 أقلام حرة

أسدٌ على الأقوياء، نعامةٌ مع الضعفاء!

منى زيتونتعليقًا على ما ذكرته في الجزء الخاص بالإفصاح عن الذات في مقالي "أنماط التواصل اللفظي"، وهو من مقالات كتابي "مهارات التواصل الاجتماعي"، جاءني السؤال التالي:

ذكرتي في مقالك أن هناك مستوى من المعلومات عن الفرد غير معروفة للفرد نفسه ومعروفة للآخرين، وأن لمعلومات هذا المستوى أهميتها العظمى في ميدان التواصل الاجتماعي؛ حيث يرى الناس صورة للفرد لا يراها لذاته، وربما يعرفون عنه ما يتناقض مع معرفته لنفسه، فقد يرى الفرد نفسه قائدًا بينما يراه الآخرون مسيطرًا! وقد يرى نفسه مراعيًا لحقوق الناس بينما يراه الآخرون عدوانيًا! وقد يرى نفسه حريصًا على التواصل مع الآخرين بينما يراه الآخرون عازفًا ومقصرًا عن التواصل معهم! وقد يرى نفسه معتزًا بكرامته ويراه الآخرون مغرورًا! وقطعًا يصعب أن يتفق الناس على نظرة واحدة للفرد الواحد؛ فمن يرون شخصًا عدوانيًا ربما كان ذلك لوقوفه مع أصحاب الحق ومعاداتهم لأنهم الطرف الظالم في قضية ليس إلا. لكن، مع ذلك يبقى التعرف على منظور الآخرين حول الفرد وكيف يرونه هامًا، ويلفت نظر الفرد إلى مسببات كثيرة لسوء الفهم الذي يتصل بسلوكياته.

وسؤالي لكِ: المثال الذي ضربتيه بشأن رؤية بعض الناس للشخص عدوانيًا لأنه قد وقف مع خصومهم لأنهم من عليهم الحق هو مثال مفهوم، ولكنه لا يكفي؛ وأنا تحديدًا أريد أن أفهم المثال الذي ضربتيه بأن شخصًا قد يرى نفسه معتزًا بكرامته ويراه الآخرون مغرورًا! لأنني فسخت خطبتي قريبًا من شخص شديد التغطرس والتكبر في معاملته معي، بينما يرى نفسه شديد التواضع، وأنه فقط معتز بنفسه وبكرامته، والعجيب أن هناك بالفعل من يراه متواضعًا، أي أن هناك من يتفق معه في نظرته لنفسه، وهناك من يختلف تمامًا!

***

أجبت:

الأخت العزيزة، بدايةً، لا بد من توضيح أن هناك فرقًا كبيرًا بين الكبر والاعتزاز بالنفس؛ فالاعتزاز بالنفس هو شعور موجه نحو الذات لا دخل للآخرين فيه، أما الكبر فهو انفعال موجه نحو الآخرين، فلم يُوصف إبليس اللعين بالكبر ويُطرد من رحمة الله إلا عندما بدأ يقارن نفسه بآدم عليه السلام ويُصر على النظر إليه بدونية ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].

وقد يكون هناك شخص شديد الاعتزاز بنفسه والثقة فيها وفي قدراته، ولا يظهر ذلك أمام الناس بتاتًا، بغض النظر إن كان هناك ما يبرر تلك الدرجة المرتفعة من الثقة في الذات والاعتزاز بها أم لا، فهذا ليس موضوع النقاش الآن. كما أنه وعلى عكس ما قد يتصور كثير من الناس فإن كثيرين ممن يظهرون الكبر يفتقدون الثقة بالنفس، وغالبًا يدارون نقصًا ما في نفوسهم بإظهار التكبر على الآخرين أو تحديدًا على فئة خاصة من الآخرين!

أما بخصوص أسباب اختلاف نظرة الناس للفرد الواحد، واختلاف تقييمهم الموضوعي له في صفة بعينها، رغم استناد هذا التقييم إلى  التفكير المنطقي وليس العاطفي، فلنتفق أولًا على أن هناك مواقف يُكوِّن الناس فيها رأيًا عن الشخص بسبب رد فعله تجاه أفعالهم، وقد يكون رد الفعل هذا متناسبًا تمامًا مع ما فعلوه أو قالوه مهما بدا سيئًا، ولكن أيضًا توجد مواقف عديدة يُكوِّن الناس فيها رأيًا عن الشخص بسبب أفعال بدرت منه وليس ردود أفعال، وفعله تجاه فئة من الناس قد يختلف تمامًا مع فعله تجاه فئة أخرى أو أفراد آخرين! ومن ثم فعند تقييم رأي كلا الفئتين فيه أجد كل منهما محقة في الرأي الذي كونته رغم تناقض الرأيين!

