 أقلام حرة

العرب من الفناء إلى البقاء

محمد ممدوحسؤال شغل بال المفكرين العرب منذ القدم، منذ اللاوجود، حيث لا حيث، يكمن جوهره فى الصيغة التالية.. هل تفنى الأمة العربية وتنقضى شوكتها وتذهب حضارتها سدى؟؟

 وعقب كل نكبة نُصاب بها يسود اليأس بين الجميع، مفكرين وعوام، مثقفين وأنصاف مثقفين، ليعتقدوا إجابة واحدة تحاصرهم من كل مكان، نعم إنه الفناء الذى لا مناص منه، فناء الأمة العربية..

 ولكن التاريخ يُكذب ذاك الاعتقاد ليولد للأمة العربية البقاء بعد كل إحساس بالفناء ويكتب لها النجاة بعد تدارك الغرق.

ويمور التاريخ مورًا وتدور دورته، تحاصر أمتنا العربية المشكلات والعواصف التى تكاد تقضى علينا، تلهث الألسنة بالدعاء .... ينخلع القلب .... يضطرب الفؤاد ... تخرس الألسنة ... يكتب المفكرون " خروج العرب من التاريخ " و"موت العرب إكلينيكياً " و" بيتنا الذى كان عربياً "، كلها كتابات تغذى الإتجاه اليأسوى وتنمى السلبية واللامبالاة داخل نفوس الجماهير، ثم عقب كل إحساس بالضياع نمر به، توهب لنا الحياة من جديد، ليعود المفكرون والفلاسفة يكتبون من جديد، يغذون الأرواح، وينمون العقول، ويرتقون بوعى الجماهير، يحدوهم الأمل نحو صناعة فجر عربى نهضوى وحدوى، فالوحدة قدرنا، تقدمت أو تأخرت، تباطئت أو تعاجلت، هى قدر الله المحتوم على هذه الأمة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء92) هذا أمره سبحانه، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

عبر هذه الأزمات المتلاحقة لوطننا العربى، عبر مأساواته المتعددة، عبر تشرذمه وتفرقه وبالتبعية خواره وضعفه  وبالتبعية هوانه وذلته، تولد الصحوة الفكرية من وسط ذاك الشوك لتشق الظلمات بالنور، ولتقطع الشك باليقين، ولتمحو اليأس بالأمل، لتخرج أصوات الفلاسفة من واقعية اليأس إلى إمكانية الأمل، من ظلم الجهل والإحباط إلى نور العزيمة والعلم، لترسم لنا طريق النهضة من جديد، من واقع ظنه القريب والبعيد فناءً لا رجعة فيه للعرب،  وبعد ما أسموه  بثورات الربيع العربى والتى تركت أوطاننا خراباً وبواراً، وأعطت الفرصة على طبق من ذهب للقوى الاستعمارية القديمة لتدخل أرضنا من جديد بحجج قد تبدو مشروعة لدى البعض، يزينها بعض المرتزقة، يصورونهم بالمخلّصين، فهم بمثابة عيسى ابن مريم (ع) الذى جاء ليخلّص البشرية من إثم الخطيئة الأولى، هم طوق النجاة، هم الأمل للمستقبل.

وللأسف الشديد تجد هذه التبريرات من المرتزقة والمأجورين وأصحاب المصالح هنا وهناك صدى لدى العوام فيستغلوا جهلهم بزيف أباطيلهم، ويلعبون على أوتار الجهل والفقر والمرض بمثل ما تلعب القرود على أغصان الأشجار بمتعة وأريحية.

ووسط هذا الظلام الدامس، وبعد ظلمات بعضها فوق بعضها فى أرضنا العربية، يخرج صوت مفكر العرب مصطفى النشار الذى سبق ونادى بثورة ثقافية عربية تسبق وجوداً تلك الثورات السياسية، حيث تكون الثورة الثقافية خير وأبقى، ثورة عقول وفكر وفهم ووعى، لا ثورة فوضى وتخريب وإرهاب واستغلال، يملأ صوته كل ركن سطعت عليه الشمس العربية، مقدماً توصيفاً دقيقاً للمرض، لأسباب الغرق والفناء، ثم مبتكراً لآليات النجاة وأسباب البقاء، ليقول بلسان قوميته وثورية قلمه وجرأة فؤاده :" لن تفنى الأمة العربية، فهى لم تخلق للفناء وإنما للبقاء" .

