 أقلام حرة

عزت قرني في ذمة الله

مجدي ابراهيمرحل عصر اليوم (الإثنين الموافق 17 يونيو 2019) عن دنيانا رجلٌ من الرجال القلائل للفلسفة والتفكير هو الدكتور عزت قرني أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب ومقرر لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة إثر حادث أليم عن عمر يناهز التاسع والسبعين.

ولا شك أن خسارة الدوائر الفلسفية لرجل في مثل قامة هذا الرجل وقيمته لهو مصاب جلل وحزن مقيم، وبخاصّة إذا كنا نفتقد بفقدان هؤلاء الفلاسفة الكبار نماذج تتجسد فيها قيم الأصالة الفلسفية على التحقيق، وعلى العكس ممّا نرى ونشهده اليوم من تدني المستوى الثقافي والعلمي إن في مجالات التخصص الدقيق، وإن في ميادين الثقافة الفلسفية على التعميم.

إنّ الثقافة الفلسفية تتأسس على الوعي، وتحيطه بالمعرفة الفاعلة في سبيل التقدّم، ولا تتأسس على الدعوى العريضة تقوم في الناس بغير دليل.

كان الدكتور عزت قرني رحمه الله واحداً من المجتهدين المخلصين للبحث الفلسفي وللنشاط الثقافي، يقدّم الفلسفة؛ ليستخرج منها المفاهيم الثقافية، تتأسس عليها منظومة الثقافة العليا، وتقود المجتمعات التي تؤمن بالعقلانية ولا تهضم لها حقاً من الحقوق، ولا تهمّش لها دوراً من الأدوار.

وقد ولد الدكتور عزت قرني بمحافظة الجيزة في الخامس عشر من يناير لسنة 1940، وتخرّج في كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1960م، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة اليونانية من جامعة السوربون عام 1972م، ونظراً لنشاطه الثقافي واسهاماته الفلسفية، حصل على العديد من الجوائز والأوسمة من مصر والعالم العربي. وأثرى المكتبة العربية والفلسفية بعديد المصنفات القيمة والترجمات الدقيقة منها على سبيل المثال لا الحصر :

الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، والعدالة والحرية في فجر النهضة العربية، ومستقبل الفلسفة في مصر، وترجم محاورات أفلاطون وقدّم لها، والفكر المصري الحديث، وغيرها من المؤلفات التي تشهد بقيمته العلمية ووطنيته المخلصة في ظل إيمان صادق بالدور الفلسفي للنهوض بالمجتمعات العربية على التعميم، والمصرية بوجه خاص.

لم يكن عزت قرني - طيّب الله ثراه -  ممّن يعزلون التفكير الفلسفي عن واقعات الحياة ولا كان من أولئك الذين لا يجعلون للفلسفة قيمة فاعلة ولا دوراً متجدداً في حياتهم أو في مجتمعاتهم ولكنه على العكس من ذاك تماماً : آمن بدور الفلسفة كونه العامل الأساس لإشعال فتيل العقل والمعرفة للنهوض بمستوى الفرد أو بمستوى المجموع، واستطاع أن يقدّم رؤية فلسفية لا تقل جديّة عن الرؤى الفاعلة التي تقدّمت في السابق ممّا هو مطروح من قضايا وأفكار، الأمر الذي يجعل منها في الواقع ليست مجرد تحليقات نظرية في سماء المجرّدات أو مُجرّد ممارسات كلاميّة لا تجدي نفعاً، ولكنها فاعلية تطبيقية ترقي بمستوى المعرفة وطريقة التفكير، وتضبط نظم التعليم في إطار القيم العليا، وتتوجه إلى الوعي الإنساني لتصقله بالنقد أو بالتغيير، وترفع من مستوى أنشطه الإنسان الثقافية والمعرفية في ظل مبادئ سامية يعتنقها الضمير ويدين لها بالولاء، ويسير على هداها بقناعة واعتقاد.

ولم تكن نظرته الفلسفية بالضيقة المتحجّرة المقصورة على الدراسات السطحية الخاوية من دلالات الحركة والتطبيق القاحلة من معارف العقل الموجه نحو التغيير ولكنها أنجزت رؤيتها الخاصة باتجاه النظر إلى مكانة الفلسفة بين العلوم التطبيقية الحيوية.

فالفيلسوف في الواقع هو من الواقع ولا يزيد، لكن فكره موصول بمنظومة القيم العليا.

