 أقلام حرة

إلى شقيق روحي المبدع الكبير "سلمان داود محمد":

1036 salman14عشْ هكذا دائما في علوٍّ.. أيّها الرجلُ

يا سلمان داود محمّد:

(أنتَ صريعٌ سقط في الحرب ..

وتركه المنسحبون وحيداً)* ..

فكنتَ أهلاً - شجاعة وجسارة - لأن تواجه نيوب الذئاب بيديك العاريتين مسنداً ظهرك إلى جذع شجرة تاريخك الشخصي المعاند الهائل الذي انغرزت جذوره عميقاً، وعميقاً جداً، في قلب تربة تاريخ وطنك العراق العريق العظيم. 

أي "أخيّي" سلمان:

تتذكر أيها الحبيب الوفي الغالي أبا عماد ؛ سلمان داود محمد، أيام تلك النقاشات الطويلة المترعة بصدق الأرواح والأفكار ودفء الضمائر في مكتبك "غيوم" في الباب الشرقي في منتصف التسعينات ؛ مكتبك الطافي على بياض الكلمة والوعد الحرّ النابع من شرق الروح النقية. كنتَ تقول أنّ الفرق بين مفردة "الرفيع" و"الرقيع" نقطة. ثم ثنّى ولدي "علي" على رأيك حين أخبرته به وقال: والفرق بين "الفرد" و"القرد" هو نقطة أيضا. كنا نضحك بألم على الأقدار الرقيعة التي ينصبها البعض لنفسه، ونؤسس – ومازلنا وسنبقى – ، وبفخر، لحياتنا الرفيعة المليئة – كعادة كل الأشياء الكبيرة والثمينة في الكون – بالآلام والأوجاع والخيبات. خيبات لا تستطيع فكّ حديد الإرادة العزوم مهما طرقت وأوغلت في لحم الأمل.

أي "أخيّي" سلمان:

لم تهتز في أعماقي شعرة واحدة من اليقين في أنك ستواجه محنة المرض المُهلك الذي يلقبونه في الطب بـ "القاتل الصامت silent killer" بنفس العزيمة المدوّية التي عهدتها فيك، بل بالشفقة والعطف على المرض نفسه. فأين أوقعه حظّه؟ وما الذي ستفعله به؟ وأي دروس ستضربها – كعادتك – لآخرين من الرقعاء في معنى أن يكون الإنسان إنساناً كبيراً وحقيقياً مجبولا من روح إله وطينة بلاد خلقها الله وهو يبكي. مسكين هذا المرض. لا يعرف كيف سيلعب به سلمان لينتزع منه هيبته ويطوّح بكرامته القائمة على رعب المرضى المساكين المهزوزين ويخلع عنه هالته السوداء المخيفة.

شاهدتك وسمعتك وأنت تشمخ وتتعالى على ما يعتبره البعض "محنة" حدّ أنّ المرض يتساءل: "معقولة هذا سلمان "لابِسني" ومستخف بيّه لهذه الدرجة؟! .. شورّطني؟!" .. ليس مزاحاً أيها الأخوة القرّاء ولا هي طرفة لتلطيف الجو وتخفيف الألم. أبداً. اذهبوا وانظروا واتصلوا واستمعوا لتعرفوا كيف يكون الإنسان الإنسان، الكبير الكبير، والحقيقي الحقيقي، سيّد مصيره، وكيف يتلاعب بأكثر ما يخيفكم وحشية وتهديداً.

1036 salman13أي "أخيّي" سلمان:

يختار فرسان العصور القديمة – وخصوصا من الساموراي - فارساً يناسبهم جرأة وسمعة ومهارة كي يموتوا على يديه ميتة يريدونها مشرّفة وكريمة وفريدة مثل الحياة التي عاشوها. وهذا المرض المسكين الذي وقع بين يديك يا سلمان ليس هو الفارس المُنتظر. الفارس الذي يستحق دمك لم يولد بعد. وقد حاول قبل اليوم "فرسان" الرقاعة الظفر بهذا الشرف فلم تتحه لهم. وهذا مسكين تورّط. فارحمه كعادتك أيها الكبير. وأؤكد هنا - وبكل ثقة وعبر متابعتي لآخر التطورات العلمية وكما قلت لك في أول اتصال هاتفي بيننا يوم سمعتُ من أحد الأصدقاء خبر الصاعقة بأن يوم غد سيكون يوم الجلسة الثانية لك في العلاج الكيمياوي - أنّك سوف تهزمه لينسحب ذليلا مدحوراً فيكون أمثولة لمن يتجرأ عليك من العلل والأوجاع الرقيعة. فهذا القاتل الصامت خطّ مواجهته الأول هو النفس الكبيرة الرفيعة التي تعرف قدرها وقيمتها فتترفع عن صغائر النهايات التافهة.

