 أقلام حرة

الكراهية!!

صادق السامرائيالكراهية مرض يصيب البشر، وكأي مرض فأنها تصيب النفس والعقل والروح، وتدفع بالمصاب بها إلى أن يكون ضحية سهلة لهذه العاطفة السلبية الهوجاء.

الكراهية موقف سلبي مضر بالحياة، وتجلب المصائب والويلات على الأمم والشعوب، وتؤدي إلى الحروب والصراعات الدامية ذات القدرة العالية على الدمار والخراب.

الكراهية نظرة سوداء إلى ما يرتبط بالحياة ويعبر عنها، ولا ترى إلا بعيونها المشوهة ما تستطيبه وتغفل الحقائق والضوء، وتبتعد عن النور والجمال والصفاء والنقاء.

الكراهية عدوان على الذات والآخرين، وإمتهان للقيم والمعايير السامية والمثل والمناهج الانسانية، التي بشرت بها السماء جميع أجيال الأرض البشرية.

الكراهية عقرب عمياء تسخّر طاقات الفرد لما يؤذيه ويؤثر في حياة غيره، ويصنع الأوجاع ويبني معالم الفناء والركون في وهاد الآهات.

الكراهية تمتلك الفرد ولا تسمح لأية خلية في جسمه، أو لنبضة في قلبه أن تعبّر عن نفسها من غير جرعة من سمها القتال، الذي يستعبد الفرد ويحوله إلى أداة طيعة لها.

وما أكثر ضحايا الكراهية والعدوان الناجم عنها، وما أكثر الذين إستعبدتهم الكراهية وشلت قدراتهم على الحركة، ومنعتهم من الخروج من سجنها المقيت، وأصابتهم بعقولهم ونفوسهم وكل ما يمكن أن يصدر عنهم من قول وفعل وإشارة.

الكراهية مرض خطير وسرطان يصيب البشر ويمزق الحياة، ولا يساهم في التفاعل الطيب مع الأشياء.

الكراهية لا ترى إلا السوء، ولا يمكنها أن تنظر الخير والمحبة والسلام، بل أنها قوة سوداوية مشحونة بالأوهام والتصورات الضيقة، التي تمثلها وتعبر عنها أحسن تعبير.

الكراهية جنون سلوكي يحقق الفواجع الأرضية، ويجرد البشر المصاب به من عقله وروحه، ويخرجه من نوعه البشري، ويحوله إلى وحش يريد أكل الأحياء وشرب الدماء.

الكراهية عاطفة سقيمة حمراء لا تفهم المحبة، ولا تتصور أن هناك ألفة وأخوة ورجاء.

إنها مشاعر الموت وعاطفته، ومن أشرس العواطف التي تخطف البشر من إنسانيته وتجرده من معانيه وأخلاقه وقيمه النبيلة.

الكراهية مرض مثل مرض الكآبة الشديدة، التي تمتلك المريض وتدفعه إلى حقول الويلات، وتمنعه من رؤية الحقائق والتفاعل مع الأشياء كما هي، بل كما تتراءى له بعينه التي ترفض الحياة وترغب في الموت والبلاء.

الكراهية مرض نفسي خطير بحاجة إلى علاج، والبشر المصاب بهذا الداء الوبائي عليه أن يستيقظ من قبر مأساته، ويخرج إلى ضوء الحياة، ويحرر قلبه من زقوم الكراهية وسموم الأحقاد والبغضاء، وينير وجوده بالمحبة والألفة والأخوة والسلام.

المحبة التي تريدها السماء شفاءً لكل داء أصاب البشرية بسبب حقد الكراهية وعللهها وثقافاتها السوداء وفيروساتها التي تنتشر في كل مكان، والتي تصيب الملايين بالداء البغيض الذي يدفع بالبشر إلى الدمار والضياع والألم.

فهل من لقاح ضد الكراهية؟

المحبة هي العلاج الأول واللقاح الأول، ومن لم يأخذ جرعة محبة ورحمة، فعليه أن يجرب ذلك مرة واحدة فقط لكي يرى الحياة بعيون أخرى، ويحقق الألفة والسلام في أرض إخوانه البشر، الذين يعانون ويطمحون إلى السعادة والأمن والوئام.