ثم يقدم تشخيصاً دقيقاً مخلصاً لله وللوطن لأمراضنا العربية ممثلة فى عشرة أسباب قد تودى – لا قدر الله – بحياة العرب وأمجاد حضارتهم العريقة، قد تؤدى إلى فناء وجودهم، حيث غياب الإرادة الجماعية، الضمير الجمعى، الوعى المجتمعى الذى يدرك حقائق الأمور وحجم التحديات ويقدر المشكلات حق قدرها، هذه الإرادة وذاك الوعى المجتمعى يغيبان تماماً عربياً مما أدى إلى التفتت والتشرذم، ثم اتساع رقعة هذا التشرذم  ببأس ذاك التفتت عقب ثورات الربيع العربى حيث اللعب على وتر الطائفية وحيث العصبية البغيضة التى قسمت العرب إلى دول متفرقة بداخل كل دولة طوائف مختلفة، بداخل كل طائفة جماعات منقسمة على نفسها، ليكون المصير المحتوم تخلفاً وفناءً محققاً يغذيه التخلف الاجتماعى الذى يعوق الانطلاق نحو مستقبل أفضل ويزيد تفتت الدول العربية ويقتل تماماً فكرة الدولة الفاعلة.

ولعل أبرز سمات الفناء فى وطننا العربى أيضاً غياب العدالة ومن ثمَّ غياب النظام وانتشار الفوضى، لأن العدالة تعنى الأمن المجتمعى العام للدولة وللأفراد، وغيابها يغنى انهيار منظومة الأمن داخلياً بطريقة أو بأخرى، خاصة أن المواطن العربى ينفعل لهذه المعانى الإنسانية منذ القدم، حيث تمتلئ نفسه قناعة بمقولة الإمام ابن تيمية (رحمه الله) :" إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة " وتستقر فى وجدانه آيات القرآن الكريم التى تحث على العدل (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(النساء58) كما تتوق نفسه شوقاً إلى السنة القولية والعملية للنبى الكريم (ص) فى تحقيقه للعدل فى أكثر من مشهد ورفضه (ص) لشفاعة أسامة ابن زيد (رض) فى المرأة المخزومية التى سرقت إقراراً منه (ص) للعدل وحرصاً على تحقيقه.

وفق هذه القناعات كلها لدى المواطن العربى خرجت ثوراته التى انقلبت خريفًا لا ربيع فيه مطالباً بالعدل، فكان شعار الثورة المصرية على سبيل المثال فى يناير 2011م، "عيش، حرية، عدالة اجتماعية "، وحيث غاب العدل عربياً حيث تفقد العروبة جزءً عزيزاً من مكونانها النفسية والوجدانية وبالتبعية جزءً كبيراً من المصداقية لدى المواطنين.

وعلى إثر غياب العدالة يأتى الانهيار متتابعاً فى سلم القيم العربية الأصيلة، فبمقارنة بسيطة بين ما كان عليه الأجداد فى "فجر الضمير" وما أصبح عليه الأحفاد اليوم على أرض الواقع نجد انفصالاً شبكياً بين المثاليات الأخلاقية التى ابتدعها العرب وواقع حياتهم اليوم، انفصال تام بين النظرية والفعل، بين المثالى والتجريبى، الواقعى والطوباوى، هذه المثالية المغلفة فى ناحية، والقصور الفعلى عن واقعيتها من ناحية أخرى تهدم الوجود العربى ذاته، تقيم جداراً عربياً بين حضارات قامت من قبل على أسس أخلاقية استقاها العالم بأسره من أرضنا الطيبة، ومدنيات جوفاء، صماء، لا تعمل اليوم إلا على إشباع الجسد والخلو من كل مضمون.

