 أقلام حرة

عشتار بابل والورود

عدنان الظاهريُخطئ مَن يظن ُ أنَّ آلهة بابل عشتار كانت منصرفة للتناسل والخصب وتكثير أنسال الحيوان والبشر وليس غير ذلك. كانت خبيرة ورود من الطراز الأول. بل وهي نفسها (كما أخبرني الملك حمورابي في لقاء خاص معه جرى أخيراً في سفارة العراق في برلين) إنها هي عشتار بالذات هي من قام بتصميم وتفيذ مشروع جنائن بابل المعلقة وإنها هي بالذات من قامَ وقاد حملات التفتيش عن أكثر الورود والأشجار ندرةً في بابل ذاك الزمان. بل وسافرت إلى البلدان الأخرى المجاورة تسأل وتستقصي أخبار الورود وأصناف الزهور فتقتني ما تقتني وتبتاع ما تبتاعُ وتتقبل ما تتقبل من هدايا لتزيين قاعات وحدائق القصر الشاهق المخصص لسكن الملكة الجديدة سمير أميس. أصبحت عشتارُ بعد وصول سمير أميس إلى بابل وصيفتها وربتها في عين الوقت. وصيفتها نهاراً وربتها ليلاً تعلمها أصول العبادات وطقوس تقديم الأضاحي والقرابين لرب الأرباب المستورد من مملكة سومر في زاهي أيامها الغابرة. لماذا عشقت عشتارُ الورود ومنذ متى؟ هذا سؤال ـ يُخيل لي ـ لا قيمةَ له البتة. لا تسلْ من هو أبُ الوردة بل سل ْ ما لونها وما قوة تأثير عطرها. لا تسلْ عن الفراشة التي لقحتها أو أي طيرٍ أو خفاش ليل ٍ بل سل ْ هل يؤثر إختلاف الملقحين على نوعية أو قوة إكسير عطرها. لا تسلْ كيف تتباين ألوان الورود وما أسباب ذلك  واسألْ بدل ذلك كيف يختلف البشر في تفضليهم هذا العطر على ذاك وهذا اللون على الآخر. للإجابة عن كل هذه التساؤلات [الميتافيزيقية] بلغة الفلاسفة وأدباء ونقاد اليوم تفكيكيين وتركيبيين وسواهم إرتأيتُ أنْ لا بدَّ من ترتيب لقاء عاجل مع صاحبة الشأن الأول والأخير عالمة الورود ومصممة الحدائق المعلقة وربة سمير أميس ملكة بابل الجديدة المستوردة من أقصى الشمال. كيف السبيل إلى ذلك وقد غدت عشتارُ وصيفة سمير أميس (شامير آموش بلغة أهلها الأصليين) لا تفارقها لا نهاراً ولا ليلاً؟ في النهار وصيفة الملكة وفي الليل آلهة تعبدها هذه الملكة. كيف يكون الخادمُ نهاراً تحت ضوء الشمس مخدوماً في عتمة الظلام وغياب النور؟ هل الخدمة علنية لا من عيب فيها بينما التعبد والتقديس أمران سريان لا يحدثان إلى تحت جُنح الظلام؟ لا من سرٍّ  في الخدمة فالخدمة عمل وجهد بشري مبارك تباركه أيد ٍ واضحة ليست مستورة. أما التدين والتعبّد فلا يصلحان إلا في السر !!  ليسا بحاجة إلى جهد بشري لأنهما أساسا ً عملان غير منتجين. لا من إنتاج في الدين أي إنه بطالة مقنعة كما يقول الإقتصاديون المختصون. على كل حال... خرجنا عن الموضوع. كيف السبيل لتدبير لقاء مع عشتار الجديدة مزدوجة الوظيفة والمسؤوليات؟ إتصلت بجهاز الموبايل بالملك حمورابي لأساله النصح فلم أجده. قال بعض خدمه إنه يمارس الصيد ويقاتل الأسود في أجماتها الكثيفة القريبة من بابل في المنطقة التي سُميت فيما بعد ب (الجامعين). الجامعين؟ كان لأبي في هذا المكان بيتٌ ولي فيه أقارب. الجامعين؟ إنسَ الموضوع يا هذا ولا تشتت أفكارك ولا تنسَ موضوعك الرئيس. ماذا فعلتَ إذ لم تستطع الكلام مع الملك حمورابي؟ إتصلت بربه السيد مردوخ فكان ما زال نائماً يغط في الشخير. قال لي خادمه إنه قضى ليلة أمس في معبد عشتار طرباً وأنساً ومضاجعةً حتى بان الخيط الأسود من الخيط الأبيض فعاد إلى عرش ألوهيته ثملاً جذلاً لا يستطيع الوقوف على قدميه فحملته ثلة ٌ من جواريه وعبيده وها هو ما زال نائماً ولا يجرؤ أحدٌ من تابعيه على إيقاظه. هل تود أن تترك له رسالة أو ملاحظة؟ سالني سكرتيره الشخصي النبي دانيال وهو من يهود السبي في بابل. قلت كلا، سأتصل به ثانيةً لأمر هام أرجو إستشارته فيه. لا أدري مَن أوصل خبري لصاحبة العصمة عشتار، آلهة الطرب والهز والردح والخصوبة والتناسل العددي حسب نظام المتواليات الهندسية والجبرية. هل تناهى خبر حيرتي لها عن طريق الصُدفة حسب نظرية زميلي وصديقي المرحوم الدكتور جواد سلمان البدري [دعْ كلَّ شيء ٍ للصُدف].. أم أنَّ عيناً سحرية ً أو جهازا ً سرياً لتسجيل الصورة والصوت هو من قام بهذه المهمة؟ لا أدري. علمي علمك يا دكتور جواد. لماذ تتفلسف وتُكثر من أسئلتك؟ عرفت عشتار بأمرك وطبيعة تساؤلاتك فأعدت لك لقاءً خاصاً تزوّدك خلاله بالأجوبة النموذجية التي تبتغي. لم افرح بهذا الخبر. مان جُلُّ مبتغاي أنْ أحظى بمقابلة فتاة بابلية من لحمي ودمي أخرى سواها. فتاة نظيفة عفيفة شريفة مثقفة وفية لم تمارس الجنس لا مقدسه ولا محرمه بعدُ. ما علاقة هذه الفتاة الحصان البتول بعشتار؟ قلت يوماً إني أرى وجه حبيبتي في عشتار. تبادل أدوار في الشكل فقط. الأسماء مختلفة والأدوار مختلفة والمسؤليات كذلك. إنه مبدأ التناسخ المجوسي. أخذت حبيبتي من عشتار جمالها وأبهة عنصر الألوهية فيها وهيبتها الإجتماعية ربة ً ووصيفة ً للملكة الوافدة على مملكة بابل من أقصى الشمال. ثم أخذت منها حبَّها للورود وعشقها لألوانها وعمق معرفتها بأصولها وطرق إنباتها وزمن هذا الإنبات. لا تكاد الورود تفارق عالم حبيبتي البابلية. أجدها كلما إلتقيتها في الخيال أو الحُلم بين يديها وعلى صدرها تلاصق نهديها وحول جيدها الغزالي وبين خصلات شعرها الكستنائي الناعم الذي تتضوّع منه رائحة الحناء. أراها تملأ حجرة نومها في الصيف والشتاء. أما حديقة بيتها فجنة من جنات الخُلد. هل أصل حبيبتي وردة خرافية أو تمتُّ بصلات بايولوجية لإحدى سلالات الورود النادرة المنقرضة فليس لحبيبتي مثيلٌ في الدنيا لا بين الملائكة ولا بين البشر. سأستغني عن عشتار وإستشاراتها التي لا تقدمها للزبائن مجاناً. تقول إنها لا تتقاضى أجوراً مقابل هذه الإستشارات إنما هي تبرعات لصيانة وإدامة معبدها وتحسين ظروف أداء ونشاطات خدمه وعبيده وتجديد أثاثه ودفع أجور رمزية لفرق الإنشاد والطرب وقرّاء التراتيل الدينية للإله مردوخ، صاحب العزة والجلالة. هل يشرب الإله مردوخ الخمور؟ لا من معنى لألوهيته بدون سُكر ٍ وخمور !! أتاني الجواب من المرحوم جواد البدري صاحب مقولة [دعْ كلَّ شيء ٍ للصُدف]. كان ملحداً يكفر حتى باللاة والعُزى لكنه كان يخشى من هُبل الأكبر، هُبل بغداد المعروف. نعم، إستغنيتُ بالفعل عن عشتار ربة الجنس وعالمة النبات والورود. حبيبتي أكثر منها ثقافة وحبيبتي لا تسهر لياليها في خدمة الملكات والأرباب وحبيبتي أكاديمية الثقافة والعلم. كتبت لها رسالة (إيميل) مختصرة أسالها عن سر ولعها بالورود فأرسلت لي وردة حمراء بلون دمي الذي سفكته أو سفحته تحت قدميها يوم أنْ تعرفنا خلال إحتفالات ومهرجانات أعياد رأس السنة البابلية قبل أكثر من ثلاثة ألاف  عام. عرفتني عشتار عليها وقالت لي : خذ ْ، هذه إحدى وصيفاتي من قارئات تراتيل المعبد فصوتها شجي وعزفها على القيثارة لم يسمع البشر بمثله. خذها عطية ً مني لك إنها  منذ اليوم حبيبة قلبك، خذها هدية ً مني لك لأنك مثلها بابلي الأصل وإني وجدتها لا تصلح إلا لك. كتبت لها مرة ً ثانية ً : أحبك فأرسلت لي وردة ً أخرى كسابقتها لوناً وعطراً. أخاطبها حبا ً فتجيبني وروداً فكيف سنتفق؟ وحين طلبت منها صورة حديثة لها قالت تعالَ إلى بابل لنلتقط الكثير من التصاوير على مدرجات الجنائن المعلقة. كيف أروح إلى بابل وليس معي جواز ُ سفر بابلي؟ قالت لا تحزن ْ، سأشتري لك جوازاً مزوراً صالحاً لأربعة أعوام. هيا، أسرعْ ففي بابل مطار جديد يستقبل يومياً العديد من الطائرات القادمة من مختلف دول العالم. مَن سيستقبلني في مطاركم؟ أنا وعشتار وسمير أميس وحمورابي والرب مردوخ وإذا أحببت إصطحبنا معنا المستشار الملكي دانييل !

عزيزي المرحوم جواد البدري : أجبني وأنت في قبرك، هل نحن اليوم بحاجة ماسة للمزيد من المستشارين أم لدينا الكثير منهم عراقيين وأمريكان وسواهم؟ أجبْ يرحمك الرحمن.

 

عدنان الظاهر

25.07.2008

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4812 المصادف: 2019-11-08 10:21:12