 أقلام حرة

مثال الآلوسي والتطبيع مع إسرائيل

عبر النائب السابق في البرلمان العراقي مثال الآلوسي عن "أمله في ان يطبع العراق علاقته مع إسرائيل". وكان السيد مثال قد زار إسرائيل قبل حوالي عقد من الزمن حيث دعي لحضور مؤتمر هرتسيليا ودعى من هناك لإقامة علاقات مع إسرائيل بل "والتعاون الاستخباراتي معها" لمحاربة الإرهاب ولمواجهة إيران! ورغم أن العراق هو من الناحية القانونية في حالة حرب مع إسرائيل منذ تأسسها في سنة 1948 وأن زيارتها تعرض القائم بها للمحاسبة القانونية قد تصل إلى عقوبة الإعدام بتهمة التعاون مع دولة عدوة فإن الاستهجان والإدانات التي صدرت بحقه في ذلك الوقت وكذلك دعوة بعض القوى السياسية لرفع الحصانة البرلمانية عنه تمهيدا لمحاسبته قانونيا لم تجد. ولاشك أن النفوذ الأمريكي المهيمن في ذلك الوقت لم يكن ليسمح باجراء كهذا عدا الاعتبارات الأخرى التي تتعلق بهشاشة الوضع الأمني والعملية السياسية بأكملها.

 إن حالة الحرب بين العراق وإسرائيل من الناحية القانونية (ما لم يقم البرلمان العراقي باصدار قرار بإلغاءها إذا كان ذلك جزءا من صلاحياته وليس من صلاحيات الحكومة) لازلت قائمة غير أنها أصبحت بحكم الوضع الجديد الذي نشأ بعد 2003 caduque كما يقال بالفرنسية، أي أنها حالة قد عفى عليها الزمن و لا يمكن تطبيقها في الظروف الحالية. وهي من وجهة نظري ظروف ستدوم طويلا إن لم يكن إلى الأبد إذ ليس هناك قوة حزبية أو تحالف أحزاب مهيمن يستطيع من خلال حكومة يشكلها أن يعيد تفعيل حالة الحرب مع إسرائيل ويحاسب من يقوم بزيارة إسرائيل أو التطبيع معها. ويبدو لي أن هذا هو ما شجع السيد الآلوسي على القيام بما قام به انسجاما مع ما يدور في ذهنه من طموحات يرى أن زيارة إسرائيل سابقا ثم الدعوة إلى التطبيع معها الآن مضافا لها معاداة إيران يمهد الطريق لتحقيقها إذ أن الطريق لقلب أمريكا يمر عبرالشريان الإسرائيلي. ولا يصعب على المرء معرفة أن الطموح السياسي يقف على رأس هذه الطموحات إن لم يكن المحرك الوحيد لها خاصة وأن صاحبنا قد أفل نجمه وهو على وشك الانطفاء ما لم يكن هناك من ينفخ فيه روحا جديدة لن تلبث أن تكون ومضة ثم تنطفأ. وقد يكون مكوثه المطول في أربيل حيث مارس مهنة المعارضة عن بعد وهو عضو برلمان قد هيأ له جوا من العلاقات أفهمته أن مداهنة إسرائيل رهان كثير الربح منعدم الخسارة.

والسؤال المهم في القضية هو: لماذا يطبع العراق علاقاته مع إسرائيل وهل الأسباب التي دعته للعداوة (افضل استخدام كلمة "القطيعة") معها ما زالت قائمة؟

لا نستطيع الانطلاق من موقف آيديولوجي للإجابة على هذا السؤال لأنه موقف يمكن أن يفسره البعض على أنه "عقدي" فات زمنه وأنه بالضرورة سوف يحتوي على الكثير من الكلام الإنشائي rhetoric الممل. واقصد بالموقف الإيديولوجي هو الحديث عن طبيعة الأيديولجيا الصهيوينة المؤسسة لدولة إسرائيل وفلسفتها ونهجها وتناقضها مع المصالح العربية على المستوى الوطني والإقليمي. لذلك سننظر في الأمر من وجهة نظر واقع والتاريخ والجغرافية والثقافة الواحدة والتي هي جزء أساسي في هذا الواقع.

