 أقلام حرة

متلازمة عمى الألوان السومري المعاصر

لم أجد غضاضة ولا صدعا في فهم حكم السن الذي شارف على عقود  سبعة اكثرهن عجاف، بل اشعر بغبظة غامرة كلما تذكرت انه مازال في قوس العمر منزع بعد ان كنت من بين قلائل نجوا من اهوال الحروب والقتول والامراض والمجاعات والفتن فقد تعدتني احداها او كلها فبت احيا زمانا ليس زماني ومكان غادرته افواج فاطرب في اللاوعي على لحن عزف منذ زمن طويل حتى مات عازف نايه وتوارى الى المدى كاتبه وخالقه.. نعم لقد اصبحت اعيش في زمن الغيبة ..غيبة الانتقال من الزمن الاصلي الى الزمن بدل الضائع .. من الزمن الواقعي الى الزمن الافتراضي، لست متيقنا من معرفة من تلطف علي بهذا اللطف الها كان ام بشرا جنيا كان ام انسيا..افالمهم انه قد منحني زمنا متسق او قاس وبصيصا يفضي الى حلم غابت الوانه وتشرذمت معانيه قبل ان يحين الرحيل الابدي

قبل عام حملتني قدماي المتكاسلتان الى عيادة لطب العيون في احدى الدول البعيدة قيل لي انذاك ان السومريين واحفادهم مهتمون بالفلسفة والحكمة ثم صار الدين والزماعة والامور الكبرى تمثل جل همهم.. لكن العيون وطبها هي اصغر من ان تنالها طرقهم .. اخبرتني الطبيبة بان لونا جديدا اضيف الى الامراض الملونة التي تعاني منها عيناي الصغيرتان المتعبتان ببياضهما المحمر وخضرتهما المغبرة وجفنيهما ذي التجاعيد التي تروي قصة الخليقة برواية المغلوبين

ماء ابيض ..ماء اسود… داء الزرقاء. ما هذا برب انليل و كلكامش وشمش وانانا..، هل توجد كل هذه الالوان في عيون الآلهه ام في عيون اهل سومر واوروك ولكش. لطالما ظن اسلافنا السومريون ان زرقة العيون هو شأن الالهه التي قدمت من السماء الى الارض قبل البشر

قلت : ماسبب المياه البيضاء في عيني ايتها الحكيمة؟ قالت: امر متعلق بتقدم السن، تذكرت ابيات صفي الدين الحلي:

قالت تخليت قلت عن جلدي   قالت تغيرت قلت في بدني

وقبل ان استرسل في الاستذكار بادرتني بالقول: وهناك صلة بين امراض العيون وداء السكري

امراضنا الوانها جميلة، طعمها حلو، فهل ان ذلك تلطف الهي نجهله؟

ان الهداية بمعناها العام ليست مستحيلة وقد لا تستوجب طقوسا محددة ولا تحتاج الى مباركة الهية بل اكاد اجزم انها ليست ممكنة فحسب وانما وسهلة ايضا. لقد اهتديت الى ما يوقف الزحف السكري الى شبكية عيني الحمراء وعدستها الضبابية. لم يكن ذلك بمعونة طبيب حاذق او حكيم صادق .فعندما تزور عيادة طبيب وانت مصاب بالسكري فانه غالبا لايملك الا ان يكتب لك دواء الانسولين. لقد كان ذلك نظاما قالوا انه يدعى (كيتو)، لا اعرف لماذا اتجه تفكيري مرة اخرى وانا اقرا عن هذا الكيتو الى اهوار جنوبي العراق مهد الحضارة السومرية (الحضارة الاقدم في العالم) .اذ تذكرت الحلوى العراقية الجنوبية الصفراء والتي تصنع من البردي والمعروفة محليا بالخريط بكسر الخاء وتشديد الراء،فلقد كتب عنها الكثير وقيل فيها الكثير لكن ما يهمني هنا ما ذكر بانها تقوى البصر.ان البردي هو ذات النبات التي استعمله قدامى المصريين في تدوين لغتهم الهيروغليفية وثقافتهم الفرعونية وحضارتهم المصرية

لن ينصحك الطبيب بالكيتو ولا تناول الخريط ولا مشاهدة فلم بالاسود والابيض بذاكرة سومرية او فرعونية

لم يكن مألوفا لدى منظري ايديولوجيا نظام حرب البعث تقبل فكرة كون السومريين اسلافا صالحين للعراقيين الذين تمتد عروبتهم الى اعماق التاريخ السحيقة،فمن المعروف ان اولئك السومريين كانو قد قدموا الى ارض مابين النهرين من الشمال الشرقي قبل ان يستقروا على ضفاف الفرات الجنوبي، لذا فمن باب اولى اسناد اصول عرب العراق الى الاكديين

يحرص السومريون على تمثيل عيون الهتهم باللون الازرق رغم ان ان عيونهم السوداء كانت عميقة،لكننا لم نقرا يوما بانهم اكتشفوا الخريط الاصفر حتى ولو عبر ممارسة طقسية او كهنوتية

متلازمات اللون والثراء، السكري والعمى. الخريط والسياسة كلها تشير تشير الى اطنان من الدولارات الخضراء باكياس نفايات سوداء ينتهي بها المطاف الى نواد حمراء ... ايها الناس في بلاد سومر... من اين لكم كل هذه الالوان وقد كانت حلواكم الخريط ؟فهل حملها اتونابشتم معه في سفينته؟ ام ان ذلك وهم ما قبل العمى! ليته كان كذلك

 

ا. د. حسن الشرع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4664 المصادف: 2019-06-13 12:27:55