 أقلام حرة

حديث الصالونات حول عملية "نبع السلام" التركية شرق الفرات

بكر السباتينتشعبت الحوارات خلال الأحاديث العابرة في الشارع الأردني من خلال الدوائر المغلقة في المناسبات الخاصة وفي صالونات البيوت العامرة بأهلها حتى في المركبات العامة والخاصة، أو على الهواتف بين الأصدقاء.. والموضوع يتعلق بارتدادات عملية "نبع السلام" التركية شرق الفرات ما بين مؤيد ورافض لها رغم وجود توافق نسبي على قبولها من خلال الخوض في التفاصيل.

فمثلاً حماس تؤيد تركيا في هذه العملية العسكرية التي تشق طريقها (وفق اسمها) في يباب شرق الفرات كينابيع السلام. وقلت لصديقي المثقف اليساري الذي انتقد الموقف الحمساوي بأن المقاومة في غزة درجت على الوقوف إلى جانب كل من يقف معها في الحرب المفتوحة مع الكيان الإسرائيلي مثل: إيران التي دعمتها بالمال والسلاح، وحزب الله الذي يتخندق معها في مواجهة العدو الإسرائيلي. واليوم تعلن عن وقوفها معنوياً إلى جانب تركيا التي تستهدف المشروع الكردي المدعوم من قبل الكيان الصهيوني وحلفائه من عربان صفقة القرن، وذلك من خلال دخولها شرق الفرات بتوافق إيراني روسي ودون اعتراض سوري رسمي، ينسجم مع اتفاقية أضنه عام ١٩٩٨ لأن هذا المشروع الكردي الصهيوني يشكل خطراً على خاصرة كل من إيران وتركيا والعراق وسوريا.

وبالأمس أرسل إلي صديق بخبر عبر صفحتي في "فيسبوك" مفاده بأن بيان الجهاد الإسلامي الرسمي جاء يطالب من باب النصيحة بخروج تركيا من الأراضي السورية وهذا يختلف مع الموقف الحمساوي في الشكل لكنه يتوافق معه في الجوهر، لكنه أيضاً يعطي مجالاً للذباب الإلكتروني كي يصطاد في المياه العكرة من خلال إثارة البروبغاندا المضللة.. إن حركة الجهاد الإسلامي ترى بأن سوريا من خلال جيشها هي الكفيلة بلجم المشروع الكردي الصهيوني دون الحاجة لتدخل تركي.. والحركة تقدم من خلال موقفها هذا دعمها المعنوي لحلفائها وفق منظورها الاستراتيجي الخاص. من جهة أخرى فإن حركة حماس في المعايير الحزبية من منطلق كونها تنتمي إلى (جماعة الإخوان المسلمين) فهي الأقرب إلى حزب التنمية والعدالة التركي الذي ينتمي إليه أردوغان ومن الطبيعي أن يقف الطرفان إلى جانب بعضهما في الملمات.. وفي خلاصة الأمر فلا خلاف بين الجهاد وحماس ما دام الهدف يجتمع على أن شرق الفرات أرض سورية يجب أن تنظف من التنظيمات الكردية المدعومة من العدو الإسرائيلي سواء أيدت حماس عملية "نبع السلام" أو عارضتها حركة الجهاد الإسلامي، وخاصة أن الهدف على صعيد فلسطيني يتمثل بضرب الحركات الكردية الموالية للعدو الصهيوني. هذا هو التوازن المتجلي في مواقف المقاومة الفلسطينية الحساس بكل فئاتها مع جميع حلفائها الداعمين لها لوجستياً.. وهو موقف لا يجمع عليه جميع الفلسطينيين الذين تأخذهم التجاذبات الإقليمية إلى التضارب في الآراء والمواقف. ويذكرني ذلك بما قاله لي أحدهم في السياق ذاته بأن القلة من الفلسطينيين والعرب ما زالت تدير وجهها عن فلسطين وتعزف طول الوقت على وتر الطائفية التي تفرق بين المسلمين حسب انتماءاتهم الطائفية، وتدافع عن تركيا من هذا المنطلق.. وهذا سيحرج موقف تركيا على صعيد دولي مع أن عملية "نبع السلام" عملية تتبنى أهداف تركية خاصة لكنها تتوافق مع مصالح دول إقليمية أخرى ولا تتناقض مع مبدأ رفض صفقة القرن.