بدأت المشكلة بين العراق وبقية الدول العربية وإسرائيل بعد ان نتج عن قيام دولة إسرائيل طرد السكان الفلسطينيين من مناطق سكناهم الأصلية في فلسطين في أبشع عملية تهجير في التاريخ الإنساني قديمه وحديثه. والفلسطينيون بالنسبة للعراقيين كما بالنسبة لبقية العرب هم أخوة في العروبة وفي الإسلام وفي الثقافة وفي الانتماء الجغرافي وأن الوشائج بين فلسطين كأرض وشعب ودول المنطقة المحيطة موغلة في القدم وتعززت بعد ان سادت ثقافة واحدة بين جميع دول المنطقة بعد انتشار الإسلام. وهذا يعني أنه عبر القرون تشكل وعي موحد لدى شعوب المنطقة يقضي بأنهم ينتمون لبعضهم وأن مصلحتهم واحدة ومصيرهم واحد وأن ما يضر احدهم يضر الآخر بالضرورة. إن قيام الاستعمار البريطاني والفرنسي بتقسيم المنطقة على أساس "وطني" بمعنى محلي هدف إلى تأسيس مفهوم جديد للمصلحة قائم ضمن حدود جغرافية مرسومة تتبع حدود التقسيم الذي وضعوه. فالعراقي وفق هذا المنظور الاستعماري يجب أن تكون له مصالح "وطنية" خاصة به مستقلة عن مصالح من يجاوره من الدول "الوطنية" وكذا الحال بالنسبة للدول والشعوب العربية الأخرى. وبالطبع جاء البريطانيون والفرنسيون برجالات مناسبين للمهمة ليحكموا هذه البلدان المؤسسة (وبكلمة أدق المرسومة حدودها) حديثا بعد انسلاخها عن الدولة العثمانية. وقد نجح المستعمرون في تكريس التقسيم الجغرافي الجديد ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في تقسيم الوعي العربي بوحدة الانتماء والمصير.

لذلك كان تأسيس دولة إسرائيل بالطريقة التي تمت تمثل ضربة عميقة في الوعي والإحساس الجمعي لشعوب المنطقة بحيث أن فقدان أرض عربية لجهة غريبة عن المنطقة (اليهود الأوربيين والذين يسمون في الأدبيات اليهودية "الأشكناز") وتعريض سكانها العرب بمسلميهم ومسيحييهم لمأساة التهجيركان بمثابة فقدان عضو من أعضاء الجسد وهو إحساس لا يمكن أن يزول مع مرور الزمن خاصة وأن الفلسطيني لا يزال بيننا بشخصيته المميزة وإصراره على البقاء وتمسكه بأرض فقدها في ظروف قاهرة وإصراره على العودة إليها ودفع من أجل ذلك الكثير من الدماء والمعاناة لا زالت متواصلة أمام أعيننا في كل يوم.

والآن، ما الذي تغير من هذه الحال لنقول أن التطبيع مع إسرائيل أمر طبيعي؟ هل اصبحت إسرائيل دولة طبيعية فغيرت طابعها التوسعي والعدواني ؟هل تغير موقفها من الشعب الفلسطيني بحيث باتت تعترف بحقوقهم المشروعة حتى بعد ان قبلوا بأن يقيموا دولة مصغرة لهم على مساحة لا تزيد عن 28 بالمائة من مساحة فلسطين الأصلية؟ لقد فتحت اتفاقية أوسلو التي أبرمت في سنة 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية الباب أمام إسرائيل لتصبح كيانا طبيعيا في المنطقة ومعترفا به من قبل بقية الدول العربية بعد أن تكون قد أنجزت ما تعهدت به في الاتفاقية وسمحت للشعب الفلسطيني بتقرير مصيره على المناطق التي احتلتها في 1967 وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا. فماذا فعلت إسرائيل بهذه الفرصة؟؟ لم ينفذ الإسرائيليون أيا من التزاماتهم في الاتفاقية وزادوا من مصادرة أراضي الضفة الغربية ووسعوا مستوطناتهم وزادوا من تغيير الطابع الديموغرافي للقدس بحيث أصبح الحديث عن إقامة الدولة المصغرة أمرا مستحيلا. كما وزادوا من ممارساتهم القمعية ومن التضييق على وسائل عيش الفلسطيني.

