 أقلام حرة

إلى الوراء سر

المشهد معد لأسوأ الاحتمالات، ما بين النزوع المستمر إلى إعادة إنتاج نفس الصراعات إلى استكمال كل المقدمات لنظام سوبر شمولي إلى انهيار شبه عام في القدرة على الاختلاف والتفكير النقدي والمستقل .. من الحرب الأهلية اللبنانية التي قرأها مهدي عامل "كحرب ثورية" تشارك فيها الطبقة العاملة وحلفائها، أما سوريا وعلى الرغم من كل الفروق بين مواجهة السبعينيات والثمانينات وبين الحرب السورية الراهنة لكن الخلاف الوحيد تقريبا بين الحربين كان فقط في البدايات وفي حجم الدمار .. العشرية السوداء في الجزائر، الجهاد في الصعيد وسيناء، الحرب الطائفية العراقية على دفعات منذ 2003، مجزرة حماة، حلبجة، تهديم النجف وكربلاء ومقامات سامراء وحملة الأنفال، تل الزعتر والدامور، ثقافة المظلومية عند الجميع وغياب أية محاولة للفهم أو حتى للتأمل، لا تفسير سوى نظرية المؤامرة، العشرية السوداء وأسلمة الثورة السورية وصعود الجهاديين كلها من إنتاج مخابرات الأنظمة أما "نحن"، الأكثرية القومية والطائفية فهي التي تستهدفها المؤامرة والأقليات ليست إلا رأس حربة تلك المؤامرات .. حطمنا كل التابوهات أمام حل نهائي ينتظر صعود قوة محلية راغبة وقادرة على وضعه موضع التنفيذ، بل الجميع ينتظر ظهور مثل هذه القوة، كل شيء هنا كما وجد مع هتلر وحله النهائي : وصم "الآخر" بالانحطاط القيمي، اعتقاد راسخ بالتفوق "الأخلاقي" و"القيمي" على الآخر الطائفي والقومي المشرقي وأيضا على الأوروبي والغربي عموما، يأخذ هؤلاء مكان اليهودي الذي اتهمه هتلر بالانحطاط المادي والقيمي، إيمان لا يتزعزع بالقائد المخلص الذي سيعيد "الأمجاد الغابرة" وسط احتفاء عام بصدام وصلاح الدين، بالأمس فقط صفقنا لمن هتف بإبادة العلويين أما الجولاني والصدر والمحيسني ومحمد مرسي فهم ثوارنا، جيفاراتنا، ما الذي بقي ليحول بيننا إذن وبين غرف الغاز ؟ فقط عجزنا، لا شيء آخر .. يمكن اختصار أحوالنا بكلمة واحدة : فشل عام، فشل في كل الميادين : ثوراتنا، دولنا، اقتصادنا، أخلاقنا، أفكارنا، لا نجد اليوم إلا تكرار تافه بل أو أكثر من تافه وغاية في السذاجة لآخر منتجات الفكر الديني الغيبي بعد انحطاط الثقافة والحضارة العربية الإسلامية القروسطية نمارسه بكل جدية بل وننسب إليه، مستغلين قيم ليبرالية نعاديها بعمق، صفات وميزات إنسانية ما، فشل حتى في عنفنا الهمجي .. آخر ما لدينا (ما تبقى لنا بعبارات كنفاني) هو فقط إهلاسات محمد وتلامذته الأشد شمولية وانحطاطا وهوسا .. إن التخلف والانحطاط وداحس والغبراء هو ما نتمسك بهم بكل قوة أما نموذجنا المثال فهو إيران الملالي وبغداد ما بعد صدام وليبيا ما بعد القذافي الذي نسعى نحوهم جاهدين .. بين تقمص دور الضحية واستدرار شفقة أقوياء العالم من جهة وإنكار إنسانية خصومنا ورفض أية شفقة أو حقوق قد يستحقونها .. اعتقدت في وقت سابق أننا قادرون على ممارسة دور آخر البرابرة الذين يمكنهم بالفعل أن يقضوا على البشرية أو على الأقل على الحضارة الغربية، لكن يبدو أنني غاليت في ثقتي بنا وبالإسلاميين وحلفائهم الليبراليين المازوخيين كطليعة متوجة لبربريتنا .. من الواضح أننا أعجز من ذلك، حتى الآن على الأقل .. مقارنة صغيرة فقط تكفي لتبين عجزنا والفوارق الهائلة بيننا وبين قبائل الهون والمغول، وبين الصينيين المعاصرين مثلا أو حتى عصابات المافيا القادمة من البلقان وشرق أوروبا وجنوبها .. كل ما يمكننا فعله حتى الآن هو إعادة إنتاج معاركنا مع طواحين الهواء الطائفية والهوياتية والإعداد لحل نهائي على شاكلة حلبجة أو سنجار أو عفرين أو كنائس العريش أو إبادات جماعية محدودة في ظل غياب القدرة على حل نهائي حاسم ... لكن هذا لا يعني أننا فاشلون تماما: يمكن القول أننا نساعد العالم بالفعل على تجاوز أوهام الليبرالية التعيسة والإعداد لحروب جديدة ستسحق دون رحمة أعدادا لا حصر لها من الأغبياء الذين يؤمنون بساداتهم وقطعانهم وبإهلاسات أنبيائهم وقديسيهم 

 

مازن كم الماز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4693 المصادف: 2019-07-12 02:58:15