 أقلام حرة

بينوكيو

ويستفيق في داخلي شيء ظننته رحل.. يوسوس كثيرا.. أشعر بالدوران لضيق الشعور في صدري.. وكلما ضاقت بي ظننتها ستتسع قريبا فما زادت إلا ضيقا.. والدموع تلك المخلوقات التي هجرتني منذ زمن، ما عدت أعرف لها مذاقا، ما عدت أستطيع استدرارها كالسابق.. عيناي تلك التي ظننتها نبع ماء لا تنضب، جفت دون سابق إنذار.. تركتني بجفاء دون مواساتي..

على حين غفلة شعرت وكأني ذلك العجوز الذي خلدته روايات ديزني، الذي عاش الوحدة بما يكفي ليشعره بالضجر لباقي أيام عمره المتبقية.. حتى راودته تلك الفكرة اليائسة والتي يظنها البعض مجنونة..

قرر أن ينهي وحدته بصناعة "بينوكيو" دمية خشبية صغيرة قادرة أن تنتشله من التعاسة التي كان قد غرق فيها، هكذا حاول القضاء على وحدته بإيجاد شريك ولو كان من خشب.. كان يكفيه أن يجد ذلك الجسد الصغير القاسي الملمس الذي صنع ملامح وجهه الطفولية بيديه والذي سكب فيه من أمنياته ورغباته كطفل كان محبوسا بين أضلعه، وحاجته التي ألحت عليه لزمن طويل..

هو قضى على وحدته بصنع الدمية التي زرع فيها إنسانيته، فكان تسليته وسلوته، شاركه قصصه دون تذمر مع ابتسامة جميلة لا تختفي أبدا مهما كان الحديث فظا، تافها أو مسليا..

أما اليوم فقد ازدحم حولنا البشر الذين خلقوا لأجل الإنسانية فبخسوا الإنسانية حقها، المهم أنهم ازدادوا في العدد فقط وأصبحنا نشكو زحامهم الذي لم يملأ فراغنا ووحدتنا بل زادها ثقلا وكلفوا أنفسنا الحرة الباحثة عن السعادة عبء الوحدة..

كلنا نمر بتلك اللحظات التي نتمنى فيها لو أن أمورا كثيرة لم تحدث، لو أن أشخاصا كثيرين لم يخذلونا، لو أن الزمن توقف في مكان ما فما عدنا نعي ذلك الألم ولا تلك الصدمات..

نعم كلنا نتمنى لو أننا منذ الدمعة الأولى ومنذ جرحهم الأول ومنذ رحيلهم الأول، لم نترك لهم فرصة جعل جريمتهم مكتملة الأركان، ولو أننا استبدلناهم جميعا بدمى خشبية ك " بينوكيو " !

 

د. فرح الخاصكي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4669 المصادف: 2019-06-18 03:09:42