 أقلام حرة

المشكلة في (القضاء) لا في الدستور

سليم الحسنيلا أتصور أن دستوراً قد تعرض للنقد من قبل الطبقة التي كتبته، مثل الدستور العراقي. فلقد أشبعه السياسيون شتماً وإدانة حتى صار الانطباع السائد أن مشاكل البلد وأزماته تبدأ من الدستور وتنتهي به، وأنه لولا نواقص الدستور ونقاط الخلل فيه، لما وصل حال العراق الى هذا الشكل من الخراب والتردي.

فهل الدستور العراقي بهذا السوء؟

بجواب مباشر وسريع، ليس للدستور هذه الدرجة من المسؤولية فيما جرى ويجري في العراق، بل أن دستوراً أقل من هذا بكثير من شأنه أن ينظم العملية السياسية لإعادة بناء العراق وتوفير عيشة راقية لشعبه، لو توفرت سلطة قضائية غير هذه الموجود.

وفي المقابل فأن أرقى الدساتير في العالم لو تم اعتمادها في العراق، فان الخراب والفساد سيكون بمثل الذي حصل ويحصل مع وجود هذه السلطة القضائية الحالية.

إن المشكلة العراقية ليست دستورية بالدرجة الأولى، فتنظيم الدولة فيها يعتمد على أسس مقبولة، والنظام الديمقراطي قائم فيها على انتخابات وبرلمان وتقسيم للسلطات. لكن الخلل في فساد السلطة القضائية.

يرى الكثير من الخبراء وكبار رجال السياسة في العالم، أن النموذج البريطاني في ادارة الدولة ورقي ديمقراطيتها، يعود الى عدم اعتمادها لدستور مكتوب، وقد ناقش قادتها في فترات مختلفة مسألة كتابة الدستور للمملكة المتحدة، لكنهم كانوا يصلون الى نفس النتيجة، وهي عدم كتابة الدستور.

إن ما ينظم الحياة الادارية والسياسية في بريطانيا مجموعة لوائح قانونية وتشريعات برلمانية واعراف وتجارب سابقة، وأهمها ما جاء في قانون وراثة العرش الذي يؤكد أن القضاة أحرار لا يخضعون لسلطة الملك او الملكة. وهذا ما جعل السلطات التشريعية والتنفيذية تلتزم بواجباتها، لأن هناك سلطة قضائية حقيقية مستقلة حرة، وهي ضمانة هذا النظام الديمقراطي العريق.

وفي ضوء ذلك يتعامل المواطن البريطاني بثقة تامة، بأنه عندما يتعرض الى الغبن أو يشعر بوقوع ظلم عليه في شأن خاص أو عام، فان هناك سلطة قضائية تأتيه بحقه كاملاً من أعلى مسؤول في المملكة.

ليس المسؤول البريطاني متفانياً في عمله لأنه يمتلك مواصفات عالية من التربية الشخصية والسمو الاخلاقي، ولكن لأنه يعلم أن هناك سلطة قضائية قوية، تتعامل بالقانون بمهنية عالية، وهو معرض للمثول أمامها بشكوى بسيطة من أي مواطن.

ليس سلوك الناس في الغرب مثالياً كما هي النظرة الشائعة، فهناك الكثير من المواطنين يتحينون اي فرصة لمخالفة القانون مثلما هو الحال في دولنا، لكن الذي يمنعهم من ذلك، هو الخوف من سلطة القضاء.

إن بريطانيا بهذه السمعة العالمية والمكانة الدولية من المؤكد انها ستتحول الى مثل العراق أو أسوأ منه، خلال أقل من عام واحد فيما لو كانت السلطة القضائية فيها على شاكلة الموجودة في العراق. ونفس النتيجة ستصل اليها كل الدول الكبرى فيما لو انتقل لها الجهاز القضائي العراقي.

سبب الخراب في العراق، هو كتلة السلطة القضائية بالدرجة الأولى، إنها فاسدة منتفعة وقمعية لمن يقترب اليها بالنقد، وهذا ما يريده قادة الكتل السياسية، لكي ينعموا بحرية السرقة وامتصاص ثروات البلد، في علاقة متبادلة بينهم وبين القضاء.

