 أقلام حرة

الهوية الكونية ومأزق الهوية الخصوصية

عبد الكريم نواريعرف العالم في الآونة الأخير جملة من المتغيرات نكاد نقول أن استمراريتها ستغير الخريطة الدولية، ولعبت الهويات دورا مهما في بروز هذه المتناقضات الجديدة، فبالعودة إلى تاريخ البشرية لاستقصاء أهم أحداثه، سنجد أن الانسان لما حقق كينونته تحققت معه هويته، فهوية الانسان هي الإنسانية، وهي ما يتميز به عن باقي الكائنات التي تشاركه الوجود ولأن الانسان مثله مثل جميع الأشياء والظواهر خاضع لمنطق التطور والتغير والحركة، فعبر تطور سيرورة التاريخ البشري من المتناقضات ظهرت تشكيلات اجتماعية انطلقت من العشيرة حيث شعور البدائي بالانتماء الهوياتي، مرورا بالقبيلة ثم الوطن وصولا إلى الأمة، فالبرديغمات التي عرفها البشر كونت عنده تصورات حول ذاته، ومما لا شك فيه ان المراحل المتقدمة التي عاشتها البشرية افرزت تناقضات جديدة وسط العائلة أولا ثم وسط القبيلة وبعدها وسط الوطن والأمة. غير أن تعدد الهويات الفردية والجماعية حملت في أحشائها تجارب مدمرة من الفتنة والحروب والاقتتال؛ ففكرة الهوية افتنت البشرية: ماذا نعني اذن بالهويات الخصوصية؟ كيف ساهم التنظير الخاطئ في السقوط في النزعة الفاشية؟ ماهي نتائج هذه التنظيرات على المستوي العملي؟ ما السبيل للخروج من دوامة الهويات (المغلقة) وبناء هوية كونية بعيدا عن الهيمنة المعولمة؟ ماهي الهوية الكونية وما مقوماتها؟

١ـ الهويات الخصوصية كنمط مغلق:

تعتبر الهوية من بين المفاهيم التي يصعب تعريفها وذلك راجع إلى كونها مفهوما انسانيا إذ لا يمكن ضبطه فمثلا نجد جميل صليبا في معجمه الفلسفي يحاول تعريف الهوية بقوله:" للهوية عند القدماء عدة معان، وهي التشخص، والشخص نفسه، والوجود الخارجي . قالوا ": ما به الشيء هو هو باعتبار تحققه يسمى هوية، وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية . وقد يسمى به الشيء هو هو اذا كان كليا كماهية الانسان، وهوية إذا كان جزئيا كحقيقة زيد، وحقيقة اذا لم يعتبر كليته وجزئيته" (كليات ابي البقاء) وقالوا:" الامر المتعلق من حيث انه معقول في جواب ماهو يسمى ماهية، من حيث ثوبته في الخارج يسمى حقيقة، من حيث امتيازه على الاغيار يسمى هوية، ومن حيث حمل اللوازم عليه يسمى ذاتا " والهوية سارية في جميع الموجودات ما اذا أخذ حقيقة لا بشرط شيء ولا بشرط لا شيء"[1] ونجد تعريفا آخرا في موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم الإنسانية والفلسفة :"الهوية هي وحدة الشخص أو الجماعة، وما يجعله هو نفسه، أو هو هو، أو ما يجعله مطابقا لذاته، وما يمنحه استمرارية في الزمان، فهي ما يخص الشخص أو الجماعة وما يميزها أيضا. ويطرح مفهوم الهوية على الصعيد السوسيولوجي عدة إشكالات تتعلق بمعاير تحديد الهوية، من جهة، وبالمستويات المرجعية لقياس تميزها من جهة ثانية، وبموقعها بين الوحدة والثبات والتعدد والتحول".[2]

من هنا نستنتج أن الهوية لها وجهان وجه تبدو من خلاله بمثابة بنية مغلقة على ذاتها ووحدة جوهرية ثابتة يصعب الحديث عن دينامية وتغير من داخلها، من جهة أخرى تتخذ الهوية لبوسا ديناميا جعلها بمثابة صيرورة تفاعلية وبناء علائقيا مشرعا على التحول والتناسخ وتتداخل قوى واستراتيجيات متعددة في إعادة تشكيل الهوية في بنائها المتجدد والخلاق.

يرى إمنويل كانط في كتابه "الدين في حدود مجرد العقل" أن الاستعداد إلى الحيوانية في الانسان هو أمر يمكن للمرء أن يضعه تحت العنوان العام لحب الذات الفزيائي والمكانيكي فحسب، ويتحدث عن غريزة المجتمع التي قد تنتج الفوضى المتوحشة بين الناس[3]، لأن الحروب المدمرة التي عرفتها البشرية على مر العصور كان سببها الشعور المتزمت بالانتماء الى جماعة معينة هذا الشعور تولدت عنه نزعة وحشية ذات طبيعة شريرة.

