 أقلام حرة

نحو سلام عالمي

معراج احمد الندوييحتفل العالم في كل عام بيوم 21 من شهر أيلول في يوم السلام العالمي وذلك بموجب قرار أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكون مناسبة عالمية مشتركة تحتفل بها جميع شعوب العالم، لتكريس وتمجيد أهمية السلام لدى الإنسان وتعزيز الُمثل والقيم الإنسانية لتعم وتنتشر بين الجميع.

إن السلام سمة إنسانية بارزة وفلسفة راسخة يهدف إلى تحقيق الخير والسعادة للبشرية جمعاء. والسلام قيم إنسانية مشتركة للتسامح والتعايش والحوار واحترام التعددية الثقافية وقبول الآخر ونبذ العنف كافة أشكال العصبية والتطرف والكراهية والتمييز. إن القيم الإنسانية النبيلة لها دور رئيسي وحيوي في الجهود الدولية لتحقيق السلام العالمي، وترسيخ قيم التسامح والحوار والتعايش في تحقيق الأمن والأمان والاستقرار لجميع شعوب العالم.

لم تزل صيانة السلام العالمي وتدعيم التنمية المشتركة مهمة موحدة لكل الشعوب، في هذا السياق، يجب على دول العالم العمل على الاستفادة المتبادلة والتكامل على قدم المساواة وبذل جهود متضافرة لبناء عالم منسجم، كما يجب على دول العالم في توسيع التواصل والتعاون بين الدول على أساس المنافع المتبادلة في المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية الذي يحقق التنمية المشتركة والازدهار العام.

إن الاحترام المتبادل قوة من القوى التي تصون السن الحب للسلام والوفاء بالعهد والإيمان بحسن الجوار والاعتزاز بالصداقة مع كل دول العالم يمثل من الركائز الأساسية للثقافة الصينية التقليدية للسلام العالمي وتدعم التنمية المشتركة. القيم الموجهة نحو احترام الآخر والتسامح معه هي القيم التي تساعد في الانتقال من ثقافة الحروب إلى ثقافة السلام المرتكز على حقائق التعددية وآلية الحوار بين الثقافات، لأنه لا يمكن أن يزدهر السلم إلا بإشاعة روح التضامن والاعتراف بالإنسانية المشتركة.

إن قيمة السلام مطلباً ملحاً في جميع المجتمعات الإنسانية، لأن السلام هو الذي يمنح المجتمعات استقراراً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، فالنزاعات المسلحة وغياب الاستقرار السياسي لهما انعكاسات خطيرة على مؤشرات التنمية، والسلام العالمي هو مطلب أساسي وحضاري لتقدم الشعوب وتطورها، والسلام العالمي الذي يؤثر على الفرد والجماعة بشكل إيجابي للعيش بحرية ورفع معنويات الإنسان، ليصبح قادراً على الإنتاج والإنجاز بالعمل والعطاء وممارسة الحياة الطبيعية بدون تهديد حياته ومصالحه ونشر المحبة والتآلف والطمأنينة في أرجاء العالم كله.

التعاون والتناغم بين الحضارات المختلفة جعلت العلاقات بين الدول وبين الحضارات أكثر تعقيدا. فلا يمكن للحضارات المختلفة أن تساهم في التقدم المشترك للبشرية في الوقت الذي تحقق فيه التنمية الذاتية إلا من خلال الاستفادة المتبادلة وتعزيز التواصل والتفاهم والتعاون على أساس الاحترام المتبادل. يمكن احلال السلام  العالمي عن طريق التواصل والتفاهم والتعاون بين الأمم والشعوب.

1- التواصل: يعزيز التواصل بين الدول النامية ويمثل الحجر الأساسي للعلاقات الدبلوماسية في ظل الظروف الجديدة التي تقود إلى التفاهم. ثم التواصل يفترض الحوار والتفتح على الآخر ونبذ الفكر الواحد وقبول الرأي الآخر الذي يرتبط بترسيخ التفاهم كمرجعية لتفكير الأفراد وسلوكهم في مختلف المؤسسات الاجتماعية. والسلام العالمي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل الاعتراف بحق الناس في الحياة والعيش الكريم واحترام إنسانية الإنسان، واحترام حقوق الشعوب.

2- التفاهم: يؤدي التفاهم إلى سقوط الأفراد والجماعات في مزالق التطرف والتعصب ويزيد الاحترام للتنوع الثقافي. يقوم التفاهم بتعزيز القواسم المشتركة وإقصاء الفروق والانفتاح على الآخر المختلف والاعتراف بقيمة الآخر وقدرته والحوار معه الذي يقود إلى أسس التعايش السلمي.

3- التعاون: إن التعاون هو شرط ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي وإشاعة روح التضامن بين الشعوب. التعاون هو الطريق الذي يمكن من خلاله تحقيق السلام العالمي عندما يفهم مواطني العالم المشاكل العالمية. يمثل  التعاون إلى التقدم والازدهار ويخطو خطوات جريئة ويخدم التنمية الوطنية ويساهم في السلام العالمي.