وهذه القيم لا مكان لها في الحقيقة إلا أن يكون مكانها مرهوناً بالحركة الفاعلة في دنيا التطبيق، ولا معنى للفلسفة أصلاً إلا أن يكون المبدأ النظري مثالاً تتحرك التطبيقات في إطاره، يفيد الواقعات العملية التي تجري على هداه، وتكون من ثمّ رؤية الفيلسوف مختلفة عن رؤية غيره؛ لأنه إذ ذاك يرى ما لا يراه الآخرون: يبصر أخطاءهم فينقدها، ويقف على علّة تخلفهم فيقوضها، ولا يزال وراء الطاقة المعرفيّة العاملة إلى أن ينهض بالفرد، ليتقدّم بنهضته المجموع.

وهو إذ يصيب المبدأ النظري ببصيرته الواعية، يتحقق من صحته ثم يدعو إلى تطبيقه في إطار القناعات المعرفية التي كان قد توصّل إليها. ومن هنا كانت أهمية الرؤية الفلسفية التي يقدّمها القادرون عليها، ويفتقر إليها العاجزون عن التطبيق، المفلسون من تمثُّل حركة القيم العليا.

ولا ريب كانت أنجح المحاولات لتلك الرؤية هى المحاولة التي تنبع من داخل المجتمع، من داخل خصائصه، ومن الأصل الاصيل الذي تقوم عليه ثقافة هذا المجتمع أو ذاك، إذ كانت لكل مجتمع خصوصيته الثقافية التي تحكمه وتحكم معتقداته.

وخصوصية هذه الثقافة تفرض من الوهلة الأولى أطرها الفلسفية وبينها التصورية، ولا تقوم بحال تلك الأطر ولا تلك البنية خارجها إلا إذا فرضنا أن يكون "الترقيع" سمة لازمة لتلك الرؤية، وهو بلا شك ترقيع منبوذ ملفوظ، ميئوس منه آخر الأمر لا يقدّم ولا يؤخّر، وفي تلك الحالة لا تصبح رؤية فلسفية بل دعوى عريضة لا يقوم عليها من واقعنا العربي دليل.

فالرؤية الفلسفية تصدر حين تصدر من خصوصية الثقافة العربية الإسلامية، وكذلك التوجُّهات النقدية التي ترافقها وتلزم عنها، ليس يمكن أن يكون لها أثرها الفاعل بالمباشرة إلا في ضوء تلك الخصوصيّة وفي إطارها؛ فالنقد الداخلي لقيم الثقافة العربية هو ذاته فلسفة، ولا يحسنه إلا فيلسوف، وهو أولى وأهم من نقدها من الخارج، لأن الناقد إذ ذاك يكون أعرف بروح تلك الثقافة وخصوصيتها الفلسفية، وليس شرطاً أن تكون تلك الرؤية مستورة من الخارج لتكون فاعلة، ولكن شرطها الأهم هو الإحاطة بكل ما في الداخل من خصائص وسمات.

ولعلّ تلك الرؤية الخاصّة بالمجتمعات الإسلامية هى التي تبناها الدكتور عزت قرني في منجزه الفكري باتجاه النظر إلى عموم منجزات الحضارة الإسلامية : نقدها، ونقد ما ينحرف عن أصولها التأسيسية، إذ يسفر هذا النقد عن بيان أوجه القصور كاشفاً برؤيته عن أهمية تلك الأصول وعن ضرورتها كذلك في كل مشروع نهضوي ناجح، إن في البعد أو في القرب، ممّا يلامس خصائصها وأشراطها ويقارب منطلقاتها التأصيلية؛  فالذي يقترب من الأساس الصحيح والمبدأ الأسمى، فمعيار تقدّمه مرهون بهذا الاقتراب، والذي يبتعد عن بؤرة الحركة في ظله، فتخلفه ونكوصه وترديه أولى بالنقد وأدعى بالتنقية والتصفية ممّا لحق به على طول الزمن المديد.

في إطار المبدأ العقدي تسمو الحركة النقدية ولا تسمو في إطار الادعاء، وتستظل الرؤية الفلسفية بخصائصها المعرفية لا شك في هذا الإطار لا في إطار غيره

ولا تستظل بالترقيع الذي يأتينا من خارج بثقافات ليست هى ثقافتنا ولا هى بالتي تصلح لمجتمعاتنا، ولا نجني من ورائها ثمرة مرضيّة غير ثمرة التمزّق والخلاف.

رحم الله الدكتور عزت قرني وجزاه خيراً كل الجزاء على ما قدم لأمته من عطاء نافع. وإذا كانت الفلسفة في عالمنا العربي قليلة الجدوى، أو هكذا يراد لها، فإن الفيلسوف، بقيمة ومعارفه، لا يزال فيها مطلوباً غير طالب، ولا تزال منارة التفكير يحملها ذلك الرجل البصير الناقد لنفسه أولاً، والعارف لعيوبه وعيوب الأمة التي يدين لها بالولاء، فوخزاته اللاذعة لها، تنطلق عازفة على قيثارة من نار من أجل الإصلاح والتغيير.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4669 المصادف: 2019-06-18 03:38:16