 أقلام حرة

كيف أثارت إسرائيل النعرات الطائفية في الوطن العربي (2)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الكيفية التي جعلت إسرائيل تثير النعرات الطائفية في الوطن العربي  وفي هذا يمكن القول : لقد ركزت الولايات المتحدة في تعاملها مع الأقليات، علي أن الوطن العربي ليس كما يؤكد العرب دائما أنه يشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة، بل هو خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والديني والإثني. وقد اعتادت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل تصوير المنطقة علي أنها فسيفساء تضم بين ظهرانيها شبكة معقدة من أشكال التعدد اللغوي والديني والقومي ما بين عرب، وفرس، وأتراك، وأرمن، وإسرائيليين، وأكراد، وبهائيين، ودروز، ويهود، وبروتستانت، وكاثوليك، وعلويين، وصابئة، وشيعة، وسنة، وموارنة، وشركس، وتركمان، وآشوريين، وأنه لا يوجد ما يجمعها، لأن التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل أقلية علي حدة .والغاية من ذلك تحقيق هدفين أساسيين هما: رفض مفهوم القومية العربية والدعوة إلي الوحدة العربية .

هذا المرتكز الأخير الخاص بالأقليات يعتبر من الأهمية بمكان في فهم واستيعاب الاستراتيجية "الأمريكية - الإسرائيلية" إزاء المنطقة العربية والتي من خلالها، يتم تشجيع وحث الأقليات في المنطقة على التعبير عن ذاتها، إلى درجة الحصول على حق تقرير المصير والاستقلال عن الدولة الأم، أياً كانت طبيعة هذه الأقليات من حيث الحجم والنوعية، ولا شك في أن مثل هذا المنطق كان هدفه الأساس تأكيد - أو السعي لتأكيد - حقيقة أن المنطقة العربية ليست كما يؤكد العرب دوماً أنها تشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة، وإنما هي خليط متنوع من الثقافات، والتعدد اللغوي، والديني، والاثني. وقد اعتادت "إسرائيل" تصوير المنطقة على أنها فسيفساء تضم بين ظهرانيها شبكة معقدة من أشكال التعدد اللغوي والديني والقومي ما بين عرب، وفرس، وأتراك، وأرمن، وإسرائيليين، وأكراد، وبهائيين، ودروز، ويهود، وبروتستانت، وكاثوليك، وعلويين، وصابئة، وشيعة، وسنة، وموارنة، وشركس، وتركمان، وآشوريين.. الخ .

انطلقت الولايات المتحدة ومعها "إسرائيل" في ذلك من الإلحاح على أن المنطقة، ما هي إلا مجموعة أقليات، وأنه لا يوجد تاريخ موحد يجمعها، ومن ثم يصبح التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل أقلية على حدة. والغاية من ذلك تحقيق هدفين أساسيين هما: رفض مفهوم القومية العربية، والدعوة إلى الوحدة العربية، فتبعاً للتصور "الإسرائيلي" تصبح القومية العربية فكرة يحيطها الغموض إن لم تكن غير ذات موضوع على الإطلاق .

والسؤال الآن : ما الاستراتيجية التي لجأت إليها الولايات المتحدة في تعاملها مع الأقليات؟

استعارت الولايات المتحدة من الإسرائيليين في مخطط تقسيم المنطقة العربية استراتيجية "شد أطراف الأقليات" Tightening the Minority Parties من خلال إثارة الخلافات والنعرات الطائفية وإشعال الحروب بين مكونات الدول العربية، وتمويل تلك الحروب ومساندة الأطراف المختلفة لضمان استحالة العيش في سلام، وبالتالي اللجوء إلى التقسيم الجغرافي، ومن ثم التقسيم السياسي. ولأنه من المعروف أن أضعف أجزاء الجسم هي الأطراف، فإن مخطط تفتيت المنطقة العربية يقوم على استهداف أطراف الوطن العربي، خاصة بما تمتلكه من تنوع قومي وديني ومذهبي، ومن ثم محاصرة القلب" مصر والمملكة العربية السعودية"، بالنزاعات والانقسامات، حتى يسهل التعامل معهم في مرحلة لاحقة، وقد كان تنفيذ هذا المخطط بالسودان تجربة عملية على ذلك، وثبت نجاحه بتقسيم السودان إلى دولتين".

