 أقلام حرة

المشهد العراق الآن.. الصحوة

رياض الدليميان جاءت الصحوة متأخرة خير من أن لا تأتي

لا يمكن تقسيم الشعوب الى شعوب نائمة وخاملة وأخرى حيّة بل الظروف التي تعيشها هذه الشعوب وما تمر بها هي التي  تحدد ماهيتها وهويتها وكينونتها، وطالما ان الظروف والاحوال متغيرة وفق الازمان والاماكن فهذا ينسحب عليها وتسهم بإسقاطاتها وسيرورة فعلها اللحظي .

الشعب العراقي كسائر شعوب الارض مرّ ويمرّ بظروف مستقرة مرة ومضطربة مرة أخرى، وفق الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية فهو يتعاطى مثله مثل أي بلد مع الاحداث المحيطة به ووفق التحولات العالمية وهذا ما شاهدناه بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية فقد انعكست عليه وعلى كل بلدان العالم نتائج هذين الحربين ولم يكن بمعزل عن ما جرى من تحولات عالمية حيث انقسم العالم الى محورين أولا ومن ثم ظهور تكتلات سياسية واقتصادية وعسكرية هيمنت على العالم بأسره وتحكمت به وخاصة تحكمها بالدول الصغيرة   .

من الضرورة التذكير  بأن أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من حروب  وردود افعال وقبلها حرب الخليج وتفكك الاتحاد السوفيتي هي بمثابة عهد جديد من الصراع العالمي للاستحواذ والهيمنة والنفوذ على مختلف الجغرافيات التي تحقق الامن القومي للدول الكبيرة ومصالحها الاقتصادية الاستراتيجية لذا تجدد الصراع العالمي من جديد فمنه المعلن ومنه المخفي وبأساليب تقليدية او جديدة احيانا.

بعض الدول وحديثنا هنا عن العراق قد لا يعي هذه الحقائق وربما يعيها ولكنه لا يملك القوة الفاعلة للتصدي لها مما ولد ارباكا في مفاهيمه وشعاراته  ومصالحه وخطاب أنظمته المتعاقبة فبات يتخبط مرة فينجر ويندفع نحو هذا القطب وذاك وحسب المتاح له من فرص ومصالح،  وفي بكل الاحوال خسر العراق جل رهاناته واقطابه ومصالحه لأنه لم يخطط بشكل عميق وبعيد وفق متطلبات مصالحه الاستراتيجية وربما لا يدرك او لا يملك القدرة على الاستشراف والتخطيط والنظرة المستقبلية للدولة ولمصير شعبه لهذا كان ومازال عرضة للاهتزازات العالمية والاقليمية وفي كل مرة يكون الضحية ولم يستفد من تجاربه وما ألم به من مآس ومحن ولم يفوت الفرص على من يتربص به ولأسباب عدة ومن أهمها قصور الرؤى لدى الأنظمة الحاكمة وغياب الشعور الوطني والانساني وعدم ادراك اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم .

وحديثنا اليوم هل استطاعت الطبقة الحاكمة في العراق منذ عام 2003 ولحد الآن أن تعي المرحلة ؟

الدولة في مفهومها البسيط هي شعب ومنظومة سياسية حاكمة لذا لا يمكن فصل الشعب عن هذه المنظومة فكلاهما مكمل للآخر وانعكاس لثقافته وهويته المجتمعية حاضر وماض . ستة عشرة سنة مضت منذ 2003 والمجتمع لم يفرز سوى هذه المنظومة بوجوه أشخاصها وعناوينها السياسية،  فيبدو انه غير قادر على  التغيير بما ينسجم مع تطلعاته وأهدافه ومتطلباته الحياتية بل رضخ في أغلبه لإملاءات الطبقة السياسية ونهجها وهذا ما لمسناه في كل الدورات انتخابية، هذا يعني أن عموم الشعب قد انصهر وقَبِل بتوجهات وأجندات المنظومة الحاكمة وهذا ما نراه في آخر دورة انتخابية رغم عزوفه عنها لكنه أفرز ذات المنظومات، وقد يتكرر المشهد في الدورات الانتخابية القادمة من خلال هيمنت المنظومات على القرار السياسي العراقي واشتراطات الانتخابات وقوانينها  التي تسهم بتدويرها مرات ومرات.