ثم تستمر المأساة العربية فى أسباب الغرق ومسببات الفناء فى غياب الثقافة العلمية حيث غياب الموضوعية الفكرية بين المثقفين من ناحية، وجهل وعدم وعى يلاحق الأميين خاصة مع ارتفاع نسبة الأمية فى وطننا العربى من ناحية أخرى، ثم عدم تحقيق أدنى مصداقية من ناحية ثالثة حيث غلبة الأقوال على الأفعال، فنحن أمة تجيد الخطابة ولا تجيد الفعل، تجيد الحديث ولا تجيد العمل، والنهضة لا تُصنع بالتمنى ولكنها تؤخذ - بحد تعبير أمير الشعراء – غلاباً.

لعل المأساة الكبرى فى تلك المسببات كلها تعمد السياسيين إهدار طاقات الشباب وعرقلة حركة الأجيال سواء بإقرارهم لقوانين بيروقراطية تغذى روافد التخلف أو بتخاذلهم عن استثمار طاقات الشباب المعطلة وتوجيههم نحو ميادين العمل والانتاج بدلاً من تضييعهم عبر الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وهى فكرة موضوعية وواقعية إلى حد كبير تفتقد إلى إرادة سياسية فى كل قطر عربى مخلصة لله وللوطن، لأجل صناعة نهضة عربية على أكتاف الشباب العربى، بأيد عربية لا شرقية ولا غربية، وحيث يكون استغلال الشباب تنمية لمهاراتهم وتنقيباً عن مواهبهم واستغلالاً لقدراتهم اللامحدودة من ناحية، وللقضاء على المشاعر السلبية التى تحيط بهم من ناحية أخرى حيث اللامبالاة والسلبية والانعزالية وتضييع الوقت وتعمد إهداره، وكلها آفات كفيلة بقتل البشرية بأسرها فضلاً عن تضييع وطن.

وكم كان المفكر مصطفى النشار واقعياً ومتصارحاً مع الجميع عندما كتب فى أسباب الفناء إهمال اللغة القومية التى نزل القرآن بلسانها تكريماً لنا (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف2) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء195) وكفى بهذا الإهمال للغة سبباً لتضييع انتماء وولاء أجيال متعاقبة تنقم على أهلها أنهم ولدوا فى أرض العروبة، فقد كان حلمهم – بوهمهم – أكبر من العروبة مع أن العروبة أكبر من كل شئ، ومن كل أحد.

آفة أخرى أعظم من كل الآفات السابقة، ولعل المفكر مصطفى النشار عمد إلى تأخيرها ليلفت الأنظار إلى واقعية أهميتها، وإلى أن كل الأسباب المتقدمة ما هى إلا نتيجة لهذا السبب، إنه تدنى مكانة المفكرين والعلماء العرب، وللأسف كان تدنياً مقصوداً حيث لم يعدم الوطن العربى المفكرين والفلاسفة على مدار التاريخ، ولكن ثمة انفصال بين الفكر والسياسة بسبب وجود ديكتاتوريات عربية لم تسمح بترك مساحة للتفكير، ولم تسمح بصوت للعقل يعلو فوق صوت القوة والبطش، هذا فى أسوأ الأحايين، وفى أحسنها عدم الإنصات للعلماء والمفكرين وعدم الاكتراث بإنتاجهم الفكرى والعلمى، بل وعدم الإهتمام بأشخاصهم انطلاقاً من مبدأ (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون6)

تلك هى الأسباب العشرة لغرق الأمة العربية عند مصطفى النشار،ليبقى التساؤل قائمًا.... تُرى كيف يكون الخلاص ؟! كيف يتم الانتقال من الفناء إلى البقاء ؟