لقد ركزت الاستراتيجية الإسرائيلية في تعاملها مع الأقليات علي تبني سياسة "شد الأطراف ثم بترها" علي حد تعبير بعض الباحثين الإسرائيليين ؛ بمعني "مد الجسور مع الأقليات وجذبها خارج النطاق الوطني، ثم تشجيعها علي الانفصال ( وهذا هو المقصود بالبتر)، لإضعاف العالم العربي وتفتيته ، وتهديد مصالحة في الوقت ذاته، وفي إطار تلك الاستراتيجية قامت عناصر من الموساد بفتح خطوط اتصال مع تلك الأقليات" ؛ وذلك عبر استراتيجية طويلة المدى تقوم على “شد الأطراف”، ثم تتطور لاحقاً إلى “شد الأطراف ثم البتر”، تعبث أطراف دولية عدة بمستقبل منطقة الشرق الأوسط لإعادة ترسيم حدوده من جديد، وتفتيت الدول ذات الثقل السياسي والموقع الاستراتيجي، بل وتجزئة المجزَّأ منها؛ " لتصبح المنطقة عبارة عن مجموعة من “الكانتونات” الصغيرة التي يسهل اقتيادها والسيطرة على مقدراتها.. ويتخذ دعاة التفتيت من ورقة “الأقليات” على اختلاف أوجهها مطيَّة للوصول إلى مآربهم المشبوهة، تحت زعم صون الحقوق وإرجاعها إلى أصحابها القدامى بعد أن انتزعها منهم الاستعمار في القرن العشرين، وكذلك حقوق الإنسان ومقاومة الاضطهاد الديني والعرقي، وهي مزاعم براقة ينخدع بها الكثيرون ممن تبهرهم أضواء الثورات والتغيير والحراك الاجتماعي الذي يجتاح المنطقة منذ قرابة الأعوام الثلاث ولا تزال في “مرحلة الفوران”، ولم يتكشف حتى الآن ماذا يختبئ في باطنها! ".

ومن خلال نظرية شد الأطراف عملت إسرائيل علي توثيق علاقات التعاون والتحالف مع أهم الدول المحيطة بالعالم العربي، تطبيقاً لسياسة "شد الأطراف"، التي استهدفت إقامة ما عرف بـ " تحالف المحيط أو عقيدة المحيط " ( وهي استراتيجية سياسة خارجية دعت إسرائيل إلى تطوير تحالفات استراتيجية وثيقة مع الدول الإسلامية غير العربية في الشرق الأوسط للتصدي للدول العربية الموحدة تجاه معارضة وجود إسرائيل)؛ والدول التي توجهت إليها الأنظار: هي تركيا أولاً، وإيران ثانياً، وإثيوبيا ثالثاً. وهو ما اعتبر البعض" الركن الركين في جدار السياسة الخارجية الإسرائيلية"؛ ففي منتصف الخمسينات (في العشرين) نجحت الجهود "الإسرائيلية" في إقامة علاقات خاصة مع تركيا في مختلف المجالات. بعد ذلك مباشرة بدأ التحرك صوب إيران، الذي أداره فريق من الخبراء "الإسرائيليين"، الذين كان بعضهم من أصول إيرانية. ولاستكمال بناء صرح "حلف الجوار" للاستعانة به للضغط على العرب وتهديد أمنهم، جرت اتصالات نشطة مع إثيوبيا، علنية وسرية، لكي تكتمل زوايا المثلث عند مركزه الجنوبي من الوطن العربي، بعدما اكتمل من ناحيتيه الشرقية والشمالية .