فحروب أثينا مثلا ضد إسبرطة في اليونان القدمة تعد محاولة لبروز الانسان الأثيني ضد الانسان الإسبرطي كان السبب الرئيس هو الشعور بالانتماء إلى مدينة خاصة التي كانت في حاجة للإعتراف. وتعبّر خطبة الجنازة لـ بيريكليس كما قٌدمت من لدن ثيوسيديديس عن هذا الاتجاه؛ لا يعني هذا أن الناس لم يكن لديهم إحساس بالهويات الشاملة سواء كانت هيلينية أو دُريانية. أن هذه الهوية الجديدة دنّست الآخر وأدانته، أما العامل الإضافي الآخر الذي أتت به مواجهة الفرس فهو وزن كل مدينة بما قامت به في حملات الغزو، وهكذا تم تغيير طبيعة العلاقات كليا، ليس فقط بين الشرق والغرب، بل حتى بين المدن اليونانية ذاتها؛ غير أنه وعقب غزو الإسكندر للشرق بدأت الهوية اليونانية تتأثر بالتثاقف والاتصال بالتقاليد المحلية، ليتم لاحقا مناقشة قضايا اختلاط الثقافات ضمن نظريات "التهجين" أو "الأرض الوسطى".[4]

أما في الحضارة العربية الإسلامية فظهر مفهوم "الأمة العربية"، وهو ذلك كيان الذي نشأ وتطور مع الإسلام وانتشاره. بدأ هذا الكيان في التشكل "دستوريا" مع "الصحيفة" المعروفة بـ"صحيفة النبي"، وهي عبارة عن ميثاق "قومي" أبرمه النبي (ص) بعد الهجرة مع سكان "المدينة" من عرب ويهود. كان هذا الميثاق "قوميا" بالفعل لأنه أكد في أحد بنوده أن المهاجرين والأنصار واليهود هم جميعا "أمة واحدة"، متضامنون متعاونون ضد أي اعتداء خارجي. فها هنا "وحدة قومية" بين المتساكنين في يثرب/المدينة: وهم المهاجرون القادمون من مكة، والأنصار (الأوس والخزرج) واليهود، سكانها الأصليون [5].

في إطار هذه "الوحدة القومية" أو "الهوية الجامعة" حافظت صحيفة النبي لكل قبيلة من قبائل يثرب اليهودية منها والعربية، وللمهاجرين من قريش، على أعرافهم، خصوصا في المسألة الأساسية التي تهم المجتمع البدوي، مسألة "الجنايات" وخاصة "القتل"، سواء كان خطأ أو عمدا. وبذلك أقرت نوعا من الهدنة الاجتماعية بين "الهويات الصغرى" وفتحت الباب للإخاء والتعاون (في إطار هوية كبرى)، حتى قبل أن تكتمل الشريعة المحمدية[6].

الملاحظ أن فكرة الهوية هنا تأسست على المرتكز الديني بغرض بناء و"حدة الأمة" ذات بعد قومي وهي ما يطرح اشكالا كبيرا صراحة خصوصا حينما نتحدث على مستوى العمل فهناك مجموعة من القبائل التي لم تكن عربية في الأصل وتم تعريبها فمثلا الأمازيغ في شمال افريقيا وكذا الأكراد لم يكونوا عربا لكن أغلبهم تم تعربهم ... الشيء الذي يعني بأن الهوية العربية نجحت في احتواء كل الهويات التي احتكت معها غير أن هذا الاحتواء كان بأشكل مختلفة ومتعددة .

يتبين أن "مسألة الهوية"، عندما تطرح على مستوى الجماعات، تشكل تحد وتهديد خارجي وشعورا بالتهميش والإحباط مما يسبب الحروب والاقتتال بين مختلف الشعوب بغرض اتباث هوية على حساب هوية أخر، يظهر هذا الأمر جليا خلال الحروب الاستعمارية التي خاضتها الدول الامبريالية حيث كانت الهداف الاستعماري هو تجريد الشعوب المستعمرة من هوياتها واستبدالها بهويات أخرى؛ ففي المغرب مثلا نجد أن المناطق التي استعمرتها فرنسا متأثرة بالثقافة الفرنسية (أقصد المناطقة الوسطى)، في حين أن المناطق الشمالية والجنوبية متأثرة بالثقافة الإسبانية، لكن رغم ذلك قاومت الهويات المحلية "هوية الانا" الهوية الوافدة " هوية الاخر"، لكن ان الدول الاستعمارية لم تقتصر فقط على نشر هويتها بل حاولت جاهدة إثارة النعارات الهوياتية وتفكيك الالفة الهوياتية السائدة مما افرز نزعات فاشية بين مختلف مكونات الشعب المغربي، وتجلى هذا الصراع بين المكون الأمزيغي والمكون العربي لأن الاستعمار واعي بان الأحقاد الطائفية يمكن أن تنتشر كالنار في الهشيم.

