 أقلام حرة

الكراهية والحب!!

صادق السامرائيالحب في هذه المقالة يعني المحبة الإنسانية الخالصة.

الحب كالبناء والكراهية كالهدم، والهدم أسهل من البناء دوما!!

لكي نحب لا بد من بذل الجهد والمثابرة والجد والإجتهاد والإبداع المتواصل، حتى نطور عمارة الحب ونغذيها بنبع الطيب والنقاء والرجاء.

قد يقول قائل أن الحب أسهل من الكراهية ولكن دليله على ذلك سيكون ضعيفا، لأن التفاعلات البشرية توحي بأننا نغضب وننفعل ونختزن المشاعر السلبية أسرع وأكثر مما نختزن المشاعر الإيجابية تجاه الأشياء، وهذا يتسبب بصناعة المعاناة البشرية على مستوى الفرد والجماعة.

ويبدو أن في أعماق البشر ميل غير مُسيطر عليه لجذب المشاعر والإنفعالات السلبية وتخزينها وضغطها، لتساهم بإنفجارات سلوكية ذات نتائج مؤذية وقاسية وأحيانا بشعة .

لو تأملنا ما يجري في المجتمعات سنكتشف أن مشاعر الكراهية والغضب والإنفعالات السيئة تسري بين البشر كما تسري في الحطب اليابس.

ويساهم الجهل بزيادة يبوسة البشر وإحتراقه وتحوله إلى رماد، بينما الوعي والثقافة تزيد من رطوبة المجتمعات وتمنع إحتراقها السهل بنار الأحقاد.

ترى لماذا نميل إلى الكراهية أكثر من ميلنا للحب؟

أ لاننا لا نريد أن نعرف بعضنا البعض؟

أ لاننا نجهل بعضنا البعض؟

أم أن ذلك يحصل لأسباب أخرى؟

إن من أهم أسباب الكراهية هو الجهل الذي يكرسه عدم التفاعل، وبناء الجدران بين الأفراد والمجتمعات والديانات والمذاهب والمدارس والأحزاب، وتعميق خندق الأمية المحفور بينها.

ومن طبع البشر أن يُعادي ما يجهل، وكلما إزداد جهلا إزداد عداءً وكراهية لما يجهل.

إن التفاعل ما بين الأشياء يصنع حبا، والتباعد يؤدي إلى التجاهل والتباغض والتخاصم والكراهية.

والمجتمعات التي تضع حدودا وقيودا وجدرانا ما بين الناس، تساهم ببناء الكراهية وقتل الحب وتدمير المشاعر الإيجابية ذات القيمة المفيدة للمجتمع.

فالفواصل والحواجز ما بين أبناء المجتمع الواحد تكون ذات صفات متنوعة ودرجات متباينة، فهناك تمايز طبقي وإحتكار سلطوي وغيرها من المنغصات والحواجز.

كما أن الخوف من الآخر يولد الكراهية والأمن يحقق الحب، والتجربة المريرة مع الآخر تبذر الكراهية.

ولا بد للبشر المتحضر أن يخرج من صندوق الذات إلى فضاءات الحياة المطلقة، ويتنعم بحواسه الحرة بعيدا عن أقنعة الإنفعالات والتفاعلات السلبية المؤذية.

فنحن بحاجة إلى التفاعل البشري المتنور، المعطر بالقيم الإنسانية الرحيمة.

إن الطفل يتعلم الحب والكراهية من الألم واللذة، فما يعطيه لذة يعشقه وما يؤلمه يبتعد عنه وينفره.

ومشاعر الشك والقلق وعدم الثقة بالآخر تبعث في الأعماق الكثير من الإنفعالات السالبة.

والأديان تدعو إلى الحب، لكن عدم تفاعلها فيما بينها وجهلها لبعضها يتسبب بتنامي المشاعر السلبية وحدوث الصراعات.

إن الحروب البشرية لا يوقدها الحب بل تصنعها الكراهية، التي تؤكد وبائيتها وإستحالة القضاء عليها، والدليل على ذلك تواصل الحروب من غير توقف وتكاثر القتل البشري الشنيع، الذي هو أفظع وسائل التعبير عن البغضاء والسوء.

لماذا لا نحب بعضنا ونحقق السلام في الأرض؟

هل هذا نهج ضد إرادة الصيرورة البقائية على وجه الأرض؟

أم أنه يخضع لقانون لا نعرفه ويتحكم بسلوكياتنا ودوافعنا نحو إثارة الحروب والنزاعات، وعدم الإكتراث بالمحبة والسلام والوئام؟

من غرائب البشر أن الحب والسلام والتفاعل الإيجابي يُعدان ضعفا، والحرب والقتال الدائم يُحسبان من القوة والبسالة والشجاعة الفائقة.

