 أقلام حرة

الصمتُ بوابةُ السمع !

ـ حينَ تُصابُ اللغة بالحيرة، يغدو الصمتُ عِكّازُها!

* الكونُ غارقٌ في صخبً، لا أستطيعُ التحرُّرَ منه.. فمصيرنا الوطني، وحتى الإنساني، يُعذِّبُ النفسَ.. ثمةَ إستبدادٌ  كونيٌ، لا يُصيبنا وحدنا. قد نشعرُ به أكثر من غيرنا ! لأننا الأضعف حالياً.. إلى جانب أزمة بتأريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. لكن الأخطر هو أزمةُ العلاقة بالمستقبل. من هنا فالصَخبُ قويٌّ جداً ! لكن يجب الأّ نردَّ عليه بصخبٍ كتابي. لأننا لا نملكُ أدواتٍ تُصارع الصخبَ بصخبٍ لُغويٍّ، لأن الصخب الماديَّ أقوى من صَخب الكتابة. لذلك يتعيَّنُ علينا أنْ نقاومَ هذا الصخب بنقيضه.. بلغةٍ هادئةٍ.. لغةٌ للتأمل.. ترتبط بالحياةِ وبتمجيد جمالياتها...

* الأنسانُ كائنٌ يتذكّر.. قلتُ في واحدة من الأفوريزمات، التي أشتغل عليها (نصوص شحيحة)، قلتُ: "طالما أننا نتذكر وننسى، فنحنُ نحيا !" فالأنسان إذ يتذكر، يستحضر صوراً من الماضي، بيد أنه لا يستطيع إستحضار التجربة وإستعادتها.. فعندما يتذكر يسعى إلى التحرّرِ من ضغط الحاضر. إنه يتذكر فقط لأنه يتذكر ! يتذكّر ليعرفَ مَن هو؟! وأين هو؟! ينضافُ إلى ذلك ما للذهن من قُدرةٍ على تكوين صورٍ ذهنية لأشياءَ وأحداث غابت عن متناول الحس والوعي، تُضافُ إلى ذكرى محدَّدة، فتدخلُ في نسيجها، كأنها جزءٌ من الأصل، تُحاكي مفرداتها عمل الخيال...!

فالطفولة بالنسبة للمبدع لا تُكتبُ مرةً واحدة.. إنها تخترقُ نصوصه من حينٍ إلى حين، تستعيدُ عالماً مفقوداً، حتى وإنْ كانت طفولةً بائسة. ذلك أنَّ الذاكرة تُجمّل عناصرَ الطفولة وتشحنها بجماليات لم تكن فيها بواقع الحال.. قد تكون طفولةً بائسة، لكن مسافة الحرمان تُجمِّل الماضي وتجعله هدفَ الأحلام، التي نخترعها، كي نتغلَّبَ على وطأة الراهن الثقيلة.. ولا نُفلِتُ بوصلةَ المستحيل، الأنعتاق والحرية والعدالة...إلخ

الذاكرةُ، إذاً، تستطيع أنْ تَخلُقَ وَهمَ العودة إلى الماضي. لكن طريقة عملها الغامضة، تكشفُ مدى تعقُّد العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل في الوعي الأنساني. فالذاكرةُ الفردية، متحف خاص، لا يختارُ محتوياته بوعي أو إنتقائية. هي ذاكرة عفوية وتطوعية.. تحنُّ إلى أمكنتها وأزمنتها السابقة... قد تستعيدُ ذكرى فَرَحٍ، لم يَعُدْ يُفرِحُ،

أو ذكرى حزنٍ لم يَعُدْ يُحزن.. إنها تعمل بطريقةٍ تختلف عن الذاكرة "الرسمية". ذلك أنَّ الأخيرةَ تنتقي بوعي كامل

 ما تريد للجماعة أنْ تتذكره عن تأريخها، إذ تنزعُ عن الذاكرة طابعها المُطلق، لأن التأريخَ يحاول أنْ ينسى...