أخفيتَ مرضك عن الجميع وعن أعز أصدقائك ومنهم أنا إذا جاز لي أن أتشرّف وأعتبر نفسي صديقا مقرباً منك أيها الغالي. تمّ تشخيص مرضك وإحالتك إلى العلاج الكيمياوي – بسرعة أعترضتُ عليها علميا وشرحت لك الأسباب – ولم تُخبر أحدا لأنك لا تريد أن تتعب أحدا أيها النبيل بهمّ شخصي كما تقول. فأيّ إنسان كبير رحيم أنتَ. بل وأيّ أسطورة في عصر الشكوى والتذمّر والاندحارات. وهل شاهدتُ في ممارستي الطبّية التي سوف تقترب من الأربعين عاماً مثل هذا الموقف المُشرّف؟! 

1036 salmanalmotanabi1

(سلمان داود محمد عند تفجير شارع المتنبي)

أي "أخيّي" سلمان:

الطبيب الذي قال لك أنّ حالتك الصحية "خارج الضوابط" وأنه لا يستطيع الموافقة على سفرك للعلاج عامِله كما عاملتَ هذا المرض المسكين. أعطه درساً من روحك الكبيرة وسلوكك الإنساني التربوي العطوف. والطبيب الآخر الذي قال لك أنهم لا يستطيعون إرسال المريض المُصاب بالأورام للعلاج في الخارج إلا إذا انتشر المرض في كل جسمه اصبر عليه برغم غبائه ورقاعته. فما الذي سيستفيده مريض من السفر والعلاج إذا كان السرطان قد انتشر في كل جسمه؟ّ! هؤلاء إخوة مساكين، ساعدهم حتى وأنت في ما يعتبرونه "محنتك" المريرة التي لا خلاص منها. وهذا ما قمتَ به أنتَ في ممارسة مسؤوليتك في تربيتهم بكل ثقة واقتدار.

لم أكن أحب أن أتحدث في هذه الموضوعات التافهة. أريد أن نتحدث كما اعتدنا يوم حضر أحد جلساتنا الراحل العزيز "ناظم السعود" واستمع إلى نقاشاتنا وقال: كيف لا تسجلون جلساتكم هذه على أشرطة وتوزعونها على الكتاب والقراء في بلادنا وتنشرونها في الصحافة وتطبعونها في كتب. هذه جلسات ثقافية نفسية تاريخية. هل أحدّثك عن قدمك اتي وضعتها في الأعالي وصارت عنوانا لإحدى قصائدك.

أمس تحدثنا عن هؤلاء المساكين من حشود الرقاعة وهم كثرة غالبة الآن وكيف أن جوهر خرابهم هو أنهم لا يعرفون أن الحياة كلمة .. وقلتَ ُ: بل هي قطرة .. مستشهدا ببيتي شعر لصديقي الحكيم الشعبي الراحل "عبد الصاحب الضويري":

قطره إهي يا صاحبي مو نهر

وريت النهر ذاك الجره ما جره

أعبرْ مثل ما عبروا اعله الشرف

دنيه وصفى بيها الشرف گنطره

وأنتَ – وأشهدُ للتاريخ - قد احتفظتَ بنهر الكرامة صافيا رائقا عذبا يرد منه أصدقاؤك الخلص العطاشى، وكان المرض – متوهماً هذا المسكين - يحسب نفسه "اختباراً" فإذا بك تجعله "اندحاراً" له ونصراً للإنسان الكبير تفتح به بابا للحياة والعطاء والدروس التي لا تنقطع في معنى الكرامة والأمل والثقة تضربها بالذات لمن تنقصهم نقطة لا يعرفون أنها بحجم الكون.

