 أقلام حرة

الطائفية السياسية بين العراق ولبنان

علاء اللاميثمة فرق مهم وجوهري، لاحظته من خلال متابعتي لوقائع التظاهرات في لبنان طوال يوم أمس، مقارنة بما حدث ويحدث في العراق، هو أن العراقيين المعارضين للنظام وحتى من داخل النظام يلعنون "الطائفية السياسية" ويطالبون بإنهاء المحاصصة الطائفية. ومن الطبيعي أن رفض الرسميين العراقيين للطائفية السياسية هو كذب وخداع ينتشر خصوص في المواسم الانتخابية، لأنهم لا يستطيعون الانتحار السياسي. أما في لبنان فالأمر شبه محرَّم في هذا الخصوص، ومن يقترب نادرا من أسس النظام الطائفية، ومن معادلتها شبه المقدسة "اتفاق الطائف"، يهاجمه الجميع في أحزاب الموالاة والمعارضة، وغالبية جمهور الطرفين، ويتهمونه بتهديد ما يسمونه في النثر السياسي اللبناني التعايش المشترك والذي لا يعني سوى "تعايش القطط السمان من الطبقة اللصوصية السائدة"...

لا بل أن المادة الوحيدة في اتفاق الطائف والتي تسمح أو تشجع على إلغاء الطائفية السياسية في لبنان بموجب آليات منصوص عليها، وهي المادة "95"، مستهدفة بالتعديل من قبل الرئيس الحالي ميشيل عون وحزبه الذي بات يطالب بالانتقال الى صيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الحكم لأسباب انتخابية. ولعل الرئيس اللبناني الوحيد الذي حضَّ مجلس النواب على تفعيل هذه المادة هو الراحل إلياس الهراوي. ففي سنة 1998 طلب الهراوي في رسالة رسمية وجهها إلى مجلس النواب تأليف الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، ولكن المجلس لم يستمع إليه وأهمل طلبه. لاحظتُ مثلا في كل ما بثه الإعلام اليوم من لقاءات وتحليلات لساسة وصحافيين وأكاديميين - وعذرا إن فاتتني حالة معاكسة - لم أسمع واحدا منهم دعا لإسقاط صيغة الحكم الطائفي في لبنان او تفعيل وتطبيق المادة "95"! هذا ربما يؤكد ما ذكرته في مقالتي التعقيبية على رئيس تحرير "الأخبار" إبراهيم الأمين، يوم أمس، من أن ثمة فرقا جوهريا بين الحالة الطائفية السياسية الراسخة في لبنان قبل قيامه كدولة مستقلة، حيث جرى بالفعل اعتماد التوزيع الطائفي للسلطة في عهد الإمبراطورية العثمانية، منذ إنشاء منطقة جبل لبنان الإدارية خلال القرن التاسع عشر، كما يخبرنا الباحث جوزيف باحوط، باعتبارها نواة لبنان الحديث. وقد تبنّى نظام الحكم الذي تم استحداثه بعد الحرب الأهلية في جبل لبنان في العام 1860، (المتصرفية)، الطوائف الدينية المختلفة باعتبارها أطرافاً سياسية فاعلة. وفي مرحلة ما بعد العام 1860، وتحت سلطة الوالي العثماني المسيحي غير العربي المعروف، تم إنشاء مجلس إداري خُصِّصت فيه مقاعد للطوائف الدينية الست الرئيسة في جبل لبنان، وبين الطائفية السياسية في العراق المحتل اميركيا سنة 2003 حيث فرضت كنظام حكم فرضا على المجتمع والدولة من قبل الاحتلال الأمريكي وعملائه المحليين، والأدق، عملائه الذين جاء بهم معه من الخارج!

إن وجهة النظر هذه، لا تسقط تماما واقع وجود الانقسام المجتمعي الديني والطائفي في العراق، والذي هو واحد من أقدم المجتمعات التعددية والمتنوعة ولا يلغي وجود نزعة طائفية في فترات معينية في أوساط الحكم، ولكن النزعة الطائفة، والانقسام والتنوع المجتمعي، في العراق شيء، والتنظيم الطائفي السياسي على مستوى الحكم في لبنان منذ القرن التاسع عشر شيء، آخر ومختلف في العمق والنوع الاجتماعي.

وهذا ما لا يدركه بعض الطائفيين العراقيين، حتى لو تشبث بعضهم بلحية ماركس ومعطف لينين، حين يزعمون أن الطائفية السياسية قائمة في العراق منذ القدم بدليل أن نسبة الوزراء السنة الى الشيعة في العهد الملكي هي الأكبر، أو بدليل أن قارئي المقام البغدادي كلهم من السنة، متناسين أن مطربي الغناء الريفي كلهم أو غالبيتهم الساحقة من الشيعة، وهذا واقع انقسام مجتمعي بين المدينة والريف ولا علاقة له بالطائفية السياسية، وغير ذلك من أدلة مضحكة يأتون بها من قفشات علي الوردي أو من تاريخ الوزارات لعبد الرزاق الحسني. وهذا ليس غباء عاديا أو غفلة عارضة لدى هذا النوع من كتاب الفيسبوك ذوي الأسماء المزيفة غالبا، بل هو ولاء طائفي عميق وانحياز غرائزي لا يحتج بالعقل بل بالغريزة، ويتمظهر في حالات الانفعال والرضوض النفسية المفاجئة.

وعموما، وسواء تعلق الأمر بالطائفية السياسية الراسخة في لبنان وغيره، أو بنسختها الطارئة والمفروضة من قبل الاحتلال الأميركي وعملائه في العراق، فإن أية قفزة على هذا الواقع، وعدم جعل الطائفية السياسية هدفا أول للحراك الشعبي بهدف إزالتها وتغيير النظام ببديل يقوم على أساس دولة المواطنة الحديثة والمساواة بين المواطنين وفصل الأديان والمذاهب عن تنظيم وإدارة الدولة لا يعني سوى قفزة في حلقة مفرغة وعودة أكيدة إلى النظام الطائفي السابق لهذا الحراك!

وسلامٌ على الثوار الشجعان وأهل التغيير الحقيقيين في العراق ولبنان وكل مكان من عالمنا العربي!

 

علاء اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4793 المصادف: 2019-10-20 00:30:32