 أقلام حرة

عبد الكريم قاسم وحكّام الخضراء.. مقاربة اخلاقية

قاسم حسين صالحفي سيكولوجيا الشخصية.. يشعر الأنسان بالنقص حين يكون الآخر افضل منه في صفة أو اكثر.. وتشتد حدّة هذا النقص حين يكون هذا الانسان شخصية عامة. ولقد تابعت حكومات ما بعد التغيير (2003) فلم اجد رئيس حكومة او رئيس حزب او كتلة يذكر عبد الكريم قاسم بخير، بل أن حكّام الخضراء لم يحيوا ذكرى استشهاد عبد الكريم قاسم في انقلاب شباط 1963 الدموي وكأن ذلك اليوم كان عاديا لم يقتل فيه آلاف العراقيين، ولم يحشر فيه المناضلون بقطار الموت، ولم يسجن فيه مئات الآلاف. والمفارقة أن الطائفيين يحيون ذكرى مناسبات تستمر (180) يوما ولا يحيون ذكرى يوما واحدا استشهد فيه قائد من اجل شعبه.. فلماذا؟!

ان اي عراقي غير طائفي سيجيبك بسطر يغني عن مقال:(لأن نزاهته وسمو اخلاقه وخدمته لشعبه.. تفضح فسادهم وانحطاط اخلاقهم وما سببوه للناس من بؤس وفواجع).

نعم. قد نختلف بخصوص عبد الكريم قاسم كونه عقلية عسكرية يعوزه النضج السياسي، ولك ان تدين شنّه الحرب على الكورد عام (61)، واستئثاره بالسلطة، ومعاداته لقوى عروبية وتقدمية، واصطناعه حزبا شيوعيا بديلا للحزب الشيوعي العراقي الذي عاداه رغم انه ناصره حتى في يوم الانقلاب عليه (8 شباط 1963). ولك ان تحمّله ايضا مأساة ما حصل لأفراد العائلة المالكة، وتصف حركته بأنها كانت انقلابا وضعت العراق على سكة الأنقلابات. ولك ايضا أن تتغاضى عن انصافه الفقراء واطلاقه سراح المسجونين السياسيين وعودة المنفيين وفي مقدمتهم الملا مصطفى البرزاني الذي استقبله اهل البصرة بالأهازيج.. ولكن، حتى أبغض اعدائه، لا يمكنهم أن يتهموا الرجل بالفساد والمحاصصة والطائفية والمحسوبية والمنسوبية.. وتردي الأخلاق، مع أن قادة النظام الحالي رجال دين، وان رسالة النبي محمد كانت اخلاقية بالدرجة الاساسية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

والحقيقة التي تسكن اعماق قلوب حكّام الخضراء أنهم يكرهون عبد الكريم قاسم، لأنه يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته. فالرجل كان يعيش براتبه ولا يملك رصيدا في البنك، ولهذا لم يجرؤ في زمانه وزير او وكيله او مدير عام على اختلاس او قبول رشوة او التحايل على مقاولة. وما كان اهله او اقرباؤه يحظون بامتيازات، فشقيقه الأصغر كان نائب ضابط في الجيش العراقي، وبقي بتلك الرتبة طيلة مدة حكم أخيه عبد الكريم قاسم. وما كان للرجل قصر او بيت لرئيس الجمهورية، بل كان ينام على سرير عادي بغرفة في وزارة الدفاع. ولقد منحه العراقيون لقب(ابو الفقراء).. لأنه بنى مدينة الثورة لساكني الصرائف في منطقة الشاكرية، ومدنا اخرى في البصرة واكثر من 400 مدينة جديدة وعشرات المشاريع الاروائية.

ولهذا فهم يخشون احياء ذكراه لأن الناس ستعقد مقارنة بين ما صنعه من اعمار وبين ما صنعوه من دمار، وأخرى تخزيهم!. فمعظم الذين جاءوا بعد التغيير كانوا لا يملكون ثمن تذكرة الطائرة، وصاروا يسكنون الآن في قصور مرفهة ويتقاضون رواتب خيالية، وعزلوا انفسهم لوجستيا بمنطقة مساحتها (10) كم مربع محاطة بالكونكريت وبنقاط حراسة مشددة سرقت احلام العراقيين وجلبت لهم الفواجــع اليوميــة، وأوصلتهم الى اقسى حالات الجزع والأسى.. ولهذا فهم ينؤون عنه.. لأن المقارنة ستفضي بالناس الى احتقارهم.