فهل "نطبع" مع إسرائيل مكافئة لها على ما فعلته؟واي نفع سيأتي من هذا التطبيع غير إعطاء إسرائيل موافقة ضمنية بأن ما فعلته سابقا وتفعله الآن بالفلسطينيين أمر لا يخصنا نحن العراقيين؟

لم تفعل إشارات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية خاصة الخليجية سوى أن شجعت إسرائيل على زيادة قمعها للفلسطينين وتضييق سبل العيش عليهم.هل سيشعر السيد مثال ومن هم من أمثاله بانهم اجترحوا مأثرة عندما يرون نتائج دعواتهم مزيدا من المعاناة للشعب الفلسطيني؟

وإذا كان هناك من يقول: "ولكن مصر والأردن وقعوا اتفاقيات سلام مع إسرائيل" فأقول هناك ظروف تاريخية واعتبارات معينة جعلت هذين البلدين يوقعان اتفاقية سلام معها ولكن هذه الاعتبارات لا تنطبق علينا وأن موقف الشعبين الأردني والمصري المناهض للسياسة الإسرائيلية والمساند للحقوق الفلسطينية لا يزال لم يتغير رغم كل المحاولات الإسرائيلية والغربية المؤيده لها لاختراق وعيه وثقافته الخاصة. وبالنسبة للموقف العراقي الرسمي والشعبي فهما لم يتغيرا أزاء إسرائيل واختلف الأمر فقط من ناحية أن التأثير الأمريكي على الموقف العراقي اصبح بعد احتلالها للعراق اقوى بكثير من السابق وهو لا شك تغير خطير ولكنه مهما بلغ لا يمكنه أن يجعل من العراق يسير على ركب مصر والأردن ما لم، بالطبع، يحكمه رجل مثل السيد مثال وهو أمر حاول الأمريكيون أن يجربوه عشية احتلالهم للعراق وتشكيلهم مجلس الحكم ثم أول وزارة برئاسة السيد علاوي وانتهى الأمر بأن أفهمهم الشعب العراقي أن هذه ليست خياراته.

إن قوة التأثير الأمريكي على الواقع العراقي يمر عبر بابين: الأول هو باب العائلة البارزانية وحلفائها من العرب الذين يروجون لفكرة الإقليم السني، وهؤلاء فاقدون للإحساس بعراقيتهم كما هو السيد مسعود ومن يتبعه ومنهم السيد مثال، والباب الثاني هو الاقتصاد وأساسه يتعلق بربط العملة العراقية الدينار بالدولار كما هو الحال بالنسبة لدول الخليج والأردن بحيث تستطيع الولايات المتحدة في حالة رفعها الغطاء عن الدينار العراقي أن يجعل أسعار صرفه أمام الدولار تتهاوى بين ليلة وضحاها وما ينجر عن ذلك من أزمة اقتصادية حادة. ويقدم المثال التركي نموذجا لقدرة التأثير الأمريكية على اقتصاد البلدان المرتبط باقتصادها. ولو قررت الولايات المتحدة يوما معاقبة العراق فإنها حتى لو تركته ينتج نفطا بالقدر الذي يريده فهي قادرة بوسائلها على استنزاف وارداته من الدولار وقد فعلت ذلك من قبل بمعاونة بعض البنوك التي تأسست بعد الاحتلال والتي لم تخضع لأي ضابط.

إن ما ذكرته حول التأثيرالأمريكي الاقتصادي هو من باب الفرضيات ولكنها فرضيات واقعية ولكني لا أعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تلجأ إليها من أجل أن تفرض على العراقيين التطبيع مع إسرائيل وأن تحقيق هذا الهدف يحتاج منها الكثير من العمل الدؤوب والزمن لتجعله مقبولا لذهن بعض العراقيين وتمثل تصريحات السيد الآلوسي المحاولة الأولية لإطلاق روائح غريبة لم تعتدها حاسة الشم العراقية بانتظار اليوم الذي تصبح فيه هذه الروائح معتادة فتتسلل إلى وعيه.

وقد يقول آخر: "ها نحن نرى الكثير من دول الخليج تطبع مع إسرائيل" فأقول: ومتى كانت دول الخليج على الأقل على مستوى السياسة الخارجية تمثل بالنسبة للعراقي والغالبية الساحقة من العرب مثالا يحتذى؟وإذا كانت هذه الدول، خاصة السعودية الإمارات، قد نأت بنفسها يوما عن الصراعات الإقليمية وقدمت دعما ماليا وسياسيا للفلسطينيين فهي اليوم توظف أموالها لتخريب التضامن العربي وتحويل أنظار العرب عما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين نحو عدو مفروض عليهم هو إيران. بل وحتى الدعم المالي للفلسطينيين والذي يمثل أضعف الإيمان أصبح موضوعا للمساومة نزولا عند رغبة أمريكا. فهل نفعل نحن العراقيون ما فعلته هذه الدول لمجرد أن أمريكا تريد ذلك؟

إن التطبيع مع إسرائيل هو أحد النتائج النهائية لسلسلة من التغيرات تطرأ على الواقع السياسي وخاصة قمة الهرم السياسي للبلد المعني فعلى سبيل المثال تطلب الأمر الكثير من العمل من جانب الولايات المتحدة لتحدث تغيرا في منهج التتويج في المملكة العربية السعودية بحيث اصبحت الملكية تنتقل من الأب لإبنه بعد أن كانت نتيجة تشاور وسط العائلة ورأينا كيف أن التغيرات الأخيرة في الهرم السياسي للمملكة قد جوبة باعتراضات وصراعات داخل العائلة الحاكمة.