 خمس آليات رئيسية تحقق هذا البقاء، والذى يبدأ أولى خطواته من بناء نظام تربوى وتعليمى جديد يخاطب العقل وينمى ملكات الذكاء والقيم الاجتماعية والإنسانية القويمة، تجديداً للبنية ومشتملاتها وبالتبعية تجديداً للمنتج الذى يقدمه التعليم ممثلاً فى خريج قادر على مواجهة التحديات، قادر على فهم واقعه وبناء مستقبله وتحديد غاياته والتفكير بعقلانية وإتزان، وهذا لن يكون إلا بتطوير البحث العلمى أيضاً للاستفادة من نتائج الأبحاث عملياً ولفتح آفاق بحثية جديدة ولبناء فرص واعدة للمستقبل عبر بوابة البحث العلمى، ومن ثمّ يتحول المجتمع إلى عصر اقتصاد المعرفة والذى يشمل البحث عن المعرفة، استرجاعها والتواصل مع من يمتلكون ناصيتها من أهل العلم والخبرة، واستيعاب المنظومة المعرفية الحديثة، حيث أصبح العلم مقياساً لتقدم أو تخلف الأمم، ولعل هذه النقطة بالتحديد مما أثارت انتباه القيادة السياسية فى مصر بدعوة منها إلى بناء عالم المعرفة وتنميته عبر المكتبة المعرفية الإليكترونية الكبرى، لبدء تصحيح المسار ووضعاً لقدم ثابتة على طريق النهضة.

هذه الآليات تقتضى ضرورة تجديد الخطاب الدينى وبعثه من رقدته، بعثه من عذاب القبر واللحية وقص الشارب وإسبال الإزار إلى قيم التقدم من عمل واحترام الوقت وإعمال للعقل ويقظة للضمير واحترام للآخرين فى المعاملات والسلوكيات وإذكاء للقيم الأخلاقية  الإسلامية الرفيعة من مراقبة وورع وخشية لله بالغيب وصدق وإخلاص ويقين، أى بعثاً من العرض إلى الجوهر، من الشكل إلى المضمون، وتلك قضية لابد من معالجتها جذرياً إذا أراد وطننا الحياة، لتتمكن بعد ذلك، بعد تنقية الخطاب الدينى من شوائبه وتصفيته مما يكدره ورفعه فوق النزاعات الطائفية والعنصرية والعصيبة، من إقامة وحدة عربية تقوم على الأخوة المشتركة فى الإنسانية والقومية والدين واللغة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، بحكم الواقع، وبحكم الماضى والمستقبل، ليكن اسم تلك الوحدة ما يكون، المهم جوهرها وليس شكلها .... مضمونها وليس إطارها الخارجى .... مصداقيتها وليس شعاراتها .... فبتلك الوحدة فقط تكمن نجاة هذا الوطن، وبها يكون بقاؤه بقاءً سرمدياً إلى أن يشاء الله.

هذه الرؤية التى يقدمها مصطفى النشار فى كتابه القيم " الأورجانون العربى للمستقبل" والذى صدر عن الدار المصرية اللبنانية فى نهاية 2014م رؤية ذات واقعية ومصداقية فى التشخيص والتوصيف وذات قوة وصدق وجرأة فى المعالجة، وأظنها قفزت فوق سطح المستقبل استقراءً لأحداثه واستنباطاً لشكله المحتمل، وتالياً قفزت فوق رؤى كثيرة قدمها فلاسفة عرب محدثون ومعاصرون آخرون، القاسم المشترك بين تلك الرؤى جميعاً هو حب هذا الوطن والإخلاص له، لكن يبقى لمشروع مصطفى النشار النهضوى العربى فضل الواقعية والتجرد والجرأة فى طرح القضايا ومناقشتها، ليضع ذاك المشروع بين أيدى قادة العرب، لينتهى دور الفلاسفة من حيث يبدأ دور الساسة، متى البداية، العلم عند الله وحده، (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل65) لكن يبقى اليقين كله، متى توافرت الإرادة والصدق متى توافرت النهضة، ويسألونك متى هى، قل عسى أن يكون قريباً، تأتى من حيث لا تشعرون.

 

د. محمد ممدوح على

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4695 المصادف: 2019-07-14 05:26:50