 أقلام حرة

الساسة إذا دخلوا مظاهرة أفسدوها ونزعوا الشوك من دبابيرها..

موسى فرجالمظاهرة والانتفاضة والثورة والانقلاب العسكري مفردات لا تعني الأمر نفسه لا في الأسلوب ولا في الغرض ولا في النتائج المطلوب تحقيقها منها ولا في ردة فعل السلطة الحاكمة منها...

فالمظاهرات خروج مجموعة من الناس بموافقة الحكومة وفي المكان والزمان الذي تحدده هي، الغرض منها ايصال رسالة من خلال الاعلام بواسطة شعارات تقولها أو ترفعها لعرض مطالب ترغب تحقيقها أو قضية تعترض عليها لتلفت النظر إليها على أمل مراعاتها، وهي أما مؤيدة للسلطة أو معترضة عليها على أن يكون الاعتراض بأدب جم ولا يتسبب بتعكير صفو الحكومة لا بالقول ولا بالسلوك ...

أما ما متوقع من نتائج تحققها المظاهرات فأمر يختلف باختلاف السلطة الحاكمة وفي هذا المجال تحضرني نماذج ثلاثة:

-الحكومات الديمقراطية الحقيقية: تأخذ الأمر على محمل الجد لأنها تحترم شعبها ولأن مصيرها متوقف على رضا الشعب ولذلك فهي تسعى الى عدم ايصال الناس الى الحاجة للتظاهر فتجتهد بتشجيع استطلاعات الرأي وقياس رضا الناس ...

-الحكومات الدكتاتورية: ونموذجها المعروف عراقيا نظام صدام هذا أحادي النظرة للمظاهرات فهي بالنسبة له تنحصر في: بالروح بالدم نفديك يا صدام وهلا بيك هلا وبجيتك هلا وإذا استدعت الحال قيام كبار أركان نظامه بالجلوس على الشارع والكتابة بالطبشور تسقط امريكا فلا بأس ... أما موقفه من المظاهرات في غير هذه الأغراض فـ "يطر المتظاهر 4 وصل ويجبر أبوه وعشيرته يتبرون منه ويبيحون دمه "...

-حكومات الفساد والمحاصصه: ونموذجها المعروف ما هو جاثم على أنفاس العراقيين اليوم هذا النظام مثل مليحي الرعيان لا يطير بعيد ولا ينكمش بالـ أيد...المظاهرات ما دامت لا تهدد كراسي الحكام فهي حق طبيعي كفله الدستور لا تعترض عليه ومسموح للمتظاهر يشتم، يفشر يصفهم بالعماله ،بالفساد ،وحتى ضرب صورهم بالقنادر مسموح ولابأس أن يشق المتظاهر زيجه أو تصل القندره الى مدى أبعد فيتحاشى الحاكم اصطدامها بوجهه لتصفع وجه حمايته أو ضيفه حتى لو كان رئيس أقوى دوله في العالم ... بل بالعكس أطراف المحاصصة والفساد تشجع هذا النوع من المظاهرات  وتتبناه لأنه يحقق مصالحها في معاركها البينية ضد بعضها وتحصد نتائجه مزيدا من المغانم والمناصب والنفوذ ومثل غيمة هارون الرشيد وين ما تهطل فهي بأرضه...ولكن إن تتحول المظاهرات الى انتفاضة فهنا مكمن الخطر ...

الانتفاضة موضوع آخر يختلف جذرياً عن المظاهره ...المنتفضون لا يسعون للحصول على أذن من الحكومة ولا يتقيدون بالزمان والمكان والوقت الذي تحدده ولا يراعون مشاعرها والأخطر من كل ذلك أن نهايتها مفتوحه فلا يوجد لها ضابط ايقاع ولا مايسترو ينصاعون لأوامره إن قال لهم أبدأوا فعلوا وان قال توقفوا أطاعوا   ونقطة الشروع في مسعاهم الهجوم على أجهزة السلطة القمعية لإيقاع أكبر الخسائر فيها لتحييدها ومن ثم التوجه الى دوائر السلطة لتدميرها والاستيلاء عليها وقد تتحول اهدافهم الى تقويض السلطة والظفر بالحكام وطبعاً المنتفض أول شيء يتبادر الى ذهنه هو إعادة تمثيل خازوق القذافي مع حكامه ...

