 أقلام حرة

أشكرك يا صديقي المسلم، لقد صالحتني مع المسيح!

سليم مطرلقد عشت هذه الحكاية منذ سنوات عديدة عندما كان ابني (باسم) في المدرسة الابتدائية. كنا نسكن في حارة (SERVETTE) الشعبية في وسط (جنيف) السويسرية. وكنت يوميا اصطحبه الى المدرسة بسبب خطورة الشوارع. هناك تعرفت على (شارل) وهو اب لتلميذة في صف ابني. (شارل) رجل سويسري اشقر، طويل مثلي، وضخم، فيبدو كأنه محارب فيكنغ، لكنه عندما يتحدث يتكشف عن طيبة ورقّة.  منذ اول لقاء صرح لي بأنه ينتمي الى واحدة من تلك الطوائف الانجيلية الامريكية العديدة التي تجتاح اوربا والعالم، بعد ان هجر كنيسته الكاثوليكية. مع اللقاءات راح يطلعني على مطبوعاتهم محاولا بصورة مؤدبة كسبي. وانا كعادتي كان موقفي هو الفضول المعرفي وطرحي عليه الاسئلة الكثيرة. وكنت الاحظ ثمة عرج في قدمه اليسرى. وعندما سألته إندهشت من شرحه للسبب:

ـ انه الشيطان يا صديقي.. الشيطان يبث سمومه..

ـ كيف؟!!

ـ انت تعلم ان المسيح يكره العقاب، لكنه في طائفتنا يكلف الشيطان ليعاقب المخطئين من امثالي... نعم انا استحق ذلك لاكفر عن خطاياي..

لم اسأله عن ماهية خطاياه، لكني ابديت له استغرابي بأن طائفته لا تستطيع ان تساعده على التخلص من الشيطان، فاجابني:

ـ بالعكس، ان طائفتنا تشجع الشيطان على معاقبتنا، كي نتطهر في دنيانا من خطايانا، ونستحق دخول الجنة بعد الموت..

هكذا استمرت علاقتنا لطيفة في حوارات صداقية وكنت ابدي له اعتراضاتي بشكل خفيف دون الحاح. وقد تزاورنا عائليا وتعرفنا، انا وزوجتي (ماركريت -  أم باسم) وهي سويسرية، على زوجته (مادلين) وهي برتغالية.

مع الايام والاسابيع كان مرض (شارل) يتفاقم وانتقل أيضا الى رجله اليمنى . واستمر هو بتقديم الشكر للمسيح على تكليفه للشيطان بتطهيره بهذا العقاب!

*    *   *

ذات يوم بعد ان اوصلت ابني الى مدرسته، اخذت طريقي صعودا في الحديقة العامة الكبيرة. كنت متعبا في حالة غضب وهيجان بسبب بعض المتاعب في عملي. إذا بي اشاهد (شارل) هذه المرة بالكاد يستطيع السير متكئأ على عكازة وهو يسحب رجليه شبه المشلولتين! اتجهت اليه مندهشا، وقبل ان أسأله قال بصوت ضعيف ووجه منكسر:

ـ كما ترى يا سليم، انا استحق.. انا استحق.. المسيح يريد تطهيري من ذنوبي..

وإذا بي وكما يحصل لي في كثير من الاحيان عندما أكون متعبا وغاضبا، فقدت صوابي وانفجرت وارتميت عليه ومسكته من كتفيه بقوة ورحت اهزّه بعنف وانا اصرخ بجنون:

ـ اللعنة عليك وعلى طائفتك الشيطانية.. كن رجلا وارفض الخنوع لهؤلاء الدجالين. المسيح نبي المحبة.. المسيح نبي الغفران، فكيف تعقل انه يتحالف مع الشيطان.. كفى كفى لهذا الخنوع والمذلّه. فوق مالك يستلبون منك صحتك وكرامتك..  كن رجلا وتمرد ضد الشيطان وطائفة الشيطان.. تحرر واحبب نفسك لتستعيد صحتك.. هل فهمت!!

طبعا المسكين قد تفاجأ بردة فعلي هذه، واتخذ وجهه ملامح طفل مرتعب وهو يطلق حشرجات مخنوقة.

نفضت عنه يديّ وتركته، لأكمل مسيرتي وانا مستمر اصرخ بالشتائم ضد هذا العالم الذي يسيطر عليه الدجالون والمستغلون ويخنع له الضعفاء المساكين..