أما بالنسبة للعراق إذا نظرنا إليه من وجهة نظر مقارنة فإن الولايات المتحدة مهما فعلت من أجل إيصال رجالات إلى حكم العراق منساقين وراءه أهدافها بشكل كامل فلن يبلغ بها الأمر يوما ما أن ترى من يحكم العراق هو من هذا النمط السياسي. والسبب هو أن طبيعة التركيبة السياسية (رغم هشاشتهما النسبية نتيجة الصراع بين الكتل) وكذلك توازن القوة لن يكونا لصالح هؤلاء لأنهم ببساطة لم يحظون يوما بقبول شعبي وكل ما سيجدوه من تأييد لن يأتي سوى من عائلة البازاني الحاكمة في أربيل (إذا بقيت كردستان جزءا من العراق) وفئة قليلة من بعض المناطق التي توصف بأنه سنية. وربما كانت هذه واحدة من المنافع القليلة للديمقراطية البورجوازية ونحن نتحدث حصرا عن العراق.

إن انفتاح العراق على محيطه العربي ورفضه مبدأ الاصطفافات (مع هذا ضد ذاك) لا يعني أن العراق بقيادته السياسية وبشعبه قد تخلى عن الحد الأدنى من المبادئ المرشدة في العمل وهي ضرورية من أجل سيادة مبدأ المصلحة المشتركة وليس المصلحة الوطنية الضيقة اي كما يقول المثل المتداول في بعض دول شمال أفريقيا "إخطه راسي واضرب" (و"اخطة" تعني "إترك"). وقد رأينا كيف وقف العراق موقفا صائبا وموحدا أزاء الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران. فالانصاف يقتضي الإقرار بأن الولايات المتحدة هي من قام بنقض الاتفاقية النووية مع إيران، وهي اتفاقية دولية وقعتها الدول التي لها عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي زائدا ألمانيا والاتحاد الأوربي، وأعادت (أي الولايات المتحدة) منفردة فرض العقوبات السابقة وزادتها عقوبات أخرى وصلت إلى محاولة منع إيران من بيع نفطها رغم كل تأكيدات الوكالة الدولية للطاقة وفي جميع زيارتها أن إيران لا تملك برنامجا للتسلح النووي. من حق العراق أو أي دولة أن تختلف مع إيران حول أي شأن يضر بمصلحتها ولكن ليس عبر الانسياق وراء الولايات المتحدة حتى في نزواتها وما أكثرها.

وكان السيد مثال في مقابلة مع تلفزيون "آسيا" بثت في شهر أفريل من السنة الحالية قد سخر مما أسماه "كذبة القدس". نحن هنا إذا امام تفكير منحرف إذ لا أدري لماذا يحق للإسرائيلي واليهودي عامة أن يعتبر القدس مقدسة لديه ويأتي اليهود من مختلف بلدان ليمارسوا طقوسهم فيها العالم و لا يحق ذلك للعربي وهي في عقيدته الدينية أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين وهي مسرى النبي (ص). إن السيد الآلوسي المنسلخ عن شعبه وقيمه يشيح بنظره بعيدا عن أثر الدين في المجتمع والسياسة الإسرائيلية ويعيب على العربي المسلم والمسيحي الإيمان بشئ مقدس حتى لو كان يمثل حقيقة تاريخية لها أثر عميق بالنفس.

مثال الآلوسي رجل فرد لا يحظى بشعبية في الوسط العراقي سوق لنا في لحظة ضعف في طريقها إلى الزوال وهو يحاول الآن أن يكون نموذجا فريدا للفاتح الفاشل. وكما سخر في تلك المقابلة التلفزيونية من جيش القدس الذي أسسه صدام فهو أجدر بالسخرية من كل الذي سبقوه في هذا المضمار.

 

ثامر حميد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4664 المصادف: 2019-06-13 03:13:07