وقد تناول الكاتب "ممدوح طه"، في مقال له بعنوان "من فلسطين إلى العراق.. المؤامرة مستمرة"، في صحيفة البيان الإماراتية، الاستراتيجية الصهيونية التي اعتمدت نظرية "شد الأطراف"، التي صاغها "بن جوريون" Ben-Gurion مع اغتصاب فلسطين، لحصار الوطن العربي بـ"حلف المحيط" الإقليمي كتركيا وإيران وإثيوبيا، قد تحولت الآن بعد التنفيذ إلى عملية "قضم الأطراف" الاستراتيجية التي تضم مكامن الثروة العربية.. وفصلها عن الوطن الأم بادعاءات طائفية أو عرقية أو مذهبية، وتحويلها لمنصات معادية حليفة للدولة الصهيونية، كما جرى بانفصال جنوب السودان، ويجري بخطط انفصال تركستان العراق! مثلما يبدو بنفس الوضوح، أن الاستراتيجية الاستعمارية القديمة للسيطرة على الشرق العربي الإسلامي، بنظرية "الغزو العسكري" من الخارج.

قد أعادت إنتاج نفسها باستراتيجية أمريكية جديدة، هي نظرية "الغزو الفتنوي" من الداخل بوساطة أدواتها الإرهابية، والسياسية، والدعائية، وتلعب إسرائيل فيها دور "العصا الغليظة" ضد الأهداف التحررية الوطنية والقومية العربية، كالاستقلال الوطني، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والوحدة العربية. وبينما المخاطر الخارجية بأدواتها الداخلية تحيط بالعرب والمسلمين الآن من كل جانب، وأبرزها العدوان الصهيوني الإجرامي على الشعب الفلسطيني في غزة، والاشتعال والانقسام المستعر في العراق، استفادة بالصراع المسلح لتفكيك سوريا، والفوضى المسلحة لتفتيت ليبيا، وانشغال مصر بمواجهة المؤامرة الإرهابية، والحرب المسلحة في اليمن .

فليس هناك هدف لأعداء الأمة أغلى مما هو قائم الآن في أوطان العرب والمسلمين المحيطة بفلسطين، من انقسامات وصراعات بين الأشقاء، ومواجهات مسلحة بين الميليشيات والجيوش، انشغالاً عن فلسطين والقدس ومواجهة الأعداء، فتلك أهدافهم وخططهم، من تفتيت الصومال إلى صوملة السودان، ومن لبننة العراق إلى عرقنة سوريا! .

وثمة تطور مهم في استراتيجية التفكيك والتفتيت طرأ في الفكر اليهودي ، يتمثل في أن "نظرية شد الأطراف لم تعد تستهدف فحسب استنزاف الطاقات العربية وتشتيتها، بحيث تستهلك تلك الطاقات بعيداً عن ساحة المواجهة مع إسرائيل، وإنما تجاوزت المسألة هذه الحدود إلي ما هو أبعد وأخطر، بحيث تطورت فكرة شد الأطراف إلي "بتر" تلك الأطراف، بمعني سلخ الأطراف غير العربية وفصلها عن الجسد العربي، من خلال التحالف مع دول الجوار ".

وقد أكد هذا المعني الباحث "زئيف شيف" Ze'ev Schiff الذي ذكر أن استراتيجية شد الأطراف التى تم تبنيها في أواخر الخمسينات قد جري تجاوزها، بحيث أصبح المرفوع الآن هو شعار البتر وليس الشد، وبمقتضي ذلك فإن الدعم الموجه إلي الجماعات العرقية أو الطائفية تحول، بحيث لم يعد يستهدف إضعاف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل، وإنما أصبح الخطاب الإسرائيلي يولي أهمية خاصة لعملية " البتر" لتلبية طموحات الجماعات العرقية والدينية في الانفصال ، وتشكيل الكيانات المستقلة عن الدول العربية .

لتحقيق الخطوات الأخيرة المتمثلة في ما بعد شد الأطراف، وهي بتر هذه الأطراف، أرسل عدد كبير من شباب جنوب السودان للالتحاق بدورات عسكرية وأمنية مكثفة، واستطاعت الأخيرة تدريب حوالي 30 ألف متمرد في الحدود الأوغندية، وفي شهر مارس عام 1994 أقامت إسرائيل جسراً جوياً إلي مناطق المتمردين ، كما أوفدت الخبراء العسكريين لتدريب المتردين ، وتُوج هذا التعاون بين الجانبين بإعلان اليهودي الجنوبي "يفيد بسيوني" David Bassiouni ترشيح نفسه لرئاسة حكومة الجنوب وكان ذلك عام 2001 وكان من ثمار هذا التعاون أن أعلن متحف الهولوكست أو المحرقة اليهودية في مدينة نيويورك تضامنه مع المسيحيين الجنوبيين، حيث قال الناطق باسم المتحف ما يلي:" إنهم يتعرضون للإبادة الجماعية والتطهير العرقي" .