عندما نَصف الشعب العراقي بانه مكبل ومغلوب على أمره وخاضع لأي نظام سياسي يحكمه فأننا نكون قد فقدنا صوابنا ورشدنا وفهمنا لان الشعب العراقي لم يعش على هذا الكوكب بمفرده ولم يكن في يوم ما خارج عن حركة التاريخ بل هو فاعل ومتفاعل معها وجزء لا يتجزأ منها، وعندما تحن الظروف له وتتاح  فرص التغيير والانقلاب على واقعه فمؤكد سيستثمرها أيما استثمار كسائر شعوب العالم، ونحن نتحدث هنا عن الصحوة الأخيرة للشعب العراقي وخروجه باحتجاجات جماهيرية واسعة وسميت هذه (بانتفاضة تشرين) وغيرها من التسميات وفي كل الاحوال هي احتجاج ورفض للواقع الحياتي الذي يعيشه الشعب من بؤس وعوز ومستقبل مجهول وفقدان الامن والاستقرار .

والسؤال المطروح هنا بعد ان خفت أو تأجلت الاحتجاجات الى اين ستؤول  الامور وتتجه بوصلة العراق؟

لقد أيقنتْ المنظومة السياسية التي تقود البلاد بان الشعب يعيش في لحظات التمرد والانقلاب وفقدان الثقة بها وتكرست شعاراته واتضحت وحددت  مطالبه بالتغيير ولم يعد يثق بالوعود ولن تنطلي عليه أية أساليب تخدير وأكاذيب وأوهام .

الاشكالية الكبرى التي تواجه الطبقة السياسية الحاكمة  سوف لن تتنازل عن مكتسباتها التي تحققت لها طيلة السنين الماضية والشعب يطابها بالتنازل كأول شرط لبناء الثقة فيها والمضي في مشاريع الاصلاح التي قدمتها له .

نعتقد ان المكاشفة والمراجعة والتنازل قد تكون أحدى السبل الناجعة لاحتواء الازمة مرحليا، ويجب ان تقدم  للتهدئة وتخفيف غليان الشعب الناقم عليها لأنه حملها المسؤولية التاريخية عن الواقع المؤلم الذي يعيشه .فيتوجب على الطبقة السياسية أن تدرس وتقف مليّا على مستوى الغضب الجماهيري العارم الذي شهدته كل محافظات العراق قبل ان تنطلق الى حزم الاصلاحات والمشاريع ولابد أن تدرك بان الشعب قد فاق وعيه كل التصورات ولم يعد يقبل بالقليل ولم يخرج بشعارات مطلبية ضيقة بل طالب بإصلاح سياسي شامل هذا أولا، لكن  وللأسف لم يناقش هذا الامر مطلقا في مشاريع الاصلاحات التي طرحتها الطبقة السياسية فقد انصب جل همها على تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل متناسين ان الشعب كانت أول مطالبه الاصلاحات السياسية، وقبل ان تفوت الفرصة ولضيق الوقت نعتقد لابد من تقديم  مبادرات أكثر صدقية وجدية وواقعية تنسجم مع طموحات وشعارات الجماهير المحتجة، وعدم الذهاب بحلول ترقيعية وقتية تستنزف اقتصاد البلد وموارده واحتياطاته النقدية وغيرها ويصبح العراق بلدا مفلسا، ومن ثم سوف تتجدد الاحتجاجات بقوة أكبر وربما تواجه بالعنف والقمع وقد يجر البلاد الى أعمال عنف وفوضى ويتكرر المشهد السوري والليبي في العراق وسوف لن ينجو من خطره اية جهة سياسية، ولا يستبعد ان تنسحب هذه الفوضى على كل بلدان المنطقة .

 

رياض ابراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4783 المصادف: 2019-10-10 11:04:00