 أقلام حرة

قانون التقاعد العام

 راغب الركابيالتقاعد في مفهومه العام: هو ضمان مالي يعطى للفرد في سن معين، أو إنه يعطى للفرد في حال لم يكن قادرا على العمل -، وهذا الحق مكفول من قبل الدولة لكل فرد فيها سواء أكان من المشغلين أو العاجزين، ولا يرتبط هذا الحق بكون الفرد عاملاً أو لا، ولا يستثنى من هذا الحق النساء ولا الشباب بإعتباره حقا عاما، هذا من ناحية البنية التعريفية والتكوينية لأصل هذا الحق، وأما التفاصيل فتكون بقانون مُنظم لا يجب أن يظلم فيه أحد .

وبما ان الكلام عن الحق المادي فالواجب أن يرتبط هذا الحق بحياة الأفراد لا بعد موتهم، أي إن هذا الحق مؤوسس للأحياء وليس للأموات، فلذلك نقول إنه يسقط بالموت ولا يصح إعطائه لورثة الميت مهما علو أو قربوا - لأنه حق يتعلق بالفرد المعين بذاته في الحياة -، وأما خاصة الميت وعائلته فليس لهم من هذا الحق شيئا .

 لماذا؟: لأن الأصل في القانون العام (أن يكون لكل فرد في الدولة ومن يقيم فيها أو عليها راتب شهري)، هذا الراتب هو بمثابة المعاش الذي يوفره للفرد العمل أو غيره، والدولة والحكومة بكل مؤوسساتها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن توفير ذلك، وبالتالي فليس هناك إعالة أو إحالة من أحد لأحد في المعاش أو الحياة من الناحية المادية، [فلا الزوج مُعيل لزوجته ولا الزوجة معيلة لزوجها]، أعني إن الدولة ومؤوسساتها مسؤولة عن توفير الضمان والحرية المادية والإقتصادية لكل فرد، بمعن: إن لكل فرد من أفراد الدولة دخل وراتب شهري معين، يكفل له كرامته وحياته وهذا هو الكفيل بسقوط مفهوم الإعالة بعد الموت، كما هو متبع في البلدان المتخلفة والتي تسن قوانين التقاعد على أساس ذلك .

ومن الطرائف في هذا الشأن ما قام به الرئيس مام جلال حين أعطى لعبدالكريم قاسم راتباً تقاعدياً (في منقبة وهبه لا أفهمها ولا أعرف مغزاها)، والحق إن هذا التصرف من مام جلال هدرا متعمدا وإفسادا في البنية الإقتصادية والمالية للبلد، نعم تصرف الرئيس جلال من وحي قدم قوانين التقاعد وماهي عليه بالفعل، ولأن ذلك كذلك فهنا تبدو الحاجة ماسة لإعادة النظر في كتابة قانون للتقاعد جديد ينسجم من بنية وطبيعة النظام الجديد .

مستفيدين ومتكأين مما قدمناه في مجال الحماية والضمان لكل فرد في حياته، إذ عندما توفر للمرء في حياته المعاش الذي يحفظ كرامته وإنسانيته، لا تعد الحاجة للعمل بذلك القانون القديم بمعنى إن ما يوفره الضمان لكل فرد من راتب يُغنيه عن الإنتفاع بحق الغير من غير وجه حق، وبحسب القانون العام فالدولة مكلفة بتوفير ذلك الراتب الشهري لكل فرد ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أم كبيرا، هذا الحق يجب ان تكفله قوانين الدولة وأنظمتها، وإذا توفر هذا الحق للجميع لم تعد الحاجة لإستقطاع المال تحت بند تقاعد الميت، فالميت لا تقاعد له ولا يصح ذلك مطلقا .

 طبعا نحن نتكلم عن القانون وعن الواجب الذي يجب أن تكفله الدولة والحكومة وتعمل به، وهذا الواجب يوفر للدولة الضمانة والحماية من الوقوع بالهدر والفساد والتبديد والإسراف في المال العام، والعمل بموجب هذا ليس مسألة عويصة، بل هو في صميم العمل الوطني : أعني في حال ضمان وتوفير الراتب الشهري لكل فرد تنتفي الحاجة، لراتب للميت تحت بند التقاعد، فالتقاعد عمليا يشمل الفئات الحية والمستحقة بحسب القانون .

وفي هذا المجال لدينا رؤية متكاملة وتفصيلية، إن رأت الحكومة والمجلس النيابي ذلك، فيمكننا مناقشتها وبحثها معهم وإقرارها على نحو قانوني، والأمر في ذلك يحتاج إلى إرادة ونية صالحة وعزيمة وطنية تحقق للفرد العراقي ما يغنيه ويحفظ كرامته في حياته، ومن دون اللجوء لإستهلاك المال العام وتبديده، وهذا الكلام أوجهه للأخ رئيس الوزراء والأخ رئيس البرلمان، للإحاطة والعلم فيما لو توفرت الإرادة و الجدية والصدق والنزاهة، فنحن بعون الله جاهزين للمساهمة في صياغة هذا القانون وتعميمه ..

 

راغب الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4726 المصادف: 2019-08-14 00:31:07