فهل سيغسل المصابون بداء الكراهية قلوبهم بزلال المحبة والرجاء والأمل، في شهر رمضان الخير والألفة والرحمة والإيمان.

فالأديان محبة

والسماء محبة

والمذاهب محبة

والله محبة

وتبا للكراهية وثقافاتها وأمراضها التي أذاقت البشرية المصائب والشرور.

فهل سنشفى منها ونغادر كهوف البغضاء الظلماء، وننطلق في رياض المحبة اليانعة الخضراء، التي تسر القلوب وتضم البشر في أحضان الرحمة والألفة والسعادة والمسرات؟!

تساؤول علينا أن نجتهد بالجواب عليه، لا أن نجعل من هذا الشهر مناسبة لتبادل التهاني والتبريكات والواقع يرزخ تحت وطأة الويلات التي تؤججها جمرات الكراهية والأحقاد المتقدة بين أبناء الدين الواحد!!

فالدين العمل، ويجب أن يٌخبر القول عن العمل، لا أن يكون القول العمل!!

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً دكتور على هذا المقال الرائع المتعلق بالكراهية و انك وصفت علاجها بالمحبة و الرحمة. هذا صحيح و لكن اختلف معك ؛ انك تقول "المذاهب محبة" و انا أقول لك ان "المذاهب ليست محبة" ابداً ابداً و هي سبب دمارنا؟؟؟. انك تتمنى هذا؟؟؟. و هذا مستحيل.

كل المذاهب هي سبب تدمير الدين و الانسان المسلم و هي سبب تخلفنا لأنها أسست لأجندات خاصة في قلوب مؤوسيها. و هي لا تمت للقرآن و هو كتاب الله. و هي التي جعلتنا نراوح في مكاننا و نبحث في كهوف التاريخ السحيق لصيد الدرر و اللؤلؤ من فقه السلف الصالح و أصحاب المذاهب؟؟؟. اليس كذلك؟؟
ما هو المكتوب في فقه السلف الصالح و مذاهبه؟؟؟
ماهي مناهج المدراس المذهبية سابقاً و حالياً؟؟؟.
اليس تعليم روادها الكره و البغض للآخر الذي يختلف معها؛ و تدمير للدين الإسلامي من الداخل؟؟؟.
آسف على الاطالة و شكراً مرة أخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والكاتب القدير
ثق ان كتاباتك القيمة والغنية , هي اول من اطالعها مع فنجان القهوة , ولك همة مثابرة في الجهد الابداعي الذي يقدم خبرة في الثقافة والعقلية العلمية المتفتحة , على التسامح والاخاء , وكشف العيوب والعورات , التي تعمل على ارجاع الزمن الى الوراء ( لذلك ادعو من كل قلبي ان يحفظك الله تعالى بالصحة والعافية والسلامة ) انت تقدم دون مجاملة الخبز الروحي الطازج ( وكم مرة اقول مع نفسي ان من يقرأ كتاباتك القيمة للاستاذ صادق السامرائي , مستحيل ان يكون طائفياً ) .
لذلك ارجو ان تسمح لي بالتعقيب , بأن اقول بثقة ان المذاهب هي التي خلقت الكراهية الهجينة, في العقل والثقافة . هي التي خلقت الطائفية , وهذه بدورها خلقت النزاعات والتناحر والشقاق والتمزق , داخل الدين الاسلامي , وداخل صفوف الناس المسلمين , وهي التي شقت اللحمة والوطنية ونسيجها الاجتماعي . لانها تتشبث بالماضي السحيق , الذي بال عليه الزمن والتطور العلمي , لاننا نتخاصم ونتناحر ونتخدق , حتى بلعلعة الرصاص , لان قبل الف سنة قال فلان على علان , او قال علان على فلان . ومن هذه المساجلات الهجينة , انبثقت الخرافة والجهل والتخلف , والشقاق والتمزق بالفتن والنعرات الطائفية , وتسيل انهار من الدماء بسبب ( المضحك / المبكي ) لان قال فلان على علان وبالعكس . لذلك فقدنا العقل التنوير والتطور , وبالتالي وباء طاعون المذاهب التي خلقت الطائفية , نتيجتها التخلف والجهل والرجوع الى الوراء , بالفقر والمعاناة . بينما نجد الشعوب المتطورة التي ترفض الكراهية الهجينة , جعلت الحياة منفتحة على البهجة والسرور والحياة الكريمة والتطور العلمي والطبي , وانت دكتور وتعرف الفرق الشاسع الذي لا قياس له , بين طبنا المتخلف , وطبهم المتطور ودخلت التكنولوجية والليزر , ونحن بالمشاطر التي تشق البطن كالقصاب والشاة . ان المذاهب حقاً وقد سبقني الاخ العزيز والاستاذ القدير ثائر عبدالكريم . بأن المذاهب هي سبب تدمير الدين الاسلامي والانسان المسلم . وهي سبب تخلفنا . ان اعتقد ان المذاهب هي امراض سرطانية خبيثة . لذلك اقول : نعم ان الاديان محبة . السماء محبة . الله محبة . المذاهب كراهية هجينة
ودمت بخير وعافية ايها القدير الرائع