ويرى آمارتياصن في كتابه "الهوية والعنف وهم المصير الحتمي" ان كثيرا من النزعات والاعمال الوحشية في العالم تتغذى على هويات متفردة لا اختيار فيها. وفن بناء الكراهية يأخذ شكل اثارة القوى السحرية لهوية مزعومة السيادة والهيمنة تحجب كل الانتماءات الأخرى، وعندما تعطى لهذه الهوية شكلا ملائما ميلا للقتال، يمكن أيضا أن تهزم أي تعاطف إنساني أو مشاعر شفقة فطرية قد تكون موجودة في نفوسنا بشكل طبيعي. ويصل امارتياصن الى أن نتيجة ذلك يمكن ان تكون عنيفا عارما مصنوعا داخل الوطن او إرهابا عنفا عارما مصنوعا داخل الوطن، أو إرهابا وعنفا مراوغا ومدبرا على مستوى كوكبي[7]

2- الهوية الكونية كعبور نحو للإنسانية:

حتي لا يتهمنا احد بأننا ندافع عن العولمة، ضروري من الإشارة أولا الى انني اعتبر ان الرأسمالية قد استثمرت في المنتج العلمي والفلسفي خدمة لمصالحها، وثانيا إلى أن العولمة قائمة على الهيمنة الهوياتية الوحيدة ومحاولة اقتلاع الهويات الأخرى من جدورها بل ويشهد العالم أنها قد شنت الحروب على الهويات الأخرى، العولة غطاء من العنف الذي يمارس في حق مجموعة من الشعوب. فنظام العولمة يريد إقرار هيمنة مطلقة للغرب الرأسمالي وفرض نمط أحادي الجانب في المعرفة والوجود وهو ما تسعى إليه بكل قوة الليبرالية المتوحشة. لقد بات من الواضح أن نظرية العولمة مازالت في حاجة إلى الوضع الأنثروبولوجي الذي تعيشه الشعوب التابعة، من أجل تأييد عملية الاستغلال والاستلاب، وهو الأمر الذي يتطلب ضرورة التفكير في كل إمكانيات التحرر بعيدا عن الخصوصية الضيقة التي لن تبرر إلا سيكولوجيا الخضوع والاضطهاد.[8]

إن أي حديث عن الهوية الكونية يغيب الإنسانية هو حديث أحادي الجانب سيسقط بدون شك الدفاع عن العولمة، وأي حديث عن الهوية الخصوصية بدون مراعات الإنسانية سيسقط بدون شك في النزعة " الفاشية"، لكن هل الهوية الانسانية تعني استبدال ولاءتنا القومية والخصوصية بالانتماء الكوكبي؟ اذا ما أجبنا على هذا السؤال بنعم سوف نسقط فيما كنا ننتقده، الواقع أن الهوية الإنسانية يمكن أن تستقبل ما تحتاج اليه من دون أن تقصي ما لا تحتاجه، يقول امارتياصن في كتابه الهويات والعنف، وهم المصير الحتم:" عندما كنت صبيا في الحادية عشرة من عمري لم أستطيع أن أفعل الكثير من أجل قادر ميا وهو ينزف ورأسه على حجري. لكنني أتخيل عالما آخر، ليس مستحيلا أن نبلغه يمكن فيه أن نؤكد أن هوياتنا المشتركة الكثيرة (على رغم وجود الانفراديين المتحاربين عند البوابة) لابد أن نمنع، قبل كل شيء، الأفق من تقسيم عقلنا الى صنفين "[9]

خلاصة القول ان الهوية الكونية التي ندافع عنها في هذه الورقة لا تنفي خصوصية الهويات المحلية التي سقطت في مأزق لما كانت اسبب في انتشار عنف واقتتال البشر من خلال إذكاء الصرعات الدينية والعرقية الناتجة عن الانغلاق والانعزال الهوياتي، وبمنطق "هوياتي الكوني" نعتبر أن العولمة قد اغتصبت الهويات الخصوصية للشعوب.

 

عبد الكريم نوار

...............................

[1] ـ جميل صليبا، المعجم الفلسفي (الجزء الثاني، دار الكتاب اللبناني) ص 531.

[2]- سبيلا محمد، الهرموزي نوح، موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم الإنسانية والفلسفة (منشورات المتوسط، 2017) ص 123

[3] ـ إيمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل، نقله الى العربية فتحي المسكيني (بيروت: الجداول 2012) ص 75

[5] - محمد عابد الجابري، تشكل الهوية العربية

http://www.aljabriabed.net/identite_arabeformation.htm

[6] - محمد عابد الجابري "الأنا" مبدأ للسيطرة ... و"الآخر" موضوع له!

 http://www.aljabriabed.net/sensoccidentislam5.htm

[7]- آمارتياصن، الهوية والعنف وهم المصير الحتمي،ترجمة؛سحر توفيق، ص 12.

[8]- خميسي عبد اللطف، الهوية الثقافية بين الخصوصية وخطاب العولمة الهيمني، مجلة فكر ونقد العدد 14 (17) ديسمبر 1998، المغرب.

[9]- آمارتياصن، الهوية والعنف وهم المصير الحتمي، ترجمة؛ سحر توفيق، ص 184

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4822 المصادف: 2019-11-18 11:49:12