتع بها العقل العراقي، سوف تكون عصية على كل من يحاول أن يلعب بمكوناته ليجد الحل بدون منهج علمي، على الرغم من كثرة المحاولات المتكررة، وهذا يعني أن هناك إشارة إيجابية الى حل مرتقب، يعلن عن تطابق تام بين المكون والأفكار والواقع، وهذا ما نراه غائباً عن عقلية المواطن العراقي، والذي نشهد تلاعب المحاولات عابثة الى حد تراه صحيحاً، وكل محاول لا يكترث لوقت المحاولات ولا النتائج، فيبقى يحاول، ويحاول، ويحاول حتى يسأم الآخرون منه ويزيحوه، قبل أن يسأم بنفسه، بقيت هذه الرغبة باللعب متوارثة في كل الأجيال التي حكمت العراق، منذ النشأة الأولى للبشر على أرضه والى اليوم، المحاولات جارية لفك لغز تركيبة العقل العراقي، أو محاولة إعادة تركيبه بالشكل الصحيح الذي تكون به، فهو تكون لغز ولكن لم يفقد تركيبه الصحيح، وان كان هناك سبب في خريطة هذا التركيب من قبل لاعب أول، فالمحاولات مستمرة منذ وقت بعيد على إعادة الشكل الاول للتكوين، بعيدا عن العبثية، ولعب التسلية والمحاولات اليائسة، فكانت هذه المحاولات تغلب جانب على آخر، مثلا أحد يغلب الجانب الاقتصادي على السياسي، أو اخر يغلب الجانب السياسي على التربوي، أو العلمي على الشعبي، أو الفكري على الأرتجالي، أو الاجتماعي على السياسي، وهكذا بقيت كل مقاربة بين هذه المجالات، هي جزء من المحاولة الغير مجدية. فبيدلام العقل العراقي كان ومازال لعبة، بيد السياسي، والقائد العسكري الدكتاتوري، ورجل الدين، والاحتلال الامبراطوري، والغازي، والمحتل، وكل منهم يحاول أن يجد حل لهذا اللغز المحير، فلا نجد من يتمكن عليه، او ينتهي به إلى حل، او نتلمس منهم أي جدية للحل، فهو مازال لعبة فعلاً بين من يجيد اللعب وفنون، أو يُغامر بالتجربة.ولا سيما على يد سياسي الحقب الأخيرة من تاريخ العراق وراهنه، إذ تمثل اللعب العبثي لتفسير اللغز العراقي القائم على التعقيد أصلا، فنرى العبث وقع بكل مفاصل الدولة ومؤسساتها، واللعب العشوائي المستمر في ترتيب مكونات العقل العراقي وأجزاءه أصبح سياسة متبعة عند الطبقة السياسية الجاهلة بتكوين العراق، فالسر المكنون في لغز العقل العراقي، ربما هو من يدفع إلى طموح حكمه عند من يطمح لذلك، ويبقى أيضا طموح من يريد أن يحل اللغز، ولكن بقي هذا اللغز مدعاة لمحاولات فاشلة، بقي العراق يعاني من محاولاتها وشعبه الذي أهمل الى حد أن يفقد كل مقومات هويته ووطنيته، وهذا ما يحب أن يعزز، ويستثمر، في تحقيق ازدهار لهذا البلد عبر حل بيدلامائيته التي تكتنز التفسير الحقيقي لمكونات العقل العراقي.

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4644 المصادف: 2019-05-24 01:40:59