 أقلام حرة

التداول الأشاري في طقوس بندقية للشاعرة هدير التميمي

يحدد مجال التداوليات الاداء اللغوي ويدرس افعال الكلام والاقتضاء والاستلزام التخاطبي، واختلفت آراء النقاد والمحدثين في تحديد مصطلح التداولية، البعض منهم عده جزءا من السيميائية التي تعالج العلاقات بين العلامات ومستخدميها، والبعض الاخر يرى ان التداولية قدرة اللغة على الخطابية وتفسير الاقوال المستعملة بوساطة عنصر ذاتي يتمثل في التعبير عن معتقدات المتكلم ومقاصده واهتمامته ورغباته، وعنصر موضوعي يختص بالظروف الزمانية والمكانية، وآخر يوضح المعرفة المشتركة بين المتكلم والمخاطب، وكثرت المقابلات ازاء المصطلح الانكليزي (براجماتكس) ترجمة او تعريبا بالتداولية، المقاماتية، المقامية، علم المقاصد، البراجماتية والبراغماتية، الا ان المصطلح الاكثر استخداما هو التداولية فهي العلم الذي يعنى بالشروط اللازمة لكي تكون الاقوال اللغوية مقبولة وناجحة وملائمة في الموقف التواصلي الذي يتحدث فيه المتكلم .

تتضمن اللغات على اختلافها مفردات تعتمد اعتمادا تاما على السياق الذي تستخدم فيه فلا يمكن تفسيرها بمعزل عنه تلك هي الاشاريات في التداولية، وتعد الاشاريات الشخصية عنصرا هاما فيها معتمدة على الضمائر بمختلف انواعها (المتكلم - المخاطب - الغائب) بالافراد والتثنية والجمع، وهي من اوضح العناصر الاشارية الدالة على الشخص كما تجسد ذلك في قصيدة (حبيبة من الاوائل)

اعود طفلا انا

احتاج درك

فأشم صدرك

وأشبع منه .

 استخدمت الشاعرة ضمير المتكلم (انا) كي لا يحدث لبسا في الامر ويكون التواصل واضحا ومفهوما  بين المتكلم انا والمخاطب الام .

لكن قد ينشيء لبسا في استخدامها اذا تعددت مراجعها كما في قصيدة (تمزيق)

احرقت ارتجافها الستين

بحقيبة سفره المعتقة

فتهاوت الاشعار

وتحنط الرمل في الساعات

تباينت المراجع هنا بين المتكلم هي والغائب هو وتوقف الوقت حين يتحنط الرمل في الساعات الرملية لكن التداول الاشاري يشير الى ان سفره ازهق روح الزمن لديها، او قد يكون هناك تبادل كل من المتكلم والمخاطب متكلما او نقل المتكلم خطابا عن متكلم اخر كما في قصيدة (تسول أب)

امد كفي اتسول أبا

هل من احد يهديني اياه ..؟

نم ياصغيري قالت امي

فكورت نفسي لعينيها رجاء.

هنا تحول المتكلم انا الى مخاطب والمخاطبة هي الى متكلم فتداولت الاشارات بذلك البناء اللغوي التواصلي الذي جسدته الشاعرة بحوارية مسبوكة المعنى والمبنى .

توحي الاشاريات الزمنية لزمان المتكلم مركزا للاشارة الزمنية في الكلام يحدده السياق قياسا الى زمن المتكلم، وقد ارتبطت الاشاريات بوجود ووضوح المتكلم كي لا يحدث ابهاما تجسدت في قصيدة (صدفة)

سلاما ايها المصباح .....

صحوت اخيرا في نفس المحطة

لكن قطاري رحل.

القي السلام على المصباح حين انطفأ لينبلج الفجر ويصحو الحالم فيجد ذاته في نفس المكان بعد رحلة طويلة في الحلم، تداولت الشاعرة اشارة توديع المصباح لتأذن بزمن الصحوة فجرا فيكون التواصل بين المتكلم والمخاطب سليما لا لبس فيه، كذلك في قصيدة (وردة الصباح)

سافرت شمس الصباح

رحلت والكل يغدوا لا محال.

سفر الشمس يشير الى الغروب الى زمن رحيل الشمس كرحيلنا عند غروب رحلة الحياة .

تشير الاشارات المكانية التداولية الى مكان المتكلم ووقت تكلمه  كما في قصيدة (احلام)

في ليل المدينة

حلم مشنوق

آخر معلق على (كشك الشاي)

جنب المقهى العتيق

ثالث خلف القباب

حددت الشاعرة الاشاريات التداولية زمانا ومكانا بحرفية عالية فليل المدينة زمان محدود وقريب والعتيق زمان غير محدود وبعيد عن مركز الاشارة  للمتكلم وكشك الشاي والمقهى وخلف القباب امكنة متداولة فأمتلك تداول الاشاريات المكانية الاثر البالغ في تحديد المكان واختيار العناصر الاشارية بعدا او قربا من مركز الاشارة المكانية او المكنية معتمدة على السياق المادي المباشر الذي قيلت فيه، وتجسد ذلك في قصيدة (جسد ابيض)

اخرج من صحراء الموتى

حلما ابيض

احمل اكفاني على كتف الازمان......

تشظى الشر فيها

لأرض كربلاء

استخدمت الشاعرة اشاريات مكانية مباشرة وغير مباشرة فكانت اشارية صحراء الموتى توحي بصورة غير مباشرة الى مكان المقابر اما الاشارة المادية المباشرة في ارض كربلاء تحديد واضح ومادي ومتداول للمكان.

ضمت الاشاريات المتداولة ايحاءات بالعلاقات الاجتماعية بين المتكلم والمخاطب سواء كانت  رسمية كما في قصيدة (مشرحة)

ان العدالة تجلجل

بأسم الحاكم المذعور

المختفي خلف البخور

فلقب حاكم يشير الى العلاقة الاجتماعية المتداولة بين ابن الشعب والحاكم وهنا العلاقة رسمية ومن الواضح انها غير حميمية او قد تكون العلاقة الاجتماعية غير رسمية كما هو في قصيدة (ابي)

 

الشجر يكنس باب ابي

الجبال ترمي الياسمين في طريقه

يمر ابي كأمير ... وأي أمير.

نجد ان لقب امير يوحي بعلاقة رسمية متباعدة الاطراف فشتان بين الفقير والامير الا ان الشاعرة تجمع التضاد بين الاب ابن الشعب والامير ابن حاكم الشعب بتشبيه حميم يوحي بالوسامة واناقة الامراء، وقد تكون العلاقة الاجتماعية حميمية كما في قصيدة (سنام ألم)

حين ولدتني امي

باعت ثوب عرسها

والخاتم المنحوت بالاحجار

العلاقة الحميمية العميقة بين الام وابنتها تتوضح من خلال الاشاريات التداولية الاجتماعية التي استخدمتها الشاعرة لتوحي بالدفء والحنان والتضحية للأم .

تداولت الشاعرة هدير التميمي الاشاريات  في (طقوس بندقية) بثراء وتنوع وتداخل جمالي متفرد بين الاشاريات الشخصية، الزمنية، المكانية والاجتماعية فنجدها تارة منفصلة عن بعضها البعض مستقلة وتارة اخرى متشابكة ومتداخلة كقطعة فسيفسائية مسبوكة ببناء تداولي اشاري سميك.

 

بقلم د. امل الغزالي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4654 المصادف: 2019-06-03 03:57:44