ولكن لماذا قد يحدث هذا؟ لماذا قد يتصف الإنسان بالصفة ونقيضها في تعامله مع فريقين من الناس؟!

والإجابة تنجلي بشرح المثال الذي طلبتي إيضاحه. ووفقًا لما فهمت من نقاشي معكِ عن أحوال خطيبك السابق فقد كان مديرك في عملك السابق الذي تركتيه بعد فسخ الخطبة، وفارق العمر بينكما كبير، وهو شخص ناجح ومسئول، يتعامل مع أغلب الناس بتواضع شديد، ولكن العجيب أنه لا يكاد يتكبر ويتعامل باعتزاز زائد في النفس إلا مع ذوي النفوذ والسلطة وذوي الأهمية. وأنه طيلة الوقت الذي كنتِ فيه موظفة عادية قبل خطبته لكِ كان يعاملك برفق مثل بقية العاملين، ولكن تغيرت معاملته للسوء بعد الخطبة، وصار يتجاهلك ولا يظهر اهتمامه بكِ باعتبارك خطيبته، رغم أنكِ تطلبين الاهتمام خارج نطاق العمل، ورغم تمسكه الظاهر بخطبتك، وشعورك بحبه الدفين لكِ، فقد اضطرك لفسخ الخطبة وترك العمل!

وفقًا للميثولوجيا القديمة فإن لكل إنسان منا طاقة حيوانية تسيطر عليه، ويبدو أن الطاقة الحيوانية التي تكمن داخل خطيبك السابق هي طاقة الأسد، فهو يرى نفسه ملكًا، ولا يرى بأسًا في التودد والتواضع للضعفاء الذين لا يناظرونه قيمة، والأسود –لمن لا يعرف- من أرق وأحنى الوحوش على صغارها وصغار غيرها من الحيوانات، فتترفع عن أن تفترسها مهما بلغ بها الجوع، ولكن هذا الشخص الأسدي ذاته في المقابل ينتفخ ويتغطرس أمام من يراهم في مثل قدره، وكأنه صراع بسط نفوذ مثل الذي يحدث في الغابة بين الوحوش، وهو ليس واعيًا بأنه يفعل ذلك معكِ ومع غيرك ممن لهم أهمية، فهو أسدٌ عليكم، نعامةٌ مع الضعفاء. بل ولا يفهم أن تواضعه مع الضعفاء والبسطاء هو جزء من غطرسته وشعوره المرتفع بقيمة ذاته، وأن ما ظاهره التواضع ليس في الحقيقة سوى التعامل مع هذه الفئة من علٍ باعتباره الملك وباعتبارهم الرعية الذين يرغب في حبهم له لأجل مزيد من شعوره بسطوة المُلك ولذة القيادة.

وأنتِ بانتقال رتبتك عنده من واحدة من العاملين تحت قيادته إلى خطيبته تحول مركزكِ لديه، ودخلتي دون وعي منه في دائرة من يريد بسط نفوذه عليهم وليس من يتواضع لهم! وربما كان لنجاحاتك وتميزك في عملك الفترة الماضية أثرها في إثارة غيرته، ومن ثم دخولك هذه الدائرة عنده.

وعلى كلٍ فإن هذا النموذج من البشر أفضل كثيرًا من النموذج المعاكس الأكثر انحطاطًا وانتشارًا الذين يتكبرون على الضعفاء، بينما يتعاملون برقي وذوق مع من هم في مستواهم وينتمون لطبقتهم الاجتماعية.

ولكن في النهاية فإن الإنسان الناضج هو من يعرف كيف يتوازن في تعامله مع غيره من الناس؛ فلا يتذلل لفئة ليستأسد على فئة أخرى منهم، ليبدو أحيانًا هابيل وأحيانًا قابيل، أو دكتور جيكل ومستر هايد، وكأنه الخير والشر مجتمعين في جنبات نفس واحدة!

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4783 المصادف: 2019-10-10 00:56:27