 أقلام حرة

تشيخوف في رأيّ نابوكوف

ضياء نافعولد نابوكوف (مؤلف رواية لوليتا الشهيرة) في روسيا عام (1899)، اي قبل (5) سنوات من وفاة تشيخوف (1904)، وترك روسيا عام 1919 (بعد رفضه لثورة اكتوبر1917)، ولم يرجع الى روسيا بعدئذ ابدا، اذ عاش في المانيا وفرنسا اولا، ثم سافر بعد ذلك الى امريكا واصبح مواطنا امريكيّا (انظر مقالتنا بعنوان نابوكوف بين روسيا وامريكا)، ثم عاش اواخر حياته في سويسرا وتوفي فيها عام (1977) ودفن هناك عن عمر يناهز الثامنة والسبعين، بعيدا عن وطنه الام روسيا.

نابوكوف متعدد المواهب والاختصاصات والمهن، ومن بينها (وليس ابرزها !)، انه كان استاذا متألقا في الجامعات الامريكية على مدى سنوات طويلة، و ألقى هناك محاضرات شيّقة جدا ومتميّزة وذات نظرة مبتكرة وابداعية وعميقة عن تاريخ الادب الروسي وتوقف فيها عند ابرز أعلامه، و قد تم نشر تلك المحاضرات بعد موته (انظر مقالتنا بعنوان – محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي)، ونجد في تلك المحاضرات آراء نابوكوف حول كبار الادباء الروس، ومنهم طبعا تشيخوف، ونود في مقالتنا هذه ان نتحدث للقراء قليلا عن بعض تلك الآراء التي كتبها نابوكوف بشأن وجهة نظره حول تشيخوف وابداعه، اذ ان تلك الكتابات كانت ولا تزال تمتلك قيمتها واهميتها في تاريخ الادب (والنقد الادبي) الروسي اولا، و ثانيا، لأن تشيخوف يعدّ بالنسبة للقارئ العربي واحدا من أقرب الادباء الروس اليه، وبالتالي،فان الاطلاع على رأي كاتب روسي كبير مثل نابوكوف حول تشيخوف سيكون – بلا شك - مفيدا وممتعا له في نفس الوقت. ولا يمكن طبعا لهذه السطور ان تتناول كل تلك الافكار الجميلة والعميقة عن تشيخوف، التي جاءت في كتابات نابوكوف حوله، ولكننا نحاول ان نتوقف عند بعض (وأؤكد هنا على كلمة بعض) تلك النقاط المتميّزة ليس الا، والتي نرى انها لازالت غير واضحة تماما للقارئ العربي بشكل عام لحد الان، وربما حتى لبعض الباحثين العرب ايضا، الذين يتحدثون عن تشيخوف حسب مفاهيم محددة سلفا، دون الاخذ بنظر الاعتبار كل الاحداث الهائلة التي حصلت ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

توقف نابوكوف في بداية محاضراته عن تشيخوف عند سيرة حياته بشكل وجيز جدا، واستطاع بموهبته ان يلتقط من تلك الحياة مواقف ولحظات (ان جاز التعبير) مثيرة للمتلقي الامريكي، اذ انه بدأ محاضرته – مثلا - بجملة (كان جده قنّا ...واشترى حريته وحرية عائلته من العبودية بمبلغ من الروبلات قدره 3500 ...)، وهذه الجملة بحد ذاتها تثير كثيرا من التساؤلات حول تاريخ روسيا ومسيرتها، اذ انها تعني ان (القنّ او العبد) فيها كان يمكن له ان (يشتري!) حريته وفق القانون الرسمي، الذي صدر في روسيا القيصرية آنذاك عام 1860، وكان يعني ايضا كيف يمكن لحفيد هذا العبد ان يصبح طبيبا بعد تخرجه في جامعة موسكو، ثم يصبح بعدئذ اديبا عالميا بمستوى تشيخوف واهميته بالنسبة لروسيا وبالنسبة للعالم، ويتوقف نابوكوف بعد تلك الجملة القصيرة و (الكبيرة المعنى!) عند والد تشيخوف، ويقول عنه ايضا بايجاز دقيق وحاسم – (انه صاحب دكان صغير، وافلس ..واضطر الى الرحيل مع عائلته الى موسكو)، ويعقبها رأسا بجملة – (.. ويبقى الصبي تشيخوف وحيدا في مدينة تاغنروغ كي ينهي المدرسة ... واضطر ان يكسب قوته بنفسه...). ان هذه الجملة المركبة عن الجد والابن والحفيد ومسيرتهم ومصيرهم في روسيا آنذاك قد رسمت للمتلقي الامريكي عندها (ولكل القراء الآن طبعا) صورة قلمية واقعية ودقيقة ومحددة - لا تقبل الشك ابدا – عن الوضع العام في روسيا، التي تركها نابوكوف بسبب الاحداث الهائلة التي وقعت فيها واضطرته ان يتحول الى لاجئ – ليس الا - يعيش و يعمل خارج وطنه ثم يموت بعيدا عن وطنه ايضا، رغم انه يحمل هذا الوطن في اعماق عقله وقلبه و روحه، مثل كل اللاجئين (وما أكثرهم مع الاسف، وكدت أقول وما أكثرنا) في كل زمان ومكان في عالمنا الصاخب المضطرب هذا...

يتناول نابوكوف بشكل وجيز ايضا مسألة مهمة جدا في مسيرة تشيخوف وهي قضية موقفه السياسي، وهذه مسألة أثارها الكثير من الباحثين حول تشيخوف، وانطلقوا من مفاهيم مختلفة بشأنها، ولا مجال هنا طبعا للتوقف عند تلك الآراء . لقد حدد نابوكوف بجملة بسيطة موقف تشيخوف السياسي، وكتب يقول – (...لم يمارس تشيخوف النشاط السياسي ابدا...ولم ينتم الى اي حزب سياسي...). ويوضح نابوكوف موقف تشيخوف هذا - (... لكنه كان يعتبر العدالة اهم شئ، ولهذا رفع صوته ضد اللاعدالة.. باعتباره فنّانا).

يعرض نابوكوف في محاضراته تلك وقائع تفصيلية شبه مجهولة من حياة تشيخوف، وكيف انه بنى اربع مدارس، وكيف ساهم في بناء مستشفى ومكتبات عامة وقاعات ومسرح، وكيف كان يعالج الفلاحين المرضى مجانا ويوفر لهم الدواء وحتى السكن ...

وتناول نابوكوف في محاضراته طبعا نتاجات تشيخوف الادبية من قصص ومسرحيات، ولا مجال هنا للحديث عن ذلك، ولكننا – ختاما – نود ان نشير فقط الى اعجاب نابوكوف المتناهي والشديد والكبير بقصة (السيدة ذات الكلب الصغير)، والتي اعتبرها واحدة من أروع القصص ليس في الادب الروسي وحسب، وانما في الادب العالمي ايضا...  

محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي – بشكل عام - تنتظر مترجمها العربي، وتنتظر طبعا دراسات وبحوث العرب حولها.

 

أ.د. ضياء نافع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4676 المصادف: 2019-06-25 01:50:57