وكعادتي ايضا، بعد اقل من نصف ساعة هدأت وشعرت بالاسف والاثم لانه قسوت عليه. فعدت الى الحديقة ابحث عنه كي اعتذر منه وآخذ بخاطره، لكني لم اجده. لم اتجرأ الذهاب الى بيته خجلا منه ومن زوجته التي توقعت ان تكون غاضبة مني. في اليوم التالي كذلك لم التقيه. بعد يومين اخبرني (باسم) بان (ابنة شارل) قد تركت المدرسة وان المعلمة اخبرتهم ان عائلتها قد انتقلت الى مكان بعيد.

استغربت حصول هذا التغيير، ولكن لم يخطر ببالي ان له علاقة بالسلوك الذي بدر مني. مع الايام تناسيت الامر، ولكني بين حين وآخر كنت اتذكر (شارل) وأتسائل اين حل به الزمان، وهل فقد رجليه، او ربما قد قتله الشيطان ليطهره من خطاياه؟!

*    *    *

بعد مرور عام تقريبا، كنت اسير قرب المحطة، عندما سمعت صوتا اليفا يناديني بلهفة:

ـ سليم .. صديقي سليم..

وقبل ان اعرف من، اذا بشخص يرتمي عليّ محتضنا مقبلا.

أخيرا ها هو صديقي (شارل) امامي بقدمين صلبتين وهو يشع صحة وبهجة!؟

عندما جلسنا في المقهي حدثني بقصته العجيبة:

ـ لقد انقذت حياتي يا صديقي. لن انسى ابدا تلك الساعة التي واجهتني بالحقيقة التي كنت باشد الحاجة لان اسمعها، خصوصا من إنسان مثلك قلبه صادق وروحه تنطق بوجع الظلم. مباشرة عدت الى بيتي مفجوعا محطما، فوجدت زوجتي ورحت ابكي وانا اسرد عليها ما حصل، واكرر عليها كلماتك مرات ومرات لانها قد انحفرت عميقا في كياني.

كنت كالعادة اتوقع من (مادلين) ان تواسيني، لكنها هذه المرة قد صبّت الزيت على النار، إذ فوجئت بها هي الاخرى تعلن ثورتها عليّ  وتهددني قائلة:

ـ اسمع عزيزي (شارل)، ان صديقك (سليم) نطق بالكلام الصحيح، الذي كنت اكتمه في صدري ولا اتجرأ ان اصرح به احتراما لمشاعرك. ألآن اسمعني:

اما أن نهجر سويسرا ونغادر معا الى البرتغال، او اهجرك انا وآخذ ابنتي واعود الى بلادي. ليس امامك غير هذا الحل، كي تتخلص من طائفتك الشيطانية هذه، وتنقذ نفسك وعائلتنا.

وفعلا خلال يومين، جمعنا اغراضنا ورحلنا سوية الى قريتها في جبال البرتغال. هناك قامت زوجتي بجمع اقاربها واهل القرية في الكنيسة وبحضور الكاهن وسردت عليهم بالتفصيل حكايتي مع الشيطان. بعد المداولات اتفقوا جميعهم مع الكاهن على احاطتي بكل الرعاية اجل تنظيفي من كل  ما علق في روحي وبدني من عقيدة الشيطان، من خلال التراتيل والصلوات وبعض الطقوس والمياه المقدسة.

لقد لائمتني الحياة هناك بعيدا عن جنيف وصخب الحضارة وضغوطات الطائفة. ارتحت لطيبة الناس وللهواء العليل، ومشاركتهم في فلاحة مزارع العنب والفواكه. وفعلا بالتدريج أخذت آلام الرجلين تخف، وخلال بضعة اشهر اختفت تماما واستعدت صحتي واكثر من قبل. وها أنا كما تراني امامك، عدت شابا وأكثر..

قبل ان نفترق اخبرني بانه في زيارة قصيرة لبلاده سويسرا، لانه قد قرر هجرها تماما والاستقرار في قرية زوجته. اعطاني عنوانهم ودعانا انا وعائلتي لزيارتهم متى ما نشاء. وكانت آخر عبارة له وهو يحتضنني مودعا:

ـ اشكرك يا صديقي المسلم، لقد صالحتني مع المسيح..

 

سليم مطر ـ جنيف

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

"وقد تزاورنا عائليا وتعرفنا، انا وزوجتي (ماركريت - أم باسم) وهي سويسرية، على زوجته (مادلين) وهي برتغالية."
تحية و محبة و سلام
لولاهذه العبارة لكانت الرواية قريبة مما تريدنا مشكوراً ان نصدقها
مع لاعتذار فالرواية ركيكة و لا تتفق مع عنوانها
دمتم بتمام العافية انت و شارل
تقبل تقديري و احترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4693 المصادف: 2019-07-12 03:01:45