وفي مناسبة أدبية قبل أيام، قلت لصديقي من المحسوبين على التيار القومي البعثي، والذي حاول جاهداً شيطنة حماس:" اتركوا المقاًومة تتمترس مع حلفائها في الوقت الذي تخلى عنها الجميع وخاصة الدول العربية التي تدعم صفقة القرن.. لا تصطادوا في المياه العكرة.. فالدول أعلاه بما فيها سوريا وحزب الله هم حلفاء المقاومة في الحرب ضد الاحتلال الإسرائيلي المتمدد في العمق العربي جغرافياً وسياسياً".

أحد اليساريين هاتفني قائلاً في سياق دفاعه عن المشروع الكردي:

" ولكن الأكراد يحملون فكراً تقدمياً وجلهم من اليسار العالمي" ولا أدري لماذا تناسى بأن دولتهم في كردستان العراق وتمددها الغير شرعي شرق الفرات لها دور وظيفي صهيوني.. ولكن الأدلجة تأخذ المتعصبين من المثقفين إلى منطقة اليباب وشيطنة الآخر.. البعض فقط لأن الغالبية هم جزء من المقاومة.. بالأمس اتصل بي شقيقي علي (أبو نزار) وكنت مع شقيقي الآخر م عمر في مناسبة عزاء وهما من المتابعين بدقة لما يدور حولنا من قضايا ساخنة. وقال لي: "حتى لا نظلم تركيا فتأييد غالبية الناس لعملية " نبع السلام" التركية شرق الفرات جاء من منطلق أن الدولة الكردية مشروع صهيوني.. والأتراك سيقدمون خدمة لسوريا من خلال مساعدتهم في كنس قوات سوريا الديمقراطية الكردية وحزب العمال الكردستاني الذي تستهدفه تركيا"

فقلت له: "ألا ترى بأن أعداء تركيا يدفعونها باتجاه غزو الشمال السوري!؟ لماذا لا يكون الأمر مجرد فخ نصب لأردوغان؟".

وفي سياق متصل، كنا في السيارة وهي تأخذنا من الزرقاء باتجاه عمان، أثناء ذلك كان م عمر (أبو نضال) يصر على أن مجساته الاجتماعية كانت تتلمس اتجاهاً عاماً لدعم تركيا من باب العداء للمشروع الكردي الصهيوني وهذا لا يخالف المصلحة السورية وخاصة أن اللاجئين السوريين سيعودون إلى ديارهم، رغم أن القوات السورية تتقدم شمالاً باتجاه حدودها دون اعتراض ميداني من قبل الجيش التركي.

في الحقيقة ما يعنيني في هذا الحوار أنه بشكل نموذجاً لردة فعل الشارع الأردني، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار حول ما يدور من عمليات عسكرية تركية شرق الفرات، والكل كان متوافقاً حول خطر المشروع الكردي المدعوم صهيونياً ومن قبل عربان صفقة القرن، وأن العمليات التركية تتوافق مع مصلحة سوريا، إضافة إلى أن حلفاء الأخيرة يؤيدون العمليات وخاصة أن روسيا منعت استصدار قرار ضد تركيا في مجلس الأمن. حتى أولئك الذين ناقشوني حول الموضوع ونحن في بيت الأجر كانت آراؤهم قريبة من ذلك إلا أن أحدهم ظل مصمماً على أن العمليا التركية ما هي إلا عدوان تركي على سوريا لأن أردوغان يجحفل مع قواته سرايا مدربة من الجيش السوري الحر الحليف للعدو الإسرائيلي.. ورغم ذلك همس في أذني:" في المحصلة جاءت العمليات مناسبة حينما توجه الضربات الماحقة لمشروع الدولة الكردستانية المتصهينة، وبعدها يخلق الله ما لا تعلمون، فربما يتم التفاهم مع الأتراك دولة إزاء دولة".

وما زلنا في السيارة وأبو نضال يشرح لي استنتاجه حول ما قاله بوتين في أن الأتراك سيتفاوضون مع نظام سوري متوافق عليه.. وأخذه الظن إلى أن ذلك يمثل تراجعاً روسياً عن دعم الأسد. وقلت له هذه رهانات قديمة واعتقد بأنه لن يكتب لها النجاح، مع أنه في السياسة كل شيء محتمل؛ أما المهم عندي فهو خروج الجيش التركي من شرق الفرات إن نجحت العملية، ومن ثم تسليم شرق الفرات إلى الجيش السوري مع الحفاظ على وحدة سوريا شريطة تقديم ضمانات سورية لأمن تركيا، وبالتالي عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، حيث تتوافق كل الأجندات الإقليمية على ذلك، ومن ثم يكون بوسع حزب التنمية والعدالة إنقاذ نفسه على صعيد داخلي وبالتالي ستقطع الطريق على طموحات العدو الإسرائيلي في إقليم كردستان العراق وشرق الفرات، لا بل سوف تموت الفرص أمام عودة داعش إلى هناك. ولكن هذا بدوره لا يمنع من تفرق الرهانات المتضاربة أمام حقيقة أن الحرب ليست نزهة.