1036 سلمان محمدأي "أخيّي" أبا عماد:

وكثيرا ما أستشهدُ بمقطع شعري عظيم لك جعلته فاتحة لروايتي "ما بعد الجحيم" وعلّقته في غرفتي، وكان – في الحقيقة -  ومايزال فاتحة حياة ووصفة طبّية وطنية علاجية لأيام المِحن والأهوال .. وصفة منكَ يا طبيب النفوس العراقية المُتعبة الذي تخرجتَ من كلية طبّ باب الشيخ وانهيت إقامتك الدورية والقدمى في مشفى الأرواح في غيوم الواقع في الباب الشرقي:

(أحبُّ الموسيقى وساحة الطيران

وأحفرُ في السبائك (لا أريد)

فصيلةُ دمي (باب الشيخ)

وعندي من الشظايا

ما يجعلُ النهارَ مرقطاً..)

هذه الخلطة العجيبة السرّية والنادرة والسحرية هي كيانك وسيرتك وسلوكك .. وهي مشعل الهداية "النظري" الذي أنا – واسمح لي – اتبعتُهُ في حياتي على هداك. واليوم تقدّم لي أعظم درس "عملي" في السيطرة والاقتدار على المصائر.

كمْ هو ثقل الروح التي تريد أن تترك أثر أقدامها على التراب ؟

وكم هو ثقل الروح التي تريد أن تترك أثر أقدامها على الصخور المسننة؟

أخي وشقيق روحي الحبيب المبدع الكبير سلمان داود محمد، أحييك وأقول لك – ولي من خلالك – بفخر واعنزاز:

عشْ هكذا دائما في علوٍّ .. أيّها الرجلُ    

أخوك

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

18 تموز 2019

...........................

ملاحظة:

*هذا الوصف مُقتبس من مجموعة "أناديك من مكان بعيد" للشاعر الكبير "عيسى حسن الياسري"

  

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الكبير حسين سرمك
كم يحمل قلبك هذا الزخم الكبير من الحب والوفاء. كم يتكوى بجمرة النار حين يرن بسمعه معاناة اديب او انسان , ويشاركه في المعاناة والهموم. وهذا يدل على اصالتك العراقية النقية , في زمن شحت فيه الاصالة والنقاوة , هذا يدل على عطر قلبك الكبير . وما وقوفك في محنة الادباء والكتاب الكبار , الذين يعانون اهمال الدولة , يعانون من خمط حقوقهم كمواطنين , وكمبدعين , تعتبرهم الدول الانسانية المتحضرة , أثمن رأس مال , بينما في العراق في حكم الاحزاب الاسلامية , يعتبر المبدعين ابخس رأس مال , لذلك يريدون ان يتخلصوا منهم بسلب حقوقهم . لذلك اقف بكل مشاعري الجياشة مع المبدع الكبير والانسان الحقيقي الاستاذ سلمان داود محمد . وأسال الله ان يعينه ويساعد في محنته الصحية . هذا عنوان الاستهتار والاستخفاف بوقاحة قذرة للمواطن العراقي . في حين نجد في الدول الانسانية والمتحضرة , التي تحترم نفسها وتحترم المواطن . اولى واجباتها توفير الرعاية الطبية والصحية والاجتماعية مجاناً دون اخذ فلس واحد بما فيها التحاليل والفحوصات . وحتى سعر الادوية تتحملها الدولة , مثل دولتي يكون السعر 80% على الدولة و20% على المواطن , حتى الرعاية الطبية والصحية مجاناً للمهاجرين واللاجئين . فكيف يكون الحال لاهل البلد رغم انها ليس دولة نفطية . لكن الاحزاب الاسلامية الحاكمة الفاسدة , لا يعنيها سوى الغمط والشفط واللحس والفرهدة والسحت الحرام .
نسأل الله ان يخفف معاناة الاديب سلمان داود محمد . وان يكون بطلاً في مقاومة المرض اللعين
والى استاذي الجليل حسين . هكذا تغمرنا بالامثلة التي يعجز اللسان في وصفها بالحب والوفاء
ودمت بصحة وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا أخي الرائع الأديب الإنسان الإنسان جمعة عبد الله على لطفك ومشاعرك النبيلة. وإلى الآن تعلق بالروح مواقفك وكلماتك المؤثرة يوم رحيل أخينا الأديب والإنسان زاحم ماهر رحمه الله. فلك مني أسمى آيات الاحترام والتقدير.
أخوك: حسين

حسين سرمك حسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4700 المصادف: 2019-07-19 13:31:48