فالذاكرة الرسمية لا تُريدُ للجماعة أنْ تنسى، بل تُحدِّدُ لها ما ينبغي تذكُّرَه. وهكذا تُخضعُ الجماعة لسياسة صنعِ الصورة عن النفس، صورة خالية من العيوب، لأن الذاكرة الجمعية هي ذاكرة وظيفية، براغماتية. أما الذاكرة الفردية فهي " شاعرية "! ترتبط بشكلٍ حميمٍ، تحنُّ إلى المكان الحميم، الذي توقظ زيارته المُتخيلة كل ما في الزمن الماضي من جمال.

ثمة سؤال مشروع : هل تستطيع الذاكرة الفردية أنْ تكونَ حرةً تماماً؟! أَلا تتأثّر بالذاكرة الجمعية، التي هي عالم العادات والتقاليد والأهداف "المشتركة"؟!

صحيحٌ أنَّ علاقة الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية تحمي الفردَ من خطرِ الإقتلاع و اللا إنتماء، لكنها تضغط أيضاً على طريقة تشكُّل شخصيته وخصوصيته.

في حالتي، المُحدَّدَة، أزعم أنني أستطيع التمييزَ بين تَذَكُّرِ ما هو شخصيٌّ وما هو عام.. لكنني لا أستطيعُ وضعَ حدودٍ سرمديةٍ بينهما ! لأنَّ ذاكرةَ الأشياء الحميمة الشخصية ترتبط موضوعياً بذاكرة الجماعة، التي أنتمي إليها في علاقتها

بالمكان...الحنين ! فذاتي تحتضنُ ذواتيَ الأخرى، فيختلطُ صوت الفرد بصوت الجماعة. لكن في الوقت عينه عندما تقوم الذاكراتُ الفردية بسرد حكاياتها، فأنها تُسهمُ في تشكيلِ ذاكرةٍ جمعية، مثلما تُسهم الذاكرةُ الجمعية في تشكيلِ الذاكرة الفردية، وفق شروطٍ وخصائصَ تتعلَّقُ بمستوى الوعي والثقافة....إلخ

قد يبدو غريباً بالنسبة للكثير من الناس عندما أقولُ أن علاقتي بالبيت / الوطن توطّدت في المنفى ! فعندما تكون في بيتكَ، لا تُمجِّدُ البيت / الوطن.. ولا تشعر بأهميته وحميميته. لكن عندما تفقده، يتحوَلُ إلى صَبْوَةٍ، إلى مُرتجى، كأنه الغاية القصوى.. بهذا المعنى عمَّقَ المنفى مفهوم البيت / الوطن، كون المنفى نقيضاً لهما. لكنني لا أستطيعُ الآنَ تعريف المنفى بنقيضه، ولا الوطن بنقيضه.. فقد إختلف الأمر وغدا كل منهما مُلتبساً. لذلك أقولُ يبقى الطريق إلى البيت / الوطن أجمل، وإنْ شئتَ الحلم بهما وحتى بالثورة أجمل من تحققها... قد يكون البيت/ الوطن عادياً جداً

– دون إطناب في المديح والتوصيف – لكنك حين تفتقده، تكتشف نواحٍ أخرى لم تكن تراها وقت كان " مُتاحاً/ متوافراً " لديك.. فعندما كنّا هناك لم نشعر يوماً بأننا نحتاجُ إلى تقديمِ براهينَ عن حقّنا بالمكان، بيتاً كان أم وطناً..

كانت علاقتنا بالمكان تلقائية وعفوية، لا تحتاج إلى مسوّغٍ أو تبرير.. كنا مشغولين بأمرٍ آخر، بالدفاع عن حقنا في إمتلاك مستقبل أفضل، مع الإحتفاظ بحريتنا في أن نحلم ونعمل من أجل المستحيل!.. من أجل العدل والإنعتاق والحرية... مشروعاً يشمل الجميع !

بأختصار، كل الأحلام أكبر وأجمل من شكل تَحقُّقِها !