ولكي يوهموا المواطن، فانهم يصرفون انظاره عن فساد القضاء بالقاء اللوم على الدستور ونقصانه ونقاط الخلل فيه.

لا يمكن اغماض العين عن وجود النواقص ونقاط الخلل، لكن ذلك ليس كارثياً، وليس هو السبب الأكبر، إنه سبب واحد من أسباب كثيرة وأكثر أهمية مقارنة بالسلوك الفاسد للقضاء والسياسيين، فهؤلاء ـ مع غياب القضاء النزيه ـ يجعلون الدستور (المعصوم) كراسة جامدة عديمة الفائدة.

 

سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للدكتور سليم
نعم نتفق معك بأن اساس الخراب في البلاد هو القضاء ولو كان حرا ومفعل بالشكل المطلوب لما وصلنا الى هذا الحد من الفوضى التي افضت الى انهيار البلد حتى اصبح الدستور شماعة يعلق عليها كل اسباب الفشل وكأن الدستور هو الذي شرع لهم الفساد والطغيان .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا الكلام غير صحيح ونسي الكاتب أو ربما لا يعرف أن القضاء مرتبط بالإستقرار الإقتصادي
للنظام الرأسمالي فمن دونه لا يمكن أن يثق رأس المال بمصيره وتعم الفوضى , وهذا غير موجود
في البلدان التابعة للرأسمال المتمركز في الغرب فالقضاء في دول العالم الثاني والثالث إمّا تابع كليّاً للدولة يخدمها
ويسندها وحريته أو مجال تحركه محدود في التفاصيل الصغيرة فقط وهذا في القضاء السائد في
دول مستقرة نسبياً وتابعة للرأسمال الدولي بينما يتم التلاعب بالقضاء بشكل فاضح في جميع الدول
المخترقة كالعراق على سبيل المثال .
كان القضاء في زمن صدام يتحرك في التفاصيل الصغيرة وله استقلاليته النسبية خاصة في ما لا
يمس النظام كنظام بينما فقد القضاء في زمن اللصوص الحالي أي مصداقية لأن الفساد وانعدام
الأحساس بالأمان لدى القضاة جعل الأمر أبعد ما يكون عن العدالة في الحكم والإنصاف فمن يضمن
للقاضي أن يسلم بجلده إذا أطلق حكماً لغير صالح حيتان الفساد ؟
الدستور العراقي لا يدافع عنه سوى منتفع منه بشكل من الأشكال وإلاّ فإن هذا الدستور ملغوم ويجب
تغييره حتى ترضى عنه الأغلبية .
لا حل يا استاذ سليم إلاّ بمنع قيام الأحزاب على أساس مذهبي وديني وعرقي . الناس في السياسة
ثلاث فئات أو أربع : الأغنياء وهؤلاء ينادون بتسيّد رأس المال وقدرته على توفير الرخاء وفئة
تتوسط بين أصحاب رأس المال وعامة الشعب وهؤلاء هم الطبقة الوسطى التي يأتي منها كل ما
هو ضروري لبناء دولة ثم فئة الفقراء وهؤلاء بحاجة الى من يطالب بحقوقهم الأساسية والفئة
الثالثة في السياسة ضرورية كي تتصدى لشجع طبقة رأس المال وأصحاب الأطيان , ويبقى هناك
هامش لفئة رابعة ذات رأي ثقافي مختلف وهي ليست أكثر من تلوين كحزب ينادي بالإهتمام بالبيئة
أو بمظاهر أخرى ليس من بينها أي تنازع سلبي يؤثر على وحدة البلدان .
المفسدون يا سيدي سيبقون ما بقي الدين السياسي .
إبعاد المرجعية عن التدخل في السياسة , تماماً كعدم تدخل الكنيسة في السياسة هو ما يجب القيام به
قبل كل إصلاح , وبعد لجم المرجعية وتحييدها ينصرف من يريد الإصلاح الى لجم العشائر فقد
أخذ البعض يعتاش على القيام بدور قضائي بديلاً عن قضاء الدولة .
كل هذه الظواهر متفشية في العراق لأنه محتل احتلالاً مزدوجاً ايرانياً من جهة وأمريكياً من جهة أخرى .

محسن شرهان الفرطوسي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4813 المصادف: 2019-11-09 01:52:03