 أقلام حرة

وخزاتٌ لابدّ منها

جواد غلومأعتدتُ بين فترة وأخرى ان أتصفح حسابي في موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" واطّلع على نشاطات أصدقائي وما يكتبونه لبعضهم البعض وأقرا التعليقات والرسائل الجديدة عندما أنهك من قراءة كتاب ما؛ وربما أحاور وأمارس الدردشة مع من أحبّهم كلما أمكن ذلك .

ومن محاسن الصدف أنني لقيت احد أصدقائي الذي لم أره منذ أكثر من ثلاثين سنة وسألته بين ثنايا الحديث عن وضعه الأسَري وأولاده وحياته الاجتماعية ..و.. واتضح لي من خلال اجابته انه مازال اعزب ولم يتغير شيء عن وضعه الاجتماعي فلا أسْرة ولا أولاد ولا مسؤوليات عائلية .

مذ عرفت هذا الرجل في سنيّ السبعينات والثمانينات من القرن الفائت كان صديقي العتيد عنيدا وباحثا عن الكمال في اختيار بنت الحلال وكذا اختيار معظم أصدقائه والمقرّبين اليه بعناية شديدة الى حدّ لايطاق . وقلما يتنازل او يتهاون عن بعض الهفوات التي غالبا ما تنتاب البشر ؛ وكم كان يعاني من نزق زملائه والمحيطين به والذين تظهر عليهم بين الفينة والفينة بعض الهنّات والأخطاء سواء عن قصد او غير قصد لكنه كان صعب الاقناع ومن العسير ترويض نفسه لتقبّل الخطأ ويتخذ مواقف في غاية التطرّف من اقرب المقربين له لمجرد حدوث هفوة صغيرة كالتأخّـر عن لقاء او موعد او نسيان طلبٍ ما .

ومن الغريب ان صاحبي هذا ظلّ على طبعه ولم يحاول تغيير حاله طوال السنوات التي عاشها مغتربا عن بلاده ؛ وأعجب كيف لا يفهم البعض ان الإنسان بطبعه يخطئ ويصيب ، يرضى ويغضب ، يفرح ويحزن !! . وهذه كلها تنعكس على سلوكه ؛ والكمال ما هو إلاّ حالة مثالية على الأرض ؛ فلنحتمل وخزات الأشواك المحيطة بالزهور الجميلة ولْنطِق زلاّتِ اصدقائنا مهما أزعجتنا وأغضبتنا ولنكن مثلما قال شاعرنا العربي :

اذا انـت في كـلّ الامـور معاتــبا ........ صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ

فعـشْ واحدا او صلْ أخـاك فإنـهُ..........مقـارف ذنبٍ مرةً ومُــجانبــهْ

ومن ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلها........كفى المرء نبلاً ان تعدّ معايبُـه

ففي عالم النبات تخرج اجمل الزهور وأعطرها من نبات الصبّار الشائك ، ومن قحط الصحراء وجفافها ويباسها تطلع أكثر الورود البريّة سحرا وعطراً فلا شيء كامل سواء في طباعنا نحن البشر وحتى في طباع الكائنات الحيّة التي تعيش معنا وتشاركنا حياتنا كالحيوانات والنباتات ؛ ولعمري ان في ذلك لعبرة لبني الإنسان كي يتحمل صعاب الحياة وصولا الى متع الدنيا ، فاللّذة وليدة الألم ولا يحلو الوصول الى الأهداف السامية إلاّ اذا رافقتها المتاعب وهزّتها المطبّات والعثرات الجسام المليئة في طرق الحياة التي نسلكها سواء كانت وعرة ام معبّدة سالكة .

ومن أعاجيب عالم الحيوان وأطرفها ؛ لفتت نظري الغرابة التي تعيشها "القنافذ" تلك الحيوانات المكسوّة بالإبر الواخزة المؤذية جدا فهي لا تقترب من بعضها البعض في غالب الاوقات خوفاً من الوخز الّا في ليالي الشتاء القارصة طلبا للدفء وبذلك تتلقى وخزات بعضها البعض من اجل ان تستشعر الحرارة والدفء فيما لو تقاربت سويةً؛ فالتقارب وان كان موجعا افضل بكثير من الموت بردا وهي بعيدة عن أصحابها وشلّتها وبني جلدتها، وحالما يعمّها الدفء ويغلّف أجسامها؛ تنفرد بعيدا هربا من لسعات الوخز وهكذا يستمر حالها بين تقارب وتباعد وفقا لبرودة الجو والشعور بالحرارة .

هكذا هو وضعُنا في علاقاتنا البشرية فلا يخلو احدنا من أشواك تُدمينا اذا اقتربنا منها لكننا نقترب من بعضنا البعض طلبا لتواصل العلاقات الانسانية ودفئها ونقول لمن اراد صديقا بلا عيوب وزوجة كاملة الخلْق والخُلُق فليهرب من هذه الحياة وليبحث في زوايا المستحيلات الثلاث ويبقَ وحيدا فردا بلا صحبة او انيس ويعشْ طول حياته اعزب بلا رفيقة عمر مثل حال صديقي المسكين الذي اضاع عمره الطويل باحثا عن الكمال بين ظهرانينا فلم يجدْه . فلنصبر على وخزات الآخرين ولا نمعن النظر بكل شيء ولانحلل كل شيء فوق مايستحق وما الانجم الزاهرات التي ترصّع السماء بهاءً وجمالا وأضواءً إلاّ صخور وترابٌ وأحجار .

 

جواد غلوم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4691 المصادف: 2019-07-10 04:01:25