 أقلام حرة

قال وقال وأمة تُقال!!

صادق السامرائيعقل الأمة مكبّل بما "قال" فلان وذكر فلان، ولا يمكنها أن تتنفس هواء الحرية وتتفاعل بعقلها مع عصرها إن لم تحطم قيود "قال"!!

أمة تتحرك في أنفاق "قال"، ولا تستطيع الحركة في فضاءات شاسعة، وتدرك ضرورات صناعة الحياة وبناء المستقبل، وتحميل الأجيال رسالات إنسانية واعدة.

إنها أمة مخنوقة ومحرومة من أوكسجين الوجود المعاصر، وتريد أن تعيد عجلات الزمن إلى الوراء، وتعرقل دورانها مع الأرض، فكيف ستواكب وتتناغم مع حركة الكون الوثابة الرائدة المتجددة الولاّدة؟

إن التعتق في أوعية "قال" يتسبب بتخمر الأفكار وإكتسابها درجة عالية من السمّية والتأثير المسكر، الذي يصيب العقول والنفوس والأرواح بالغثيان الرهيب، فيجعلها تتطوح في شوارع أيّامها وتترنح على أرصفة الويلات، وهي مغيّبة الوعي ومنقطعة عن واقعها وفي شرود عن ذاتها وموضوعها، بل أن هذه الأفكار تحيلها إلى وحوش كاسرة وضواري سابغة ذات فظائع منكرة ومآثم مقرفة، وإلى مشاريع خطايا وويلات رهيبة.

فالذين يعيثون في الأرض فسادا ويسفكون دماء الأبرياء، إنما هم من المصابين بالإدمان على أفكار "قال"، والمنومين بتأثيراتها المخدرة التي جردتهم من أية صفة آدمية، وقتلت كل نفس طيبة في ربوع دنياهم، وأطلقت إرادة النفس الأمّارة بالسوء التي إستفحلت وإنكلبت وتسعّرت، فتحولوا إلى عقارب سيئات تنفث زعافها من حولها فتبيد الموجودات وهي ترفع رايات "قال".

ويبدو أن مشكلة الأديان كافة تتلخص بمعضلة "قال"، لأنها تنفي العقل وتمنع دوره، وترفض التطور والإجتهاد، وتمحق أبعاد الزمن، وكأن "قال" دستور كوني وقانون شرعي، وأن الذي "قال" ليس من البشر بصلة ولا كان في مكان وزمان ما، وما قاله ليس إبن الحالة التي كان فيها بجميع ظروفها المحيطية والذاتية وغيرها، وكأن الذي قال قد إنتهى عند قوله كل شيئ، وعُقمت الحياة والعقول من الإتيان بجديد بعد قوله الذي أسهم في صناعة المتحجرات الآدمية.

إن "قال"، تتنافى مع بديهيات الوجود والحياة، وتنفي الحركة، وتأبى الدوران، وتجرّد الإنسان من عقله، وتحسبه صاحب جمجمة ودماغ عليه أن يُحشى، بمعطيات "قال"!!

ولا يمكن للأمة أن تكون إذا بقيت مرهونة بأقبية "قال"، فعليها أن ترى بعيون عصرها وعقله وروحه، وأن تجتهد وتثوّر العقول والنفوس لتخرجها من أسر الضلال والبهتان.

فتحرر من عبودية "قال"، ودع عقلكَ يقول ما يجب أن يُقال!!

مع الإحترام لكل قولٍ مِثال!!

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة و سلام
كيف قال من قال؟
اما سمع اقوال مجايليه او سابقيهم او قرأ ما كتبه من هم قبله او لاحظ ما يدور حوله و كل ذلك اخضعه للتفسير و التحليل واستنتج ما قال...فلماذا لا نفعل كما فعل؟
قال ومضى له اجر الاجتهاد وله الشكر لانه ترك شيء يجعلنا نفكر به و بقوله...فلماذا لا نتصرف كما تصرف؟
هذا واحد من اسباب تخلفنا ...حيث حتى ما نكتبه او نستنتجه نرميه على كاهل من قلنا انه قال لذلك نفتتح كتاباتنا ب"قال" فلان...و نحتاج الى نرفق ذلك بقسم هو"بالعامية" :"والله انا ما عليَّ هو الكَال".
اكرر التحية و الشكر

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4694 المصادف: 2019-07-13 03:30:30