وحكّام الخضراء فعلوا من القبائح ما يجعلهم صغارا امام فضائل عبد الكريم قاسم.. اقبحها أن الفساد في زمنه كان عارا فيما صيّره الطائفيون شطارة، واصبح العراق في زمنهم افسد دولة في المنطقة، حتى بلغ المنهوب من قبل وزراء ومسوؤلين كبار ما يعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة!، وراحوا ينعمون بها في عواصم العالم دون مساءلة. وصار رئيس الجمهورية ورئيس الوزرارء والوزراء يعينون ابناءهم وبناتهم مستشارين لديهم.. لا ليقدموا خبرة هم اصلا لا يمتلكونها، بل ليحصل من هو في العشرين من عمره على راتب يعادل اضعاف راتب استاذ جامعي.. دكتور وبروفيسور.. بلغ الستين!، فيما كان عبد الكريم قاسم يعتمد معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ومبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في اغلب اختياراته.. مثال ذلك:ابراهيم كبة (اقتصاد)، محمد حديد (مالية) فيصل السامر(ارشاد) هديب الحاج حمود (زراعة) ناجي طالب (شؤون اجتماعية).. نزيهة الدليمي(بلديات).. وهي اول وزيرة في تاريخ العراق. واختياره عقلا اكاديميا عبقريا درس على يد آينشتاين لرئاسة جامعة بغداد التي تاسست في زمنه.. الصابئي المندائي الدكتور عبد الجبار عبد الله، برغم معارضة كثيرين، فيما اعتمد الطائفيون مبدأ الانتماء الى الحزب والطائفة في المواقع المهمة بالدولة وان كان لا يمتلك كفاءة ولا خبرة ولا نزاهة.

وكان العراق في زمانه.. دولة، فيما صار بزمن سادة الخضراء دويلات، بل ان كل وزارة في الحكومة هي دويلة لهذا المكون السياسي او ذاك. وكان عبد الكريم محبّا للعراق ومنتميا له فقط، ولهذا كانت المواطنة، بوصفها قيمة اخلاقية، شائعة في زمنه بين العراقيين، فيما انهارت بزمن الطائفيين، وصار الناس يعلون الانتماء الى الطائفة والقومية والعشيرة على الانتماء للوطن.. وتلك اهم وأخطر قيمة اخلاقية خسرها العراقيون.. ولهذا فان الطائفيين يكرهون عبد الكريم قاسم، لأن احياء ذكراه توحّد الناس ضدهم.

وتبقى حقيقة.. أن عبد الكريم قاسم برغم مرور نصف قرن ونيف فانه باق في قلوب العراقيين الذين نسجوا عنه الاساطير، فيما حكّام الخضراء سوف لن يبقى لهم ذكر، واغلب الظن ان العراقيين سيلعنون معظمهم بعد مماتهم.

 

ا. د. قاسم حسين صالح

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شتان بي الذكريين ، بين ذكرى الشهيد عبد الكريم قاسم، وذكرى كل حكام العراق منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى يومنا هذا ، ستبقى الأجيال تمجد عبد الكريم قاسم بكونه أنزه وانظف من حكم العراق وقدم للشعب العراقي خدمات جلى رغم كل اخطائه في أسلوب التعامل مع القوى السياسية آنذاك ، وستلعن الأجيال حكام ما بعد الغزو الذين جاء بهم المحتل الأمريكي واصفة إياهم بأبشع الاوصاف جراء فسادهم الذي وضع العراق في قمة دول الفساد ، وسرقة المال العام تاركين الشعب العراقي ينهشه الجوع وملايين المهجرين في الخيام وملايين من المثقفين والكفاءات التي تركت العراق وهاجرت الى اوربا وامريكا . وبات العراق خراباً في عهدهم هذا المشؤوم.. تحية وتقدير للصديق العزيز الدكتور قاسم حسين صالح.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ المحترم الاستاذ قاسم حسين صالح

حيّاك الله وبارك عليك
استاذنا العزيز لقد ذكرتَ في مقالتكَ وبروح العراقي الاصيل مقارنةً بين
نزاهة الزعيم عبد الكريم ورجال الحكم بعد عام 2003 وقارنت بينهما
فأصبتَ كبدَ الحقيقة لكني أرى أن يوم 14 تموز هو نكبة العراقيين التي
خفيتْ عليهم فإذا اخذنا بالمقارنة بين العهد القاسمي والعهد الملكي لوقفنا
على حقيقة أن العهد الملكي كان متميزًا على كل العهود ففي العهد الملكي
كان العراق يصدر الحبوب وهي الفائض من زراعته الى العالم وأن العهد
الملكي كان يوزع الاراضي على كل شخص يرغب في استغلالها زراعيّا
وفي العهد الملكي كانت وزراة الاعمار والاشغال تبني مساكنًا وتوزعها
على محدودي الدخل وفي العهد الملكي كانت توزع الى المدارس بدلات
شتويه وصيفيه للطلبة الضعاف الحال مع وجبات غذائية صباحية لكل المدارس
في العراق وحتى مدارس الريف وفي العهد الملكي كانت الجمعيات
ومنها جمعية المعلمين تستورد حاجاتها وكل متطلبات المنزل الى المعلمين
وتباع لهم بأسعر مخفضة وبالتقسيط وأخيرًا لو قارنا رئيس الوزراء
الباشا نوري السعيد في نزاهته لوجدناهُ لا يقل عن نزاهة الزعيم واخلاصه
وللحقيقة ان غلط الباشا في محاربة الشيوعيين واعدمه لزعيمهم فهد هو
الذي جلب عليه النقمة واما عن الزعيم وتوزيع الاراضي للفقراء ومدينة
الثورة فهؤلاء الفقراء هم افراز الاصلاح الزراعي الفاشل والكلام طويل

احترامي وتقديري مع أطيب التمنيات .

الحاج عطا

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4691 المصادف: 2019-07-10 04:12:29