خطورة الانتفاضة لا تكمن في الإضرار بممتلكات الدولة ولا بعدد الضحايا من عناصر السلطة مادامت "دار السيد مامونه" ولكن الحاكم يذرف دموع التماسيح بسبب ما وقع من أضرار ليتخذ من ذلك ذريعة ليستخدم أشد أدوات القمع ضدها والتأليب عليها ليمنع من امتدادها مكانياً وزمانياً فتتحول الى ثوره وهنا مكمن الخطر لأن ذلك سيطال الكراسي وقد يمتد ليطال الرؤوس وقبلها المؤخرات...

الانتفاضة في سعيها لأن تتحول الى ثورة قد تستعيض عن العنف بالجنوح الى السلم والعصيان المدني إذا وجدت تجاوب واسع من المجتمع يمدها بالعدد الهائل من الناس ولفترة طويلة وغير محدودة عندها يتم شل الحياة في البلد وتتوقف انشطة السلطة التي لا يمكنها بأي حال من الأحول قتل كل المجتمع لأن عناصرها وأدواتها في القتل ينتمون الى المجتمع نفسه وسينحازون اليه إن عاجلاً أو آجلاً فيجد الحاكم أبواب المستقبل مغلقة أمامه وحياته في خطر محدق وحرصاً عليها لا مناص من اختيار واحد من ثلاثه أما التخلي عن السلطة والاحتفاظ بشعرة معاويه ليحافظ على رأسه وقد فعلها حسني مبارك وعلي عبد الله صالح أو الفرار على طريقة زين الدين بن علي أو يتمسك بعنجهيته فتكون النهاية حفرة صدام او خازوق القذافي ...

في العراق منذ 2006 المظاهرات قائمة على قدم وساق في معظم المدن العراقية لكن غرضها عرض حال وتعبيراً عن المعاناة والوجع ليس أكثر فلم تبالي بها سلطة الفساد والمحاصصه لأنها لا تحترم شعبها، تطور الى شتائم وسلطة الفساد والمحاصصة لا تستحي فتضيرها الشتائم، تطورت الحال لتلحق الضرر بالممتلكات والأرواح في البصره فلم يؤبه بها، ولكن عندما فهمها المالكي بأنها تزاحماً على الحكم  شن صولة فرسانه المعروفة، وحصلت في الرمادي وقطعت الطريق الدولي أشهر فاستغلها المالكي لتأمين طوق طائفي يعزز مواقعه فوصفها بالفقاعه وألمح الى وصفها بحرب يزيد على الحسين ولم يسع لمعالجة أسبابها بل زادها بلة رغم أنها شكلت أرضية الاقتتال الطائفي ودخول داعش ...

المظاهرات في الحويجة والموصل رغم استمرارها لفترة طويلة وتسببها بإزهاق أرواح كثيره واضرار جسيمة بممتلكات الدولة لم ترتجف أوصال حكام الفساد والمحاصصة بسببها لأنها لا تهدد سلطتهم ...

مظاهرات ساحة التحرير وتنسيقيات المدن العراقية استمرت سنوات وشعار شلع قلع لم يشلع عاكَوله وشعار جمعه على جمعه والفاسد نشلعه حتى القائمين عليه ملّوا من ترديده دون أن يأبه بها ساسة الفساد والمحاصصه لأنها من النوع المؤدب جداً ومعروف النهايات...