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي الفاضل المبدع الحرف دوما برأيي المتواضع ..كل ولد على دين ابيه وعمد بمذهبهم من اول الرضعات حتى صار عمرا ترسبت بذهنه ما قيل وقال وامتدت جذورها دون وعي فان أدركها تدارك السقوط في هوة التطرف والتعنت وعنجهية العمى وانقذ اجيالا وحقن الدماء وقلة من يفهمالتغيير ويفتح قلبه لينافسه الفكر المتسامح وهذا ما اوصلنا لما نحن فيه وكما ذكرت ممكن ان يكون تنوع المذاهب تنوع فكري لا تأزم وتعلق بالماضي ولكن لا حياة لمن تنادي في مستنقع التشتت ..بوركت الحروف تحايا التقدير

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة
ربما هي حصى تكونت في "كِليةْ" الدماغ عند الكاره نتيجة ارتفاع تركيز كرهه لنفسه
وتفتيت تلك الحصى بسيط جداً وغير مكلف
والعلاج هو:ملعة كوب من الاحترام + ملعقة كوب من الحب+ ملعقة اكل من حنان دافئ
طريقة التخضير:
تخلط المقادير جيداً ثم يشربها مرة واحدة عند النهوض من النوم صباحاً و بنفس التوقيت يومياً لمدة ثلاثة اشهرقابلة للتجديد بعد اختبارات هو يقررها و يجريها بنفسه
...سيلمس التحسن بعد اسبوع لكن عليه عدم ترك العلاج
............................
دمتم بتمام العافية
ودامت هذه القصيرات النافعات

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ ثائر عبد الكريم المحترم

تحياتي وإعتزازي

شكرا على مرورك الثاقب المنير
آشاركك الرأي خصوصا عندما تتوحل المذاهب في الأصولية والدوغماتية والتحزبية النكراء وتتحول إلى بضاعة تجارية ذات ماركات متعددة

مع خالص الود والتقدير والإمتنان

د. صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي المبدع الأصيل الأستاذ حميد عبدالله المحترم
دام مشعلك الثقافي وهاجا
أوافقك تماما تماما وفقا لما هو سائد وبائد بخصوص المذهبيات التعصبية الفتاكة على مر عصور الويلات الكرسوية
وقد نشرت منذ سنوات عددا من المقالات بمداد التشريح النفسي والسلوكي لها في صحيفة المثقف وغيرها ولربما ساحاول إعادة نشرها
ولابد من القول كنت متوجسا من هذه المقالة لأنها ليست النسخة المحررة التي يجب أن تُنشر
فكم يؤلمني أن أجد سقطة إملائية أو إعرابية فيما أكتبه لأن القارئ الكريم يستحق أن يتلقى ما هو صالح وصائب وطيب وثمين

تقبل مودتي مع أحلى الأماني

د. صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عبد الرضا حمد جاسم المحترم

تحياتي

لكل داءٍ دواء يستطب به
،، حتى الحماقة آوت مَن يداويها،،

سنتفاعل بموضوعات ذات أثر جميل

مودتي

د. صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة إنعام كمونة المحترمة

أبهجني تفاعلك مع جوهر المغزى وباطن المعنى

أثمن إضاءتك اللبيبة الحاذقة

مع التقدير والإمتنان

د. صادق السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4733 المصادف: 2019-08-21 23:49:20