لكن للأسف لا تبدو صورةُ المستقبل القريب غير مُشِعّة، بل قاتمة من منظور الحاضر !!

وعليه فذاكرةُ المُبدعِ هي مخزونُ الصور والإنطباعات، التي عاشها، رآها، قرأها أو تخيلها من خلال ثقافته وتجربته الحسية والفكرية...

من جانب آخر، فأنَّ أزمنة الذاكرة هي الماضي البعيد أو القريب.. وأمكنتُها هي الأمكنة المفقودة والغائبة، أو

تلك التي شَهِدَت تجربةً " شخصية أو حميمة " أو شهدت " كارثةً جماعية ".. فنحنُ لا نتذكرها كي نستعيدها، بل

لنفهمَ حاضرَنا ونتهَجَّسَ طريقنا إلى المستقبل! فلا أحدَ يحنُّ إلى وَجَعٍ سابقٍ، لكننا نحنُّ إلى أفراحٍ، حتى صغيرةٍ وإنْ

كانت وسط سماواتٍ مُلبّدة !! عرفناها في الماضي، ولا نجدها إلاّ في المستقبل، كما نظن ! وعندما يتذكر الفردُ والجماعة الوجَعَ السابقَ، فأننا نفعلُ ذلك كي لا تتَكرّر تلك التجربة المأساوية.

لكن حين يصبحُ طريقُ الغدِ سالكاً، آمناً، فأن شيئاً من النسيان يغدو واحداً من شروط التحرُّرِ والإنعتاق !!

* الآنَ حان وقت الحديث عن الصمت، إسمح لي أن أُعالجه معك بصيغةٍ أخرى غير ما تقدَّمْ ! ولن أُخوّضَ في موضوع "صمتِ أجزاءٍ واسعةٍ ممن يُسمَّونَ بالنُخَب" أسبابها و " مسوّغاتها "...إلخ فهذا أمرٌ قد يحتاج إلى تحبيرِ مئاتٍ من الصفحات.. لا أنا بقادرٍ عليها، ولا تتوفَّرُ لي من مادةٍ أرشيفية تُعينني على ذلك !!   

ـ الصمتُ، صُراخُ الأحشاء، حين يمتليءُ الفم رَملاً..!

ـ تَصمِتُ وحوشُنا تحتَ قَمرٍ يُطلقُ في دَمنا دودةَ الحنين...

ـ هل ينتهي عَفَنُ الدنيا، إنْ خَرَجنا نصرَخُ من الفجائعِ إلى عالمٍ مُسمَّرٍ بالصمت؟!!

ـ إنْ كَسَرنا الصمتَ يبطُلُ مفعولُ " السحر" !

لكنْ هل سيكونُ بمقدورنا توصيف يَرَقَةٍ تَلصِفُ في غابةِ الليلِ؟!

ـ مَنْ ينبِشُ فينا ما تَرَسَّبَ منْ صمتٍ، عَجَزْنا عن قَولِه؟!

ـ صِرتُ فَمَ صمتي، الذي لا معادِنَ تُخفي وجهَهُ..

 فصمتي منبسطٌ أمامي، مثل بحيرةٍ بلا رمالٍ تَتَشَرَّبُه...

ـ النَبعُ يَشهَقُ بزَبَدِ كلماتٍ كَسَّرَها الصمتُ...

ـ أيّ الطُرُق أَنشُدُ إلى الصمتِ.. فللزورقِ، الذي أَعمَته ذاكرتُه، أشرِعَةٌ في كلِّ الإتجاهات؟!!

ـ بوّابةُ المستقبلِ مُقفَلَةٌ من الداخل، كي لا أقولَ صامتة، مثل بواباتِ حاناتٍ سهرَتْ حتى الفجر...

 لماذا لا تَملّ أيادينا من الطَرقِ؟!

ـ مَنْ يمُد لنا خيطاً، حتى واهياً، كي نَخرُجَ من بئرِ الصمتِ؟!!

 

يحيى علوان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4697 المصادف: 2019-07-16 04:07:00