مظاهرات التيار الصدري التي تطورت الى مليونيه وتعمقت الى حد اقتحام المتظاهرين لمجلس النواب والعبث بمكرفوناته وتمزيق قنفة سليم الجبوري والتسبب بهلع نائبات في المجلس خرجن من دون احذيه وبشعور شعثاء تفتقر للحشمة والوقار و"تمليخ" قميص نائب رئيس المجلس وخرمشة وجه نائب من الفضيله كلها لم تفقد ساسة الفساد والمحاصصة صوابهم والسر في ذلك معروف وهو أنهم يعرفون نهايتها ومئالها الذي يقف عند حدود "جرة الأذن"...

أما مظاهرات 1 تشرين فسر قوتها كان يكمن فيها فلا يوجد مايسترو يمكن التفاهم معه ولا توجد نهاية معروفه لها فقد تتطور الى انتفاضه وهذا ما حصل بالفعل فهي لم تنحصر في ساحة التحرير بل نبعت في معظم مناطق بغداد من الشعلة الى الحسينية الى المدائن الى مدينة الصدر الى حي العامل كل في موقعه فتقيئت بغداد عما يضيق به صدرها وامتدت الى مدن عراقية اخرى وتطور فعلها الى قطع طريق المطار واحراق مقرات احزاب السلطة في الناصرية...وهي صحيح  لم تبلغ ما بلغته انتفاضة آذار 1991 التي علق المنتفضون خلالها جثة مدير الأمن في الناصرية برافعة الكرين وقوضوا كل اجهزة صدام القمعية واسقطوا نظامه في معظم محافظات العراق وحاصروه في عقر داره ولا يمكن مقارنة حدة وشدة هذه بتلك ولكن مع ذلك  فقد حكام الفساد والمحاصصة رباطة جأشهم وتخلوا عن لا مبالاتهم فدفعوا بقناصيهم وقتلتهم الى المظاهرات لتحصد أرواح ما يزيد عن 150 حدث وشاب بعمر الورود وبعضهم اشقاء من عائلة واحده وما يربو على 6 آلاف مصاب ...

الذي أفقد ساسة المحاصصة صوابهم لم يكن تدمير لدوائر الدولة الذي لم يحصل اصلاً ولا مواجهة المتظاهرين للقوات الأمنية بالسلاح الذي لم يحتكم المتظاهرون عليه أصلاً ولا تشكيل البعثيين لحكومات انقاذ لا تتعدى حقيقتها احلام العصافير ولا ترويج السعوديين لانقلاب عسكري يفقد ايران نفوذها في العراق انما الذي افقدهم صوابهم عدم وجود مايسترو للمظاهرة يوعز لها بالتوقف مكتفياً بجرة أذن وتعذر تجييرها طائفياً لأن حصة الأسد فيها شبان ينتمون الى نفس الطائفة التي يتخذ منها أعيان الفساد والمحاصصة درعاً لحمايتهم ،وعدم وجود نهايات محددة للمظاهرة تتوقف عندها فهي لم تنحصر بمشكلة الفساد والفقر والبطالة بل بمسبباتها وهي المحاصصة وفساد النظام السياسي والمطالبة بإصلاحه جذيريا أو أن تتطور الأمور للمطالبة بإسقاطه ...

توقفت المظاهرات بحلول ترقيعية ووعود لا تمس أساس المشكلة على أمل استئنافها بعد زيارة اربعينية الحسين وقرر السيد مقتدى الصدر دخولها بتياره ...

هل أن دخوله يقوي من شوكتها أم يتسبب "بصرف النظر عن نواياه الإصلاحية" بنزع شوكات دبابيرها...؟

قناعتي الشخصية أن دخوله فيها سيتسبب في نزع شوكات دبابيرها لأن المظاهرات مليونيه كانت أم ملياريه مادامت مسيطر عليها وضمن حدود التظاهرات مقننة الزمان والمكان ونهاياتها معروفه لا يأبه بها ساسة الفساد والمحاصصة ولا تشكل عندهم فرقاً لأنها لا تهدد وجودهم على رأس السلطة...

 

موسى فرج

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4792 المصادف: 2019-10-19 00:44:43