وعليه فيمكن تلخيص أهداف العملية التركية في النقاط التالية كما جاء في إحدى مقالاتي السابقة، وقلت فيها بأن دخول تركيا الأراضي السورية عسكرياً لم يكن اعتباطياً فقد تهيأت له تركيا جيداً، ويجيء ذلك لعدة أهداف تتجلى فيما يلي:

أولاً: ضرب الأكراد وعمل مناطق آمنه لسد منافذ الدعم اللوجستي إلى المنظمات الإرهابية كداعش وحزب العمال الكردستاني

المتمركز في تلك المناطق المحاذية للحدود التركية السورية إلى جانب القوات السورية الديمقراطية الكردية.

ثانياً: إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم وتحديداً منطقة العمليات العسكرية التي تضم قرى كثيرين منهم، حيث غادروها بسبب الحرب الأهلية السورية، وخاصة أنهم باتوا يحرجون موقف أردوغان الداخلي والإقليمي.

ثالثاً: وبناءً على تحقيق الهدفين السابقين، يتمكن حزب التنمية والعدالة ممثلاً برئيسه رجب طيب أردوغان من استعادة شعبيته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وخاصة أن ما يقلق الحزب هو بروز منافسين في المعارضة التركية ومنشقين من داخل الحزب نفسه، باتوا يطرحون معضلة اللاجئين كأحد أخطاء الرئيس أردوغان، لذلك يسعى الأخير بسرعة لسحب هذه الورقة وتحويلها لصالحه.

رابعاً: وهناك سبب آخر تجتمع عليه كل من إيران وسوريا وتركيا ويتمثل بقطع الطريق على العدو الإسرائيلي من استكمال مشرعه في تعزيز استقلال الدولة الكردستانية الموحدة التي تضم كردستان العراق وشرقي الفرات. فالخبراء العسكريين الإسرائيليين يشرفون على بناء حزب الحياة الكردي "البيجاك" المرتبط وجدانياً واستراتيجياً مع الأكراد شرق الفرات. إن كردستان الكبرى من شأنها لو كتب لها النجاح أن تشكل خطراً داهماً على تلك الدول الإقليمية وخاصة أن الدعم اللوجستي الإماراتي متوفر.

وأخيراً وبالعودة إلى موقف المقاومة في غزة وعلى رأسها حماس، المؤيد لعملية نبع السلام التي تجتمع على ضرورة ضرب الوجود الكردي شرق الفرات كونه مدعوماً من قبل العدو الإسرائيل وحلفائه العرب من أقطاب صفقة القرن، وذهاب حماس إلى تأييد تركيا، وهذا لا يتنافى مع اتفاقية أضنة عام ١٩٩٨، مقابل موقف الجهاد الإسلامي الرافض لأي تجاوز لدور الجيش السوري الذي من المفروض أن تناط به هذه المهمة؛ إنها لعبة المصالح القائمة على مبدأ " أقدم الدعم لمن يقف إلى جانبي في الملمات"، حيث أن المنطق يقول بتأييد من يقف ضد صفقة القرن ويدعم المقاومة بالمال والسلاح ويناصرها قانونياً وسياسياً. وسوريا وتركيا كلاهما يؤيدان المقاومة التي تتفق جوهرياً على أن خاتمة عملية "نبع السلام" يجب أن تنتهي بتسليم تركيا ما ستحتله من أراضي شرق الفرات للجيش العربي السوري الذي يمثل الدولة السورية وليس للجيش السوري الحر؛ ومن هنا جاء موقف المقاومة في غزة التي تواجه عدواناً إسرائيليا لا ينتهي مؤيداً لضرب المشروع الصهيوني الكردي الذي يشكل خطراً على حلفائها التقليديين: إيران وسوريا وتركيا. ولا أتمنى أن تكون "نبع السلام" مجرد فخ نصب لتركيا للتخلص من أردوغان وإعادة خلط الأوراق وتغيير قواعد الاشتباك من قبل خصوم حزب التنمية والعدالة في الداخل والخارج. في المحصلة من الصعب الرجوع عن قرار الحرب ونتمنى أن تكون النتائج لصالح الإقليم وضد التمركز الكردي المدعوم صهيونياً شرق الفرات .

 

بقلم بكر السباتين

14 أكتوبر 2019

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4789 المصادف: 2019-10-16 00:20:32