 أقلام حرة

جَزاؤهُ جَزاء سَنمار... تَجربتي مع الجامعات العراقية

اكرم جلال

في البدء أرجو من الأخوة الأكارم ملاحظة التقييمات والدرجات التي حصلت عليها جامعة بغداد، في التصنيف البريطاني THE،  وبالتحديد معياري جودة التدريس ( حيث حصلت على 19.5%) وجوده البحث العلمي (7.5%).

والسؤال: إن كان هذا هو حال جامعة بغداد، فما هو حال جودة التدريس والبحث والنشر لبقية الجامعات والتي لم تدخل التصانيف العالمية أساسا؟

والآن ...

دعوني أضع بين ايديكم بعض الحقائق والتي حاولتُ أن لا أبوح بها طيلة الفترة الماضية، مُمَنياً نفسي بتغيير ما، وأترك لكم القرار:

قبلَ ثلاثة أعوام تقريباً، وبعد أن قدّمت ورقة إستقالتي من عضوية مجلس أمناء هيئة الاعلام والإتصالات، ولأسباب لا أود الخوض فيها الان، خرجت من بغداد وعدت الى لندن.

ولأني رأيتُ الواقعَ قد اصْطَبَغ بلون الدِرْهَم والدينار لذا أقسمت على نفسي أنْ ابدأ بمشاريع وعلى نفقتي الخاصة وبجهدي الخاص لدعم جامعاتنا العراقية (بحكم اختصاصي)، وبالمَجّان.

لَقَد أثارَ هذا التوجّه استهجان واستغراب بعض المقرّبين خصوصاً مجانية البرامج التي ستقدم.

لكني كُنتُ مُصِراً على المُضيّ، وفعلاً وبتوفيق من الباري عزّ وجل قمت بتأسيس مركز شيراد Centre for Higher Education Research and Academic Development،  وبحكم دراستي وتحصيلي الأكاديمي في الجامعات البريطانية (البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، والعديد من الشهادات التخصصية الأخرى) فقط تَوَطّدت علاقتي بالعشرات من الأساتذة ومن جنسيّات مختلفة فبدأت بدعوتهم للإنضمام لهذا المشروع. 

1132 اكرم جلال 1

ورغم أنّ المشروع لا يَملك ميزانية ماليّة،  حيث كنت اعتمد فيه على جهدي الخاص، فقد وَجّهت دعوة مَكتُوبة الی اكثر من مئتي شخصيّة أكاديمية، فوافق على الانضمام لهذا المشروع الخيري (غير الربحي) اكثر من خمسين أستاذ ومن جنسيات وجامعات عالمية (علماً ان ليس فيهم عراقي واحد رغم أني وجهت الدعوة لبعضهم فرفضوا، وقال بعضهم لا تتعب نفسك).

المشروعُ كانَ عبارة عن برامج تدريبية تعتمد المَعايير العالمية، وتهدف للإرتقاء بجودة التدريس والبحث والنشر العلمي في لدی اساتذة الجامعات والكليات في الدول النامية، فكان العراق محطتنا الأولى.

وفعلاً بدأت بفتح خطوط مع بعض الجامعات العراقية وبدأنا برامجنا من خلال ورش عمل عبر السكايب،  للإرتقاء بمستوی الجودة فكانت ردود أفعال الاساتذة المشاركين (المُتَلقّين) عظيمة، لكن المفاجئة جاءت بعد ثلاث او اربع ورشات عمل في احدى الجامعات في بغداد،  حيث تمّ إيقاف هذه الورش وانقطاع التواصل من تلك الجامعة والسبب ما زلت اجهله حتى الآن.

1132 اكرم جلال 2

واصلنا العمل مع جامعة اخرى في جنوب العراق وأيضاً وبعد عدّة ورش ناجحة ومثمرة وشهدت حضوراً وتفاعلاً تمّ ايقاف العمل وانقطع الاتصال معهم بالكامل.

ثم عادوا وطلبوا منّا برامج تَخُصّ التَهيئة والإستعداد للمشاركة في التصانيف العالمية، فَعَرضنا عليهم خَدمات مجانية، وهي عبارة عن استراتيجية عمل وبرامج وسلسة ندوات وورش عمل تضمن دخول الجامعة الى تلك التصانيف وبمراتب متقدمة،  وهيئنا تلك الخطط والبرامج  مع جميع المستلزمات، والتي أخذت منّا الوقت الكثير، بل وأبدينا حتى عدم الممانعة بالحضور وتقديم البرامج في العراق .

لكن المفاجئة كانت أقوى مما تصورنا، فبعد كل تلك الإستعدادات،  انقطعت الجامعة ومرة اخرى وتوقفت عن التواصل رغم حضور الاساتذة المكثف في الورش الأربعة او الخمسة السابقة التي قدمت، وردود الأفعال المشجعة.

1132 اكرم جلال 3

وهنا لا بد ان أكرر، أن  هذه المشاريع  كانت مجانية، في حين كان غيرنا يقدمها عبر شركات وبعقود مالية ضخمة،  وكنا نقدمها دون اي مقابل، فكان جزاء هذا المشروع ان توقف، وبقيت لا أجد حتى جوابا للأساتذة الذين دخلوا المشروع من اجل دعم التعليم العالي في العراق وهم من عمالقة التعليم والبحث العلمي هنا في اوربا.

لم أيأس، فبدأت بمشروع كتاب (Innovation to Higher Education)  يعنى بتقديم برامج تفصيلية عن آليه النهوض بمؤسسات التعليم العالي، والكتاب موجود ومنشور على موقع Amazon  وللاسف، لم يتبنى أحد هذا الكتاب رغم الإشادة الكبيرة التي حضي بها من قبل مختصين.

أخيرا،  أقول لم أندم ابدا لأن التكليف الشَرعي وإبراء الذمة هي المنطلق والأساس والمقصد من وراء ذلك، لكن الذي كان حجر عثرة سيقف يوماً بين يدي الله ليحاسب ويحاكم في محكمة عدل لا يظلم فيها احد.

أمّا العراق فهو بيتٌ له ربٌّ يَحميه،  وَكأنّي بطيور الأبابيل بدأت تحلّق في سمائه.

 

د. أكرم جلال

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الدكتور اكرم جلال المحترم
السلام عليكم
سخونة حروف الكلمات تعكس حجم الالم الذي انت فيه و مع ذلك يمكن ان نستشف بعض الامل فيها
بصعوبة سيكون من لك يُعين من هذا الجيل ...استنتج انك لن تقطع الامل لكن الرجاء العمل على انقاذ القادم من فشل الحاضرالذي تسبب في بعضه بعض الماضي
لا استطبع ان اقول انا على يقين لأني لا استطيع ان ادافع عن هذه العبارة لكن بسهولة اقول اعتقد/اتوقع/ ربما، لو تًشكل لجنة لإعادة تقييم الاطاريح منذ تسييس التعليم لليوم ...أكرر اتوقع /أعتقد،ربما ستجد اكوام تحتاج الى موقد يلتهمها بشراهة.
مهمة صعبة لكنها كما اتوقع الافضل وهي العمل على التقاط ما يمكن من الشباب لتخليصهم من اثم من يدفعهم الى الهامش...حيث ان هناك إفساد علمي.
أشعر انك ايها الكريم قادر على تقديم شيء رغم الصعوبات
........................
دمتم بتمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عبد الرضا ... شكراً لكم على حسن ظنكم .

أكرم جلال
This comment was minimized by the moderator on the site

ظاهرة محبطة ولكنها وللأسف متوقعة. يبدو لي أولًا أنّ كل شيء مجاني لا يدوم ولن يأتي بالثمار المرجوة. في تقديري ينبغي أولا الاعتراف بأنّ المستوى الأكاديمي العربي تدريسًا وبحثًا متدن جدا، إنّّه يأتي في ذيل القائمة كل عام. الاستعلاء وعدم الرغبة في الانفتاح على الجديد من الأساليب العلمية الحديثة ومواكبة الأبحاث العلمية في العالم المتقدم ونقص في معرفة اللغات مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية كل هذا يقف حجر عثرة في سبيل نهضة التدريس والبحث العلمي في الجامعات العربية. أضف إلى ذلك عائق رئيس وهو عدم التدريس باللغة العربية في المجالات العلمية!
ح. شحادة

Haseeb SHEHADEH
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذ حسيب .. أتفق معكم فنحن بحاجة لنهضة توعوية علمية من أجل النهوض بالواقع التعليمي الى الأفضل.
شكرا لكم.

أكرم جلال
This comment was minimized by the moderator on the site

للاسف هكذا وصل الحال في الجامعات العراقية
وكوادرنا المثقفة واصحاب الشهادات تترك
فعلاً الامر مقصود ان مايحدث هو مقصود كي لا ترتقي جامعاتنا حالها حال الدول الاخرى

Alaa
This comment was minimized by the moderator on the site

حييت أستاذ علاء .. بتكاتف أهل الخير والعلم والمعرفة ، أرى المستقبل مشرق إن شاء الله تعالى.

شكرا لكم

أكرم جلال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4757 المصادف: 2019-09-14 02:17:26