إن التواصل الحقيقي يقوم على احترام خصوصيات وثقافات الأمم المختلفة، وأن الاختلاف في المعتقدات والمذاهب والأفكار لا يحول دون التلاقي والتشاور والوصول إلى الرؤية المشتركة الجادة التي تراعي المصالح العامة المشتركة.

لقد أصبح العالم اليوم أسرة إنسانية كونية تقوم على التواصل والتفاهم والتعاون، ولذا جاءت العلاقات التاريخية بين المجتمعات والدول مترجمة لتلك الضرورة الإنسانية. ومن المؤكد أن التواصل والتفاهم والتعاون من الأعمال الضرورية في العصر الحاضر في سبيل تحقيق الاستقرار والسلام في العالم.

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ثقافة السّلام أم دعوة للإستسلام؟

ليس عيب ان نعتذر من الآخر عندما نخطئ في حقه
--------------------------------------------------
التسامح معناه تجاوز الماضي و كل الخلافات و إعادة العلاقات إلى طبيعتها ، أي فتح صفحة جديدة مع الآخر دون محاسبة أو تقديم اعتذار للطرف المظلوم، و التسامح كما يراه المنظرون و إن كان قيمة إنسانية فهو يشعر الآخر بالهيمنة و أنه استطاع أن يسيطر على الوضع، فقد يجعله يتمادى في ظلمه إن مرت الأمور بشكل عشوائي، أي دون أن نوقف الظالم عند حده و نجعله يُقِرُّ بذنبه و يعترف بخطئه، فكم من الخلافات التي ادت إلى القطيعة بين الأفراد سواء داخل الأسرة أو المجتمع أو حتى بين الشعوب أي بين دولة و أخرى، و وقعت بينهما حروب ، لأن الطرف الأول تجاوز حدوده مع الطرف الثاني، و استغل طيبته، أو استولى على حق من حقوقه و لم يعترف بها، بسبب التعصب، كثير من يستغل طيبة الآخر فيتجاوز حدوده معه إلى حد أن يسلبه حريته و شخصيته بحجة أنه طيب و متسامح و نقول عن ذلك الشخص أنه ( ناس ملاح) ، لكننا في الوقت نفسه نشعر بالنشوة لأننا انتصرنا عليه و جعلناه يسامح، و نقول في أنفسنا: " مسكين، لقد تمكنا من الضحك عليه و استغلال طيبته"

يحدث هذا في مجتمعنا الجزائري (كنموذج) و ربما في مجتمعات أخرى، و لا يتعلق الأمر بين أشخاص لا تربطهما علاقة قرابة أو جيرة، بل حتى مع الأقرباء، و لو صادفهم أن ذلك الإنسان ( الطيب) حاول أن يذكرهم بأخطائهم و أنهم لم يفكروا مجرد التفكير أن يقدم اعتذارا، لقالوا أنه ضد التسامح و ضد ثقافة السّلام، و قد يصفونه بالتعصب و العنجهية، و مثل هذه السلوكات لا تأتي طبعا إلا من شخص يريد أن يصطاد في الماء العكر، لقد دعا كثير من المنظرين في قضايا السلام و التسامح، و تجاوز أخطاء الآخر إلى التفريق بين التسامح و الإحترام ، و التفريق بين السلام و الإستسلام، مثلما ذهب في ذلك الفيلسوف الفرنسي جان جوراس، طبعا لا أتسامح مع من لا يحترمني و يصر على عدم احترامي، أو يقفز على الخطوط الحمراء، لا أتسامح مع من يصر على الإساءة إليّ، أو استفزازي بشكل من الأشكال، أتجاوز عن أخطائك عندما تعتذر، و تبدأ حريّتي عندما تنتهي حريتك
ليس عيب أن نعترف بأخطائنا، ليس عيب أن نقر بذنوبنا ، و ليس عيب أن نعتذر لمن أخطأنا في حقهم، و أن نطلب السماح منهم، و لكن العيب كل العيب أن نتمادى في أخطائنا و نعتقد الآخر أنه ساذج و لا يفهم، فالحديث عن التسامح يجب أن يقابله كلام عن الحق المشروع و الإعتراف به، فماذا يعني أني أسامحك و أنا بداخلي مازلت أشعر بالظلم؟ بداخلي جرح لم يندمل؟ لا ينحصر هذا الكلام في الصراعات بين الشعوب كما نراه في فلسطين مثلا، و إنما بين أفراد المجتمع الواحد وبين الأفراد داخل الأسرة الواحدة، و إمّا فنحن أمام واقع مفروض علينا، هو أن نكون جبناء، أذلاء ( رْخَاسْ)، و نردد ما قاله محمود درويش:
ما فات فات.. و من مات مات
سأقضي على الذكريات
سألغي احتفالات يوم الشهيد لننسى الضغينة
سأحرث مقبرة الشهداء الحزينة و أرفع منها العظام
لتدفن في غير هذا المكان، فرادى فرادى..الخ
علجية عيش

علجية عيش
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4764 المصادف: 2019-09-21 03:49:44