وتكون الحرب وسفك الدماء بطولات وإنتصارات، أما السلام فما إحتفلت به البشرية على أنه نصر وبطولة.

إن التفكير البشري عموما عليه أن يخرج من صندوق البطولات والإنتصارات الواهي، ويرنو إلى السلام وتحقيقه على أنه البطولة الحقيقية، والنصر الكبير للبشرية على آفات سفك الدماء وملوثات الأدمغة بسموم الكراهية.

إن البطولة في الحب وليست في الحرب!!!

نعم أن البطولة في الحب!!

وكفى البشرية غيا وطيشا وإمتهانا للقيم والمبادئ السامية، التي جاءت بها أفكار السماء إلى الأرض المنكوبة ببشر لا يرحم، ولا يرى إلا سفك الدماء سنة ونهجا.

أمضت البشرية تأريخها في الحروب والقتال وأفنت جهدها في توفير أدوات ومستلزمات قتل النوع البشري، وما كرست جهودها للحب والسلام، وما عرفت معنى المحبة والأخوة الإنسانية في تاريخها إلا لهنيهات، ولا زالت على ذات المنوال ونفس المنهاج الدامي، الذي لا يرغب بتوقف ناعور الدماء النازفة ولو لبعض الوقت.

إن البشرية بعد أن وصلت إلى هذا المستوى الحضاري والمعرفي عليها أن تراجع نفسها، وتنظر إلى تأريخها بعين أخرى متطورة، وتصنع مستقبل الأجيال القادمة المبني على قيم الحب والسلام والأخوة والتعاون.

فكلكم من آدم وآدم من تراب، وكلكم أيها الناس إلى التراب تمضون، وستتحول أجسادكم ذات يوم إلى طين وتختلط أجسامكم ببعضها، كأنها ذرات متفاعلة بكل أواصر الحب والود والإنصهار.

"إذا كان أصلي من تراب، فكلها.. بلادي، وكل العالمين أقاربي"

ولا شيئ سوى الحب يصنع الوجود الإنساني الذي يحقق السعادة الأرضية المطلقة.

أما الحروب وقتل الأخ لأخيه فأنها تأتي بالمآسي والآلام، وتملأ الأرض دموعا وأحزانا وموتا ونزيفا وبهتانا.

فلتغادر الكراهية الأرض وترحل عنها بعيدا، فقد أتعبتنا كثيرا وأخذت من أعمارنا وجهودنا ما لم يأخذه أحد منا.

ولنحارب الكراهية ونقاومها بالمضادات الحيوية، ولنتحصن من بكتريا الأوجاع البشرية وطاعون النفوس الأسود، الذي يشيع الموت بين الناس ويُطعم الأرض من لحم بني آدم الطري، المغسول بالدماء والمطبوخ بنار الخوف والرعب والقلق.

فهل للمحبة سيادة على سلوكنا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

فعلاً د. صادق السامرائي أوافق الرأي ١٠٠ بالمئة، الحب صعب ويجب أن يتم تعلمه، والكراهية فطرية سببها الخوف مما نجهل. ألا نجد أن كل طفل سليم يمر بمرحلة (قلق الغرباء) بين عمر الثمانية أشهر وثلاث سنين فيستغرب باكياً خائفاً (كارهاً؟) لكل من لم يتعود على رؤيته؟ ألا تقتل القبائل البشرية المعزولة في بعض الغابات كل من يدخل دائرتها؟ وفي المقابل نرى البعض يتكلم اليوم عن (توسيع دائرة العائلة) لتشمل الإنسانية، ويدافع حتى على اللاجئين إلى بلاده من غرباء فعلاً عن ثقافة البلد، وشباب يتكلم عن أن بيتنا لا تحده جدران منزلنا بل هو الكرة الأرضية كلها فتجدهم مهمومين بتجمع البلاستك في المحيط الأطلسي. مقالة جميلة حقاً، وهي فعلاً في الصميم.

سامي عادل البدري
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي اخي العزيز

منذ زمان لم نتواصل
شكرا لمرورك المنير

مع أطيب الأماني

د صادق السامراءي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي اخي العزيز
منذ زمان لم نتواصل
شكرا لمرورك المنير

مع اجمل الأماني

د صادق السامراءي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4736 المصادف: 2019-08-24 04:04:57