وكان "أريل شارون" Ariel Sharonقد وضع استراتيجية لتفتيت الوطن العربي، قبل قيامه باحتلال لبنان سنة 1982، وقال في مقابلة مع جريدة معاريف Maarih الإسرائيلية إن الظروف "مواتية لتحقيق مشروع تفتيت الدول العربية وبسط الهيمنة الإسرائيلية علي المنطقة ، وتحدث "عن الصراع المحتمل حدوثه بين الشيعة والسنة والأكراد داخل العراق، وبين السنة والعلويين في سوريا، وبين الطوائف المتناحرة في لبنان، وبين الفلسطينيين والبدو في الأردن، والسنة والشيعة في المنطقة الشرقية في السعودية، والمسلمين والأقباط في مصر، وبين الشمال المسلم والجنوب المسيحي - الوثني في السودان، وبين العرب والبربر في المغرب العربي الكبير" .

وجدد شارون بعد تسلمه وزارة الدفاع الإسرائيلية سنة 1981، الحديث عن الحلم الصهيوني بإنشاء دويلات تحكمها أقليات دينية" هذه الهيمنة العبرانية تستعيد لنفسها الحلم القديم بإلغاء هيمنة المسلمين السنة علي مجمل الشرق الأوسط عبر ايجاد دويلات مستقلة تحكمها أقليات دينية أو علي الأقل تشجيع طموحات هذه الأقليات .لذا يجب مساعدة مسيحيي لبنان، والدروز، والشيعة الذين يتواجدون في مناطق أكثر قرباً من الحدود الإسرائيلية .

وأكد هذا المعني، الباحث العسكري الإسرائيلي زئيف شيف، إذ قال إن استراتيجية شد الأطراف التي تم تبنيها في أواخر الخمسينات جري تجاوزها، بحيث أصبح المرفوع الآن هو شعار البتر وليس الشد، وبمقتضي ذلك فإن الدعم الموجه إلي الأقليات تطور، ولم يعد يستهدف إضعاف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل فقط، وإنما أصبح يولي أهمية خاصة لعملية " البتر" لتلبية طموحات الجماعات العرقية والدينية في الانفصال ، وتشكيل الكيانات المستقلة عن الدول العربية .

علاوة علي أن نظرية شد الأطراف لم تعد تستهدف فحسب استنزاف الطاقات العربية وتشتيتها، بحيث تستهلك تلك الطاقات بعيداً عن ساحة المواجهة مع "إسرائيل". وإنما تجاوزت المسألة هذه الحدود إلى ما هو أبعد وأخطر، بحيث تطورت فكرة شد الأطراف إلى "بتر" تلك الأطراف؛ بمعنى سلخ الأطراف غير العربية وفصلها عن الجسد العربي، من خلال التحالف مع دول الجوار .

ونظرية «شد الأطراف» كانت جزءاً من استراتيجية وضعها "زئيف جابوتنسكى" Zeev Jabotinsky، وهو من المؤسسين لنظرية العبري القائم على "بلقنة المنطقة" و"شد الأطراف"، وبلقنة المنطقة تقوم على أساس تقسيم المنطقة على أسس عرقية وطائفية من كرد وعرب ودروز في دول ضعيفة مقسمة طائفية، وليس لديها الثقل الحضاري الذي تستطيع القيام به، على أساس أن إسرائيل تكون في قلب هذه المنطقة وتكون هي القوة العظمى المسيطرة في المنطقة، وتدور في فلكها قوى تابعة؛ أي بمثابة أقمار تابعة لها، أما شد الأطراف فهو افتعال حروب ومعارك في أطراف الوطن العربي بين القوى العربية وقوى غير عربية متواجدة حول العالم العربي لتشد هذه الدول العربية إلى معارك مع دول أخرى غير عربية على حساب إتعاب القلب، ومن هنا جاءت حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران، والأزمة التي حدثت بين سورية وتركيا وحرب جنوب السودان ....وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4815 المصادف